|
بعد محاكمات استغرقت
اشهرا عديدة ، وسماع
مطالعات المدعي العام و
العشرات من شهود الاثبات
من الذين حالفهم الحظ
وبقوا على قيد الحياة ،
والاستماع الى خبراء
اجانب في علم الكيمياء
والسموم والمختصين في
المقابر الجماعية وغيرها
من الاجراءات القانونية
التي التزمت بها وفق
القواعد القانونية
المرعية في اصول
المحاكمات ، اصدرت
المحكمة الجنائية
العراقية العليا في
(24.6.2007) احكامها بحق
ستة متهمين رئيسيين في
جرائم الانفال ، وقد
تضمنت حيثيات الاحكام
امرا مهما بالنسبة لشعب
كوردستان وهو اقرار
المحكمة بأن عمليات
الانفال الاجرامية كانت
عمليات قمع و ابادة
منهجية للشعب الكوردي .
ان جريمة الانفال التي
تجسدت كجريمة جينوسايد
حسب اقرار المحكمة
العراقية كانت استهدفت
وجود الشعب الكوردي على
ارضها الوطنية في جنوب
كوردستان ، و قضت عبر
مراحلها الثمانى وفق
العديد من المصادر على
حوالي 182 الف انسان
كوردي كان معظمهم من
النساء والاطفال والشيوخ
، كما تسببت في هدم و
تدمير حوالي اربعة الاف
قرية ومدينة كوردية ،
ورافقت تلك العمليات
البشعة جرائم يندى لها
جبين الانسانية على مر
الزمن فقد تطاول منفذو
العمليات على النساء وسمع
العالم كله كيف ان
حيوانات بشرية كانت تغتصب
الفتيات الكورديات
الاسيرات في سجن نكرة
السلمان ، كما ظهرت وثائق
تتحدث عن بيع فتيات
كورديات من ضحايا جرائم
الانفال الى انظمة عربية
ظلت ساكتة عنها سكوت اهل
المقابر ، واستهدفت تلك
العمليات كذلك الحياة
الزراعية اذ تم رش مساحات
واسعة من الاراضي الصالحة
للزراعة بالسموم وحرق
مساحات واسعة من الغابات
الطبيعية و المحاصيل
الزراعية للفلاحين الذين
رحلوا بالقوة القاهرة من
قراهم اما الى المجمعات
القسرية او الى دفنهم
احياء او بالقتل في صحارى
الجنوب والغرب العراقي
ومناطق الحضر ، وكذلك تم
زرع حوالي 20 مليون لغم (حوالي
اربعة الغام لكل انسان
كوردي) غطت مناطق واسعة
من كوردستان حيث انها
وعلى الرغم من العمل
الدؤوب لازالتها الا انها
ما زالت تسبب في قتل
عشرات المواطنين العائدين
الى مزارعهم او تسبب لهم
عاهات بدنية ، وكما ان
عمليات الانفال الاجرامية
سببت الحاق اضرار فادحة
بالثروة الحيوانية اذ
نفقت اعداد ضخمة من
الحيوانات والدواجن نتيجة
الضربات الكيمياوية ، وفي
الوقت نفسه استهدفت تلك
العمليات الثروة المائية
ايضا حيث تم اغلاق الكثير
من ينابيع المياه
المتدفقة في المناظق التي
تركزت فيها جريمة الانفال
بالكونكريت.
عمليات الانفال الاجرامية
وكما تأكدت من التفاصيل
المثيرة والمفجعة التي
ادلى بها الشهود والخبراء
، كانت عمليات مبرمجة
لافناء الشعب الكوردي
والقضاء على وجوده و
ثقافته وتراثه وقتل روح
الكرامة و التحرر فيه الى
الابد ، الانفال كانت
هولوكوست اخر ولكن الضحية
هذه المرة كان الشعب
الكوردي والجاني كان
نظاما دمويا عنصريا ينتمي
الى العصور الهمجية .
لذلك فأن العقوبات التي
اصدرتها المحكمة الجنائية
العراقية بحق المدانين،
وبلا شماتة ، كانت مثلجة
لصدور اهالي الضحايا
وللشعب الكوردي واهل
كوردستان بكل قومياتهم
ولكل الاحرار والمنصفين
من الشعب العربي ومحبي
الحرية والتقدم والسلام.
ان منظر المدانين المذل
في قفص الاتهام وعندما
كانوا يتلقون سياط
العدالة من احكام القاضي
العربي الشهم محمد عريبي
ال خليفة ومن همة المنصف
المدعي العام منقذ ال
فرعون ، ان هذا المنظر
سوف يبقي درسا بليغا لبعض
من يتصور انه بأستطاعته (
ملاحقة الكورد حتى على
القمر!) او من يتصور ان
الخداع والتضليل في
محاولات تغيير الهوية
القومية لسكان و ارض
كوردستان سيمر دون عقاب.
خصوصا ان واقع حال الشعب
الكوردي الان في الاجزاء
الثلاثة الاخرى من وطنه
المحتل وما يتعرض له من
سياسات قمع واضطهاد
عنصريين يؤكد ان ليس هناك
ما يمنع محتلي كوردستان
الاخرين من تكرار ما فعله
النظام العراقي البائد ،
فتلك الانظمة تروج
لكراهية وحقد دفين قاتل
غير معقول ضد الشعب
الكوردي (الحالة التركية
خصوصا) و تنكر وجوده ،
وتنكر وجود وطن قومي او
اي تراث له ، وتعتبر لغته
القومية لغة طارئة او
لهجة من لغة المحتل .
تراجيديا جريمة الانفال
واثارها المدمرة
والمأساوية ستبقى حية في
الذاكرة الكوردية وفي
الذاكرة الانسانية لتحكي
ولعصور قادمة همجية
الفاشيين والعنصريين
القتلة ، وتعطي الدرس
الاهم في ان يجب ان يكون
للكورد موطئ قدم امن
ومطمئن تحت الشمس .
وفي سبيل ان لا تتكرر
المأساة يجب ان يكون
للكورد وحدهم القرار في
تقرير مصيرهم ، وبعد كل
الذي جرى على العالم ان
يفهم ابعاد القلق الكوردي
من المستقبل ومن هذا
الجيوبوليتيكيا اللعينة
التي حشرته بين انظمة
تعود عقليتها المدمرة الى
ازمنة حكم الغاب ، وأية
قراءة منصفة لقرارات
الحكم الصادر بحق مجرمي
الانفال تؤكد مشروعية
الحق الكوردي في ان يتخذ
اية خطوات او قرارات
مناسبة لحماية اجياله
الاتية من مجنون او مصاص
دم اخر او عصابة عنصرية
اخرى قد تغامر في ان تنطح
برأسها الفارغ جبل
كوردستان العالي.
|