Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 
شعر الأطفال وبعض سماته عند الكرد
عبد المجيد إبراهيم قاسم

إن مرحلة الطفولة هي أهم مراحل النمو التي يمر بها الإنسان خلال امتداد رحلة حياته , وتمتاز بصفات جسدية وعقلية انفعالية خاصة , لا تتشابه مع أية مرحلة أخرى من مراحل النمو تلك , ولا يمكن لأيّ كان أن يغوص في بحر أسرارها إلا إذا سمح الطفل نفسه بذلك , وإذا كان الأدب جاداً في أن يطرق باب هذا عالم الطفولة الرحيب فلابدّ أن يلبي احتياجاتها المختلفة , وأن تكون المادة الأدبية منسجمة مع قدراتها من جهة وأن تعبّر عن مشاعر وأفكار الطفل بعيداً عن أجواء الخوف والإكراه من جهة أخرى .
والشعر تلك المملكة الممتدة في عالمٍ يجتاز كل الفواصل والحدود , ويبلغ بالمشاعر الإنسانية حدودها القصوى والواحة المليئة بالسحر والعذوبة , والطافحة بالخيال والأحلام لهو خير وسيلة نستطيع من خلالها الولوج إلى أعماق الطفولة الغائرة , واكتشاف مكوناتها الدفينة , ذلك لأن الشعر يمتلك أدوات التأثير بمنظومة المبادئ ويتمتع بالإيحاء التعبيري ويمتاز بالمقدرة على استثارة مكامن الإحساس بقيم الجمال والمحبة , وهو بذلك يكاد يكون كالحصاة التي نلقيها في البحيرة الساكنة فتصنع دوائراً لا نهاية لها , وكذلك الشعر يفعل بالنفس البشرية ويحرّك بحيرة العواطف الراكدة في الأعماق .
وحسب تصنيف المختصين فإن شعر الأطفال ينقسم إلى ما يلي :
( الشعر الإنشادي ويحوي "الشعر الغنائي والأناشيد" الذي يعدّ أقرب الشعر إلى نفوس الأطفال , والشعر القصصي والتمثيلي والخطابي الذي يضمّ بدوره الإلقائي والقرائي)(1) .
وإذا أردنا أن نتوجه بهذا اللون الإبداعي المتميز للأطفال , فلابد من تحقيق شروط تصبو إليها القصيدة الناجحة التي ترتقى إلى المستوى الذي يرضينا كآباء ومربين فنرتضيها لفلذات أكبادنا .
فيجب في البداية أن تكون مكتوبة لذواتهم , مرتقية إلى مستوى أحاسيسهم , ملامسة للأغصان في شجيرة وجدانهم , ثم تأتي الفكرة التي تقوم عليها القصيدة وحركية التعبير التي تتخلّلها كأهم شرطين لتلك القصيدة :
فمن حيث الفكرة يجب عليها أن تتغنى بكل ما يحيط الطفل , وبمعظم ما تحتويه بيئته من مكوّنات , وأن تعبّر تعبيراً صادقاً عن المشاعر التي يحملها , فهناك العلاقة التي تربطه مع أسرته : ( الأمومة ـ الأبوّة ـ علاقته مع إخوته ـ الزيارات والنزهات التي يقوم بها معهم ) حيث يجد الدفء والحنان والمودَة والحميمية .
وهناك أيضاً علاقاته في المدرسة التي يقضي فيها معظم وقته ( رفاقه ـ معلّميه ـ مواظبته على إتمام واجباته الدراسية ـ والرحلات التي قوم بها في المدرسة ) ثم علاقاته بالمجتمع الذي يحتضنه , حيث الناس من حوله والقيم التي يحب أن يتعامل بها معهم , والبيئة التي تحيطه , وواجب الاهتمام بها وحمايتها , والتعرّف على فوائد عناصرها , وعلى الأسباب التي تؤدي إلى الإخلال بتوازنها , والشارع والعناية بنظافته وبجمال مظهره .
ولابدّ من معالجة جميع تلك العلاقات والمظاهر بما تكرّس القيم الإيجابية , وما تتلاءم مع المضمون الإنساني , بما فيها من تقدير مشاعر الغير واحترام أفكار الآخرين , وما أكثر القيم والمبادئ التي يمكن تكريسها من خلال القصيدة كالنظافة والاجتهاد والاعتماد على الذات والصدق والأمانة , والإيثار وحبّ الحرية وتقبّل الرأي الآخر . أما حركيّة التعبير الطفولي فهي لا تقلّ أهمية عن الشرط السابق , حيث المقدرة على الإيحاء بواسطة الصورة الشعرية , التي تثير معظم أحاسيس الطفل , وتفتح أمامه أبواب الطبيعة بكل رحابتها , ثم أبواب الحياة بكل امتداداتها فترتع فيها الطفولة على هواها , ويمارس عليها الطفل طبيعته المشغولة بالبحث والاستكشاف , فتتسع مداركه وينمو خياله , وتزهر لديه ملكات الإبداع , فالحركيّة تثير الطفل لأنها تعني بالنسبة له اللعب , واللعب هو حياة الطفل , ومن أنواع الصور الشعرية التي تصنع الحركيّة في القصيدة : الصورة الحركيّة الهادئة التي تتدفق بعفوية وعذوبة إلى نفس الطفل , ويشعر في أجوائها بألفة وحميمية كأن نصوّر له مطر الخريف التي يقطر بدفء وحنو(2) , وهناك أيضاً الصورة الحركية الصاخبة التي تعبّر عن غليان العواطف وهي تمنح الطفل الحيويّة والانطلاق , كأن نصوّر له مشهداً لبطل المادة الأدبية وهو يجتاز لحظات حماسية في رحلة تحدّيه عنصراً شريراً , أو مشهد من أجواء مباراة حماسية فينسجم معها بعواطفه المستشارة بكليتها . يقول الأستاذ محمد قرانيا : (قيمة الشعر لا تأتي من دقة الفكرة , بل من الحركة الذاتية الداخلية التي تثير الحالة النفسية , بطريقتها الخاصة في التصوير وتنويع الإيقاع , وعفوية الموسيقى )(3)
ويبقى أن نضيف أنه لابد لقصيدة الطفل أن تكون مصاغة على أوزان شعرية قصيرة وخفيفة , و محبّبة للأطفال و ( قائمة على تنوّع القافية , حتى لا ترهق أنفاس الطفل , وتبعث على الحيويّة والحركة)(4) , وتضيف رونقاً وجمالاً على القصيدة في شكلها العام , وأن تكون بعيدةً عن التكلّف والنظم والارتجالي , وعن قلق الوزن , وركاكة الصياغة .
وبتحقق هذه الشروط مجتمعة ( الهدفية , الوضوح ، إثارة الفكر والشعور , الحيوية والتشويق )(5) نبلغ بقصيدة الطفل قمّة النجاح , ونحقق بها غايتنا المنشودة منها فينتشر عبيرها في عالم الطفولة المليء بالبراءة والمرح , وحبٍ للخير والجمال , وتحلّق بروح الطفل في فضاء اللا حدود وتُوصله إلى ذروة المتعة والفائدة معاً .
ويعدُّ الشعر عند الكرد من أهم الفروع في شجرة الأدب لديهم , ومن أغزر الجداول التي ترفد نهره المتدفق وكان بحقّ الرئة التي بثوا من خلالها ألوان مشاعرهم , ولسان حالهم في التعبير عن أحلامهم وطموحاتهم واستأثر بالسواد الأعظم من النتاج الأدبي الكردي عموماً , وبالأدب الذي قُدّم للأطفال بشكل خاص , حيث احتل جزءاً مهماً من نشاط الأدباء الكرد بالنسبة للاتجاهات الأدبية الأخرى كالقصة والمسرح التي كُتبت لهم, وظهر هذا بشكل جليّ من خلال القصائد والدواوين الشعرية التي اختصّت بالطفل ( رغم محدوديتها ) نسبتاً
وبدراسة متواضعة لما وقع تحت يدي من الدواوين الشعرية للأطفال ( وهي أربع مجموعات )
S,pan / j,n و |agirt. bedirxanim للشاعر Kon. Re\ و Landik للشاعر Ferhad. icmo
و Naz. / diyar للشاعر r.w, والبحث في محتوياتها , حيث أتضح اشتراك الكثير من القصائد بسمة محدّدة وامتياز بعضها الأخر بسمات متفردة ونذكر من السمات التي جمعت بين بعض القصائد :
1) إبرازها الكثير من عناصر الطبيعة التي تحيط بالأكراد , واستعانة كُتابها بصور حسّية ملتقطة من تلك الطبيعة وكأن نرى عند الشاعر Kon. Re\ " Zivistan الشتاء " و " ~emo ~emo
أيها النهر " و " Dar / B.r شجرٌ وثمار" من |agirt. bedirxanim و "Buhara Dem ربيع الأيام" والتي عرض فيها الشاعر من خلال قصائد ثلاثة مراحل فصل الربيع بحسب شهوره (آذار نيسان أيار )
في S,pan / J,n , كما نجد عند الشاعر Ferhad. icmo " Baran. المطر" في Lndik
2) السمة الثانية التي ألّفت بين بعض القصائد فكانت أنسنة بعض الحيوانات , وإبداع حوارات بينها وعادةً ما تنتهي مثل هذه القصائد بعبرة يستخلصها الطفل بشكل غير مباشر في نهاية القصيدة , ونجد هذا الأسلوب متبّعاً بكثرة نتيجة لطبيعة حياة الأكراد الريفية عموماً , فنرى قصائد
و "Bizna p,r. عنزة العجوز" و "du rov, الثعلبان" و" Rov, / Gur الثعلب والذئب"
" |.r / Gur / Rov, الأسد والذئب والثعلب" و"Mas,ko أيها السمك" في S,pan / j,n
و "|.r / D,k / Rov, الأسد والديك والثعلب" في |agirt. Bedirxanim عند Kon. Re\ .
3) توظيف التراث واستلهامه , والاعتماد على جوانب معينة اهتمت بالطفل , ويتضح في هذا الأسلوب اعتماده في الغالب على حكايات شعبية موروثة وعلى حكم وأمثال وأساطير ألهمت شعرائها فصاغتها أناملهم قصائد جميلة بعد أن قاموا باكسائها رداءً يتناسب روح العصر قبل أن يقدموها للطفل
فنجد في Landik للشاعر Ferhad. icmo " Gur, الأصلع " و" Ser. Sal. رأس السنة "
و " qaz, maz, " (6) و "Roka N/ الشمس الجديد "
ونجد " B.r,van التي تقدم بحلّب الماشية" و "De Lor, " (7) و" He`. Ber. Gula Zer. "(8)
عند الشاعر R.w, .
4) التغنّي بمزايا أطفال بعينهم , وغالباً ما يكونوا أولاد الشعراء , فيرمزون بهم للأطفال الذين يحملون قيماً إيجابية ويمارسون عادات سلوكية سليمة ويريد الشعراء بذلك أن يتأثر بهم جميع الأطفال ويتمثّلوا سلوكياتهم الصحيحة .
فنرى عند kon. Re\ " Befr,n / V,nda / Lor,n " و "J,nim J,nim
و "R.nas / rama " و " Gulda / Renda " في |agirt. Bedirxanim
وعند R.w, " Sersala naz. عيد ميلاد نازي " و " Diyar,ya Diyar هدية ديار"
5) التغني بفضائل التعليم , وبجمال أجواء المدرسة , وضرورة العلم في الحياة , وحضّ الشعراء من خلال هذه النقاط الثلاثة على إثارة الرغبة على التعلّم لدى الأطفال , وعلى زرع محبة المدرسة وتقدير العلم في نفوسهم وبالتالي تنمية العادات السلوكية الإيجابية التي يتطلبها الذهاب إليها لديهم كالاستيقاظ مبكراً , والمحافظة على النظافة الشخصية والعامة , وعلى قيم إنسانية يحاول تكرسها لدى الطفل حيث يتعامل مع زملائه ضمن أسوارها كالتعاون , والصداقة , والعمل الجماعي
فنجد عند kon. Re\ في S,pan / J,n
" |agirt.n Dibistan. تلاميذ المدرسة " و " Dema Xwendin. Hat حان وقت الدراسة "
و "Dibistan المدرسة" عند Ferhad. Icmo .
وأذكر أيضاً بعض العناوين الشعرية التي انفردت بسمة مميّزة وجاءت مختلفة من حيث الأسلوب عن المعتاد في شعر الأطفال وهي أساليب تشجّع الطفل على القراءة بشكل أكثر , وتثير فيه رغبة المعرفة , والبحث عن الحلول , وتنمي تفكيره ومخيلته أكثر مما تفعله الأساليب الأخرى :
فهناك أسلوب الأحجية الشعرية مثلاً في قصيدة "Heger H/n Zanin K, Ye لو أنكم استطعتم معرفة من أكون" لـ : Kon. Re\ في |agirt. Bedirxannim وفيها يعرض الشاعر معلومات عن نشأة وإنجازات الأديب العظيم "Ehmed. Xan. " الشخصية المراد معرفة اسمها في القصيدة " .
الشاعر ذاته يعرض بأسلوب لا يخلو من التميّز هو الآخر سيرة أحد أكبر عظماء الكرد
Celadet BedirXan في قصيدة "R.ber Bedirxan " سرداً شعرياً ليّناً في S,pan / ~,n
كما أن الشاعر R.w, تغنى بمزايا وأهمية بعض المهن التي أختارها محوراً لقصيدتين , وأبرز فيهما تلك المزايا وهما "S.v Firo\ بائع التفاح" و "Hesin kar الحداد" .
وقد جاءت المجموعات الشعرية الأربعة بمحتواها جميلاً وجيداً في المبنى وفي المعنى , فمن حيث الأفكار حملت ما هو هادفٌ وملائم لمستوى الأطفال اللغوي والانفعالي , واحتوت على قيماً فكريةً وسلوكيةً مناسبةً , وأوحت بمعانٍ ذات أبعاد إنسانية كالتي وردت في الأشعار التي حضّت على العلم , وجاءت مليئة بالعبر والعظات غير المباشرة , كالتي جاءت في القصص الشعرية التي جرت على ألسنة الحيوانات .
أما من حيث الكلمات والألفاظ , والجمل والتراكيب , فقد جاءت سلسة عذبة , ومبسطة ملامسةً لوجدان الطفل , مترابطة في الأفكار وفي الأسلوب .
كما أنها ضمّت الكثير من الإشارات ذات الجذور التراثية , وحملت مجموعة متميزة من الصور الشعرية الموحية بالأفكار والرؤى , والمثيرة لينابيع الحس الجمالي , واحتوت على دفقات من الأحاسيس المختلفة والباعثة للمشاعر الإيجابية من حيث العاطفة .
وعموماً فإن الحديث عن أربع مجموعات شعرية أو أكثر بقليل , قد يبدو بالأمر المجحف بالنسبة للطفل قياساً بما يُكتب للكبار , كما أنه أمر يبعث على ضرورة البحث والاهتمام بشكل جدّي ومدروس بالأدب الطفلي كما ولابد علينا نحن الكبار أن نحبّب الأطفال بتلك النصوص , وأن نقرأ لهم في البداية مطولاً حتى تعتاد مسامعهم على الوقع الخاص باللغة الكردية , وأن نشجّعهم على القراءة حتى تتمكّن هذه الفضيلة من نفوسهم وتترسخ القيم التي تحملها لهم وحتى لا يظلّ أدبهم مهجوراً مهملاً مرصوفا على رفوف المكتبات دونما اكتراث .
الهوامش :

1) أدب الأطفال علي حمد الله ص/166/
2) الموقف الأدبي العدد /400/ آب 2004 "تقنية الحركة في الصورة الشعرية" أ.محمد قرانيا ص/41/
3) المصدر نفسه ص/45/
4) أدب الأطفال علي حمد الله ص/166 ـ 167/
5) المصدر نفسه ص/166/
6) حشرة طائرة زاهية الألوان , محبّبة لدى الأطفال
7) من دندنات الأمهات التي كنّ يردّدنها حتى ينام صغارهنّ
8) مثل شعبي كردي يعني "أن الوردة الصفراء هو الذي سيسبق أقرانه من الأطفال"


Mejeed1973@hotmail.com 



 

 



 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE