Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

 الطيور العارية*
عبدالوهاب طالباني
استراليا


الأرتعاشات السكرى لذلك المساء الموصلي ، كانت تلبس شاطئ دجلة لباسا رماديا ، وكان النهر متلفعا بلون الحزن، احس في داخله كأنه يرى مياه النهر تتباطأ في جريانها السرمدي ...كأنها تريد العودة على اعقابها ..الى المنابع حيث جبال القهر تنوء بثقلها على عالم منسي مسكون بظلم كبير ، يبدو انه ازلي.
اعاد قراءة الورقة التي سلمت اليه صباح ذلك اليوم ، التفت حواليه ، كأنه يبحث عن شئ يفقده، وقد امتقع وجهه الذي حفرت فيه الأيام اخاديد عميقة ، وحولت شعره الى بقايا غابة محروقة ..
غرق قي غمامة من الأسى ، بعد ان يئس ان يرى شيئا له معنى ، وهو الذي تحول الى اسفنجة تمتص كل هذه المحن التي تنهال عليه دون توقف.
ما زال الطعم الصديدي للأيام التي اجتمعت فيها غربان العالم على اهله في فمه ، ما زالت جروح المنفى الأجباري لم تلتئم عندما اضطر الى الهرب من طاعون الموت الذي شاع في في البلاد ، والحرائق التي اتت على البشر و الحقول والبساتين والقرى والمدن...
كان شراع الشمس الغاربة، يبتعد في الأفق البعيد ، صادحا بنغمات الأصائل التي تضوع انفاس البيوت الحجرية ، ووشوشات الغابات النائمة فوق ركام التواريخ الغابرة.
انها المديتة التي سكنها بعد ما عاد الى الوطن مع اسراب الطيور المهجرة عام 1975 ، وبعد ان رأى اللون الرمادي الغريب عن الوان الربيع الكوردستاني قد خيم على قريته ، تعقبوه ، وحملوه على بساط حقدهم الى المدينة ، هناك عمل في كثير من المجالات التي لم يكن يعتقد بأنه سيعمل فيها فالأرض بالنسبة اليه كانت كل شئ ، ولكنه عمل حمالا ، منظفا ، عامل مقهى، عامل بناء ، وقضى اياما مريرة دون عمل ، ولم تكن حياة المدينة تعجبه ، لذلك ظل مشدودا الى ملاعب صباه في تلك القرية النائمة عند اقدام الجبل غير بعيد عن اطراف بيت النور في "لالش".. كان يعد الأيام عسى ان تنشق عن فرصة تعيده اليها ، فيمرح في حقول السنابل التي تختزن الغيوم والأمطار وحبات القمح ، فكر في حينه ان يلتحق بالثوار مرة اخرى ، ولكنه سمع انهم كانوا حينها مشغولين بكتابة قصة قابيل وهابيل ولكن باللغة الكوردية ..
تحسس الورقة المشؤومة في جيبه ، اخرجها ، حدق فيها ، كل حرف فيها بالنسبة اليه كان بمثابة ثعبان سام يريد ان يلدغ روحه التعبى. انهم يأمرونه بالرحيل الى الجنوب دون ان يحق له بأخذ اي شيْ معه .
"يبدو ان فصول التشرد والنفي لم تنته بعد ، ، الترحيل القسري اصبح قانون الحياة في هذه البقاع ".... انهم اقتلعوه من ارضه قبل سنين والان يريدون طرده حتى من المدينة التي لم يختر العيش فيها .
"من يقول انهم سيسمحون لي بالأستقرار مرة اخرى في تلك المدينة الجنوبية البعيدة ، الم يأخذوا الكثيرين من اقاربي الى تلك الأصقاع ، ليختفوا هناك ، وكأن الأرض ابتلعتهم ، قد قيل انهم قتلوا ودفنوا احياء ، وثمة فتيات كورديات من كركوك سرقن من منازلهن في جريمة "الانفال" والترحيل القسري و عرضن في سوق نخاسة حاكم بغداد وتم بيعهن الى سلاطين الصحراء " او انظمة عربية لعبت دور تجار الرقيق.
انه يتحسس الورقة اللعينة.. اهي ورقة ام جمرة نار تحرق اصابعه..؟
اخذ يصعد المرتفع ، حيث جامع النبي يوسف، التقى بعض معارفه وهم يهيمون على وجوههم ، كانوا كطيور قصت اجنحتها ونتفت ريشها ، تمشي على الأرض عارية من ريشها المسروق.
اخذ الظلام يلف المدينة ، وقباب الجامع القديم بدأت تتيه وسط حلكة الليل الأتي مع كابوس السهد الذي تحاول عناقيد النجوم المعلقة فوق اسوار نينوى العتيقة ازاحته دون جدوى .
وعندما نهض ليعود الى بيته ، كان الليل قد انتصف ، احمال ثقيلة كانت تجثم على صدره ، وتهز عقله .
"أأقتلع مرة اخرى؟ طيب قبل ان ينفذوا طردهم لي من المدينة سأرجع الى قريتي واحاول ان ارتب حياتي هناك مرة اخرى .." واستدرك : " ولكن كيف ؟ الناس هناك اغراب مستوطنون ، انهم( سيرحبون) بي في اليوم الأول لوصولي هناك ولكن على طريقتهم الخاصة في الترحيب باصحاب الحقوق..!"
راى ان كل المسالك قد سدت امامه ..
-لا حل..
انتابته حالة غثيان ، وتغيرت اشكال الأشياء امامه..
اخرج الورقة من جيبه ، مزقها ، ورماها ، واخذ يسرع في خطواته .. وهو يدمدم مع نفسه:
" ولكن .."
عندما وصل مسكنه ، كانت زوجته واطفاله نياما..ايقظهم بسرعة ، كان شيئا ما قد حسم في عقله.
دفع اطفاله وزوجته الى خارج البيت واخذ يحمل اغراضه القليلة ويرميها خارج البيت ، وهو يصرخ:
"لن ادعهم يأخذون حتى عود ثقاب.."
واستيقظ اهالي الحي ليروا "شيردل" يصب البنزين على اثاث بيته القليل، الذي بدأ يحترق ..
"اننا نحترق منذ الأزل ، كلهم تناوبوا على حرقنا"
كان يزمجر ، وليل الموصل يردد صداه في الحارات والأزقة القريبة ..
"شيردل" كان يكتب احد فصول حكايا النار التي تملأ ذاكرة كوردستان .
من بين ركام الحرائق ، طير الهواء رسالة لم تكتمل بعد ، كانت مثخنة بالحروق ، وكتابا كورديا كان مفتوحا على ظهره تتصفحه الشرارات ، الناس الذين كانوا يطلون على هذا المنظر الحرائقي من شبابيك بيوتهم كانوا مرعوبين من المشهد ومن المشاهد التالية له ، الا "شيردل" الذي كان يبدو انه يفهم مشهد الحرائق ، تجمع بعض نساء و رجال الحي حاولوا اطفاء النيران ، لكنه كان يحاول ابعادهم ، كان يصول ويجول ويحمحم كجواد بري شارد صعب القياد..
حاولت احدى صغيراته انقاذ احدى لعبها ، لكن النار لسعت اصابعها الصغيرة فتخلصت منها بأن رمتها ثانية في النار المضطرمة..
فاحت رائحة الهشيم لتنشط حاسة الشم لدى ذئاب الليل ، وفي اقل من ساعة كانوا في المسرح الذي شيدته الام وغضب "شيردل" ليحاصروه بغابة من الفوهات السود.
حدق في الوجوه الجامدة ..و تأوه زفيرا لفح وجه الليل.
" اه ، كم اصبح الجبل بعيدا..؟!"
في اليوم الثاني ، وقبل ان ينبلج الصباح ، سمع اهل الحي اصوات اطلاقات من الرصاص ، رأوا اجساد "شيردل" وزوجته والطفلتين ملقاة على اسفلت الشارع كطيور مذبوحة .
وشهد اهل الحي اوباشا يغادرون مسرح الجريمة في سياراتهم المعروفة.
------------------------------------------

استلهمت احداثها من قصة حقيقية نشرت في وسائل الاعلام حينها اثر حملات الترحيل التي تعرض لها المواطنون الكورد في االموصل اسوة بالمواطنين الكورد في كركوك وخانقين وشنكارفي عهد النظام السابق في العراق ،ميدان احداث هذه القصة كان مدينة الموصل.
* كتبت في دمشق- تشرين الأول 1995





 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE