|
ِ
حاضنة النار الأزلية...كركوك
عبد الوهاب طالباني
حسناء قدت قامتها من المرمر
المحلى بلون العسل... تعيش في
مكمن الرياح ، عند حافات الجبل
العتيق، تصنع اعاصير الشهيق
المسروق منها منذ ان فاحت رائحته
في الأقاصي البعيدة لتتنفس دونه
اتون الزفير.
وردة نرجس تفتحت مع اناشيد
البراري ، ومع الأطلالات الأولى
للصباحات النوروزية ، وسكرة معابد
النار القديمة..
فاتنة ، صعبة القياد ، عصية على
الطاعة، متمردة على تعاليم
السلاطين
وتشهد:
اجيال من نساء الجبل احتضن موقدي
بالأمنيات العزيزة ، واودعنه
الرجاء الحبيب ، واجيال من الرجال
الشجعان نثروا ارواحهم على اعتابي
دون ان يرف لهم جفن ، واسراب من
الحجل وغزلان السهوب وردن ينابيعي..
انا ترنيمة زرادشت الأولى ، ومعنى
فلسفته ، وتجليات الحب في قصائد "اثيري"
، وذروة التمرد في شعر "شيخ رضا".
عاشقة ، تمطر الحب نثارا فضيا على
المسالك "الصاعدة" نحو رحم الجبال
وألأمطار والثلوج.
حبيبة ، اغمدوا في صدرها الف سكين
، لكنها ما زالت تتنفس ، وتشتعل
لتضيء مناكب الليالي ، و على هدي
انوارها سارت القوافل التي كانت
تنقل سلال الورد والعنب والملح ،
واشياء اهل هوراما ن البسيطة
عندما كانوا ينزلون من ابراج
السماء الى هضبات كه رميان ، قبل
ان يردم الهمج ينابيعها بكونكريت
الحقد الدفين.
الحلم تشظى..
وحسناء الترانيم القديمة ما زالت
تحتضن "نار" الأزل.
ويأتي زمان قاتل الخطوات ، ينفث
ريح السموم ، ويتقيء الصديد كي
يطفيء الموقد ويدنس كركوك "
التكية" و"الخانقاه" ويسرق من
كنيسة الكلدان صليبها ، ويزور لون
الماء ، والتراب ، واللهب ،
والحجرالأبيض.
اتى زمان حاول اصطياد المجامر
ليقتلعها من صعق الرعود ،
وليوزعها اكراها ، على خرائط
غريبة...
عاشقة ، صابرة على مواعيد حب لم
تتحقق ، ولكنها تعرف دروب العشاق
، وتحفظ اغنياتهم ، وتعيش في نشيج
"علي مردان " ومهرجان "حسين علي"
والوان "صلاح داودة " وترانيم "هابه"
... انها تحفظهم في نياط القلب
التي لا يمكن ان تصلها استمارة
التعريب القسري ، هي تعطرهم كل
يوم بماء الورد ، فاسواق "القيصرية"
و"الشورجة" بقيت تتنفس هواء نقيا
رغم كل الكاربون المسمى ب
ال"العشرة الاف" الذي لوث كل شيء.
الحلم قد تشظى ، والحسناء لم تزل
تحتضن نار الأزل
ولكن ، هل للشظايا ان تعيد شكلها
في المجمرة ؟
|