|
انشاءالله من شمال العراق!!
عبدالوهاب طالباني
امر غير منطقي يطالب به محتلو كوردستان
وحلفائهم ، وهو انهم جميعا يطالبون الكورد
ان يكونوا ملائكة امام مصالحهم (اي مصالح
المحتلين) ، ، فهم من طينة اخرى او ربما
انهم نزلوا من السماء فقط كي يتحكموا
بالكورد والشعوب المبتلاة بعفونة عنصريتهم
حسبما يشاؤون ، اما مصالح الكورد فلا
اهمية لها بنظرهم ، انهم يتحدثون عن
الاخوة والمساواة والعدل ، وكل من يقف ضد
تلك ( الاخوة والمساواة والعدل) و حسب
قاموسهم الخاص ومواصفاتهم لمعانيها لايمت
الى الكائن البشري بل ربما حشرات او
شياطين تسيرهم الارواح الشريرة وخونة ...
(صهاينة!) واعداء للوطن والاسلام والوحدة
الوطنية (العتيدة). انهم يلحون في
عنجهيتهم وفي تصور الاخرين اغبياء ولا
يدركون ان اصرارهم البليد على تفوقهم
المزعوم سيفجر في الاخرين حتى وان كانوا
من الصنف الذي يملك صبر الملائكة شرارات
من حق التشبث بالحياة والبقاء لا يمكنهم
في النهاية مواجهتها .
في احدى المطارات العربية التي نزلت فيها
اثناء عودتي من كوردستان مؤخرا ، كان علي
ان اجلس في احدى مقاهي المطار لانتظر وقت
اقلاع طائرتي الاخرى ، واخذت طاولة ،
فجاءني رجلان كانا يلبسان زيا غريبا اشبه
بالزي الهندي ، ودون ان يسألاني سحبا
كرسيين وجلسا امامي ، ثم بادر احدهم ليقول
لي : من اين الاخ الكريم؟
قلت له انا من كوردستان . قال نعم
انشاءالله انكم من شمال العراق.
حاولت ان اشرح له رأيي في مسألة الشمال
والجنوب والشرق والغرب ... لكنه لم يعطني
مجالا
قال : وهل لديكم في الشمال مساجد
قلت: نعم عندنا مساجد وجوامع اكثر مما
عندكم (اردت ان اغيضه)
قال: هل اهل الشمال يفهمون العربية لسان
اهل الجنة
قلت: منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف وانا
اتشرف بأجادتي لها ولكن....( حاولت ان
استفهم منه علاقة اللغة بالايمان ودخول
الجنة)
ولكنه مرة اخرى لم يعطني مجالا وقال :
نسأل الله ان يهديكم سواء السبيل..ّ
وقام مع صاحبه ليغيروا طاولتهم الى اخرى.
وهكذا وبكل بساطة حول الشعب الكوردي ، من
لا يفهم منهم العربية ، الى جهنم وبئس
المصير...
اصبح الامر و كأن هؤلاء وحدهم يملكون
مفاتيح الحقيقة ، ووحدهم يملكون الحق في
الحكم بين الخطأ والصح ، ووحدهم الذين
يفهمون اما الاخرين فحمقى لا يفقهون ،
ووحدهم الذين يجب ان يتحكموا والاخرين يجب
ان يحكموا حتى وان دعت الحاجة فبألف خديعة
وخديعة او بالتهديد والوعيد واعلان الحروب
المسموحة لهم حسب قوانين الغاب ، ووحدهم
الذين خلقوا القوانين واصبحوا فوقها
يفلسفونها حسب امزجتهم ومصالحهم وجهالتهم
، اما الاخرون فليس لهم الا الطاعة
العمياء ، والا فأنهم عصاة ومتمردون و
يستحقون غضب من في السماء والارض.
ويحدث وانت في حضرة بعض من الناس المفترض
فيهم انهم من المتحالفين معك في اكثر من
قضية ، ولكن عندما يناقشك في الوطنية
والحقوق والواجبات يبدأ ضمنيا بشتمك حسب
مفهومه الضيق المتخلف عن الوطنية و
والحقوق والواجبات و دون ان يدرك ذلك لآنه
اساسا واقع تحت تأثير ثقافة متأصلة فيه لا
يعتبرها متخلفة ، فيسد عليك طريق المناقشة
، ولا تستطيع تحمله اي تحمل عقله المسطح
الفارغ ، فلا تملك الا ان تلعن الساعة
التي اضطرتك الى الاجتماع بهذا الاخ
الغريب عن العالم والزمان ...
وفي الوقت نفسه فأن الاحتلال الطويل
لكوردستان زمنيا ، ولد ثقافة عنصرية مقيتة
يبدو انه من الصعوبة بمكان ان تستأصل من
اذهان و عقول اعداد كبيرة من المتأثرين
بها من ابناء الشعوب التي سادت لظروف
تأريخية على الشعوب التي غدرها
الجيوبوليتيكيا ومنها الشعب الكوردي ،
وهذه الشعوب يمكن اعتبارها ضحايا الفكر
العنصري الذي ولدته مصالح الشرائح القومية
الحاكمة . بل ان تلك الثقافة المتخلفة
وجدت مستنقعات قليلة هنا وهناك ضحلة مليئة
بالطحالب الضارة حتى في اوساط الشعوب
المغدورة نفسها فاصبح رواد تلك المستنقعات
ملكيين اكثر من الملك ، وادوات مستعدة حتى
لتفجير انفسهم حماية لمصالح محتليهم
ثقافيا وعسكريا واقتصاديا ، بلهاء الى
درجة انهم لا يتورعون حتى في التزيي
بأزياء محتليهم السوداء القاتلة لكل
الالوان المفرحة والمليئة بالحياة والامل
، والتشبث بكل المعايير الخاصة بثقافة
المحتل ، والاغتراب الكامل عن ثقافة شعبهم
وعدالة قضاياه .
في مدينة كوردستانية اصلا وفصلا وثقافة (ولا
اقصد مدينة كركوك الكوردستانية) وفي محل
لبيع سيديات الاغاني والموسيقى سألت صاحب
المحل ان كان لديه سيديات للمطرب الفنان
حسن كه رمياني ، الرجل صاحب المحل الذي
بالكاد كنت ارى وجهه وراء هالة من
الصوروالدعايات الغريبة عن الاجواء و
الحياة الكوردستانية اجابني حتى دون ان
يتكلف بالنظر في وجهي : نحن لا نبيع
الاغاني الكوردية هنا. وتكرر المشهد نفسه
في اكثر من محل اخر!
وامام هذه القراءة السريعة والمختصرة جدا
لصلات الوضع الكوردي الراهن مع الاخر غير
الكوردي وبعض الكوردي الذي بدأ يغترب عن
نفسه على الرغم من كل ذلك البناء الجبار
الذي رأيته في كوردستان وورشة العمل
المنتشرة في كل ارجاء الاقليم بأستثناء
قلب كوردستان ..كركوك التي لم تقدم لها
الحكومة المركزية اي شئ وتعتبر المدينة
كأنها خارجة توا من العصور الحجرية
بأستثناء بعض المشاريع التي صرفت عليها
حكومة اقليم كوردستان ، و يبدو ان على
القيادة السياسية الكوردية ان تعيد بعض
حساباتها في نوعية وكيفية واهداف علاقاتها
مع الانظمة التي تتبنى ثقافة العداء
للكورد ، بل وحتى مع البعض من الطرف
العربي في الحكم العراقي الذي يريد تهميش
تنفيذ المادة 140 الدستورية علنا جهارا ،
مع الفهم الكامل للمحركات المختلفة لكل
تلك الاطراف ازاء الملف الكوردي ، او ضده
على الاصح . ودراسة تعميق الفكر القومي
التقدمي الكوردي بين النشأ الجديد ، ذلك
الفكر الذي وجهت الاحزاب الكوردستانية في
معاركها النضالية وبنت عليه ستراتيجيتها
القومية التي اوجدت الواقع الكوردستاني
المشرف الان .
ان الصور التي اوردتها خلال هذه المقالة
هي صور لا يمكن ان ازعم من انها مطلقة
وعامة في كل المكان الذي يجاور كوردستان ،
ولكنها يمكن ان تتجسد في كثير من الاماكن
التي لها صلة بالوضع الكوردي ، في مخفر
بوليس تركي ، في مقهى مصري ، او تحت قبة
البرلمان العراقي ، على منبر جامعة سورية
، في موقف سيارات ايراني ...وفي اي مكان
يمكن لفايروس العنصرية ايجاد موقع له.
|