في حديثه الشهري ، كتب ( د .
سليمان ابراهيم العسكري ) ، رئيس
تحرير مجلة ( العربي ) ، في العدد
564 شوال 1426 / نوفمبر 2005 ،
إفتتاحيته الشهرية تحت عنوان : (
العربية والأقليات اللغوية /
محاولة لتحديد النطاق ) ؛ يومىء
فيها بوجود ما سماه محاولات : (
التمرد على اللغة العربية الجامعة
من بعض الأقليات اللغوية ) !...
ثم يمضي ( العسكري ) قدماً في
الإشارة الى ما وصفه بالتمرد على
اللغة الروسية ، بعد سقوط الاتحاد
السوفييتي السابق ، من لدن
جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية
والجمهوريات الأوربية التي كانت
تابعة له .
بادىء ذي بدء ، يُفترض في رئيس
تحرير مجلة واسعة الإنتشار
كالعربي ، أن تكون مقالته رصينة
وذات طابع موضوعي وأن يتحلى بقدر
من الحكمة قبل إطلاق الأحكام
الإعتباطية . لكن ، للأسف جاءت
مقالته هذه المرة مخيبة للآمال
ومشوّهة للوقائع التي لايختلف
بصددها إثنان ؛ من هنا يمكن تفسير
محاولته للإغتراف من القاموس
السياسي الذي ينص على إقصاء الآخر
وتبخيسه ، واستعارة مفردة (
التمرد ) الدارجة فيه . وما زاد
الطين بلة ، زعمه : بأن اللغة
الكردية تنتمي الى مجموعة اللغات
( السامية ـ الحامية ) وتتصف
بتعدد لغاتها ( يقصد لهجاتها ) !
... وهذه لعمري أخطاء لايقع فيها
المبتدىء ، من هنا إرتأيت ألاّ
أناقشه على هذا الصعيد .
ومن المؤسف أنه يتناول التاريخ
بعد أن يُضفي عليه أحكاماً غير
دقيقة ، بدليل تصنيفه لمدينة (
القامشلي ) بين أهم المدن
السريانية ؛ وهي محاولة أشبه
ماتكون بنقل زمرة دم مخالفة الى
جسم إنسان آخر ، ولا يخفى ما في
ذلك من مخاطر لأصحاب الإختصاص قد
لاتحمد عقباها . وقد يقول قائل
وما أدراه بمثل هذه الأمور ،
فأقول : طالما تنطح رئيس التحرير
لمهمة كهذه ، كان يتوجب عليه أن
يكون على دراية كافية بشأن الكرد
ولغتهم والتركيب السكاني للمدينة
المذكورة ، وألاّ يلزم نفسه
بمعطيات المصادر المشكوك في
مصداقيتها أوالشبيهة بترهات (
سليم مطر ) وخزعبلاته دون تمحيص ،
لأنه ـ أعني مطر ـ إعتاد أن يدس
السم في العسل ، فيما يخص الشأن
الكردي في كل من العراق وسوريا
على نحو خاص .
أما ما يتعلق بشأن مصطلحي (
التمرد والأقليات ) ، فحشرا قسراً
ليؤديا وظيفة ايديولوجية بعينها ،
وهذه المحاكاة الساخرة ما هي سوى
موروث ثقافي استلهمه الكاتب من
جعبة السياسيين وانساق وراءه ؛ من
هنا نفهم وصفه للشعوب ـ ومنها
الشعب الكردي الذي يناهز اليوم 40
م.ن ـ بالاقليات ظلماً ؛ ويشهد
التاريخ مساهمة أعلام الكرد
المميزة في إغناء اللغة العربية
الى درجة إهمال لغتهم الأم ،
ولايخفى ما كان لهذا الإهمال من
نتائج سلبية ، أقل ما يقال فيه ،
أنه كان سبباً لايستهان به في كبح
الوعي القومي الكردي وإجهاضه .
أما شعوب الاتحاد السوفييتي
السابق ، فكان تمردهم بمثابة
مقاومة ضد سياسة الترويس التي
مورست عن سبق الإصرار والتصميم ،
الى درجة تهميش لغات الشعوب
السالفة الذكر ، والتي وصفها
الكاتب ذاته متجنياً باللغات (المحلية
) ، وكان حرياً بأمثاله ألا يغض
الطرف عن سياسة التتريك الشبيهة
بالترويس ، تلك التي مورست بحق
العرب ولغتهم في ظل الإحتلال
العثماني ، أو سياسة التعريب التي
طبقت بحق الكرد والتي طالت البشر
والحجر ، طالما أن الشيء بالشيء
يذكر .
والظاهر أن بعض المثقفين العرب ،
تشكل ثقافتهم إجتراراً أو إعادة
إنتاج للايديولوجيا التي تروجها
بعض الأنظمة العربية فيما يتعلق
بالموقف من حقوق الشعوب الأخرى ،
ومنها شعبنا الكردي ؛ لأن ثقافة
هؤلاء ، تتصف بسمتين نسقيتين
رئيسيتين ساهمتا في نمذجتهم :
الأولى ـ تغليب الخطاب
الايديولوجي على الواقع العياني
وقراءة التاريخ في ضوئه ، مما
يدعونا الأمر الى القول بأن مثل
هذه السمة ، تنطوي على أنساق
سلطوية تتحكم بالمثقفين بشكل
مباشر أو غير مباشر .
الثانية ـ التعالي على الآخر
وتدنيسه أو تهميشه ، ناهيك عن
شرعنة السياسة المنتهجة ضده ،
إنطلاقاً من نظرية المؤامرة
المتوارثة التي تعشعش في ذاكرتهم
عنه ، ناهيك عن نزعة الوصاية تجاه
الأمم والشعوب الأخرى كالكرد
والبربر وغيرهم .
وأعتقد أن هؤلاء ، ما زالوا حبيسي
مقولات البعث الدارجة في الستينات
والسبعينات من القرن الماضي ، تلك
التي أكل عليها الدهر وشرب ، وليس
صدفة أن تأتي أحكام ( العسكري )
الإرتجالية في هذا السياق وهي
تعكس السياسة العرجاء للأنظمة
الشمولية . وقد بات من الضرورة
بمكان ، إعادة النظر في بنية
الذهنية العربية السائدة وآلياتها
، وهذا يتطلب أول ما يتطلب ، نزع
غلالة الايديولوجيا التي نسجها
بإحكام أمثال ( ميشيل عفلق )
وأتباعه ومن لف لفهم ، ممن يتلون
مزاميرهم اليوم ، وينصبون أنفسهم
أوصياء علينا ؛ ومن ثم التدقيق في
الرؤى والتوجهات السلطوية المضمرة
، ذات الفاعلية الإستنساخية
المتناسلة دون وعي في سلوكيات
الرأي العام .
وقد سبق أن أدلى المرحوم ( ممدوح
عدوان ) ، بدلوه في هذا الشأن ،
ومارس نقداً منهجياً لهذا الخطاب
في كتابه القيّم : (حيونة الانسان
) ، مبيناً كيف أن الزعيم الزنجي
( ستوكلي كار مايكل ) ، كان يقول
: [ وأعتقد أن الشاب الأبيض الذي
في مثل سني في الغرب اليوم ،
لايُدرك عنصريته غير الواعية ،
وذلك لأنه يتقبل كتابات الغرب ،
التي دمرت التاريخ وشوهته ، وكذبت
فيه حتى جعلت هذا الشاب ينطلق من
إفتراض أساسٍ لتفوقه غير المدرك ]
.
أجل ، فالايديولوجيا البائسة ، قد
فعلت فعلها وأينعت ثمارها السامة
حقاً ، وأضحت قيداً يكبح جماح
معتنقيها نحو التفكيرالحر، وهي
بمثابة مانسميه في لغتنا الكردية
( سركَوش ) ، أعني بها تلك السيور
الجلدية التي توضع عادة على رؤوس
البغال أو الخيول ، حين تجر خلفها
العربة أو الجرجر ، بحيث يتعذر
عليها رؤية ما في الميمنة
أوالميسرة . ولم يبا لغ الطيب
الذكر ( د . علي الوردي ) ، لمّا
شبه الايديولوجيا بالغلاف الجوي ،
الذي نتحمل ضغطه دون أن نشعر به
إلا إذا إرتقينا نحو الأعلى ، حيث
يخف الضغط تدريجياً مع الارتفاع ؛
عندئذ ، نشعر كم كنا واهمين .
كذلك الإنسان ، فهو لايشعر بوطأة
القيود الايديولوجية المحكمة
الصنع ، إلا إذا إرتقى بتفكيره أو
إنتقل الى مجتمع جديد ينعم
بالحرية والديمقراطية ، وتسوده
مفاهيم أكثر إنسانية حيال الآخر ،
تختلف عن المألوف الذي هُندس له .
وأحمد الله الذي لايُحمد على
مكروه سواه ، ألاّ يكون ( العسكري)
قد أصيب هو الآخر بفيروس
الإيديولوجيا المعدي أو أضحى أسير
أوهامها الرائجة أو من المخدوعين
بها أو غدا بمثابة العصا الغليظة
في يد الساسة الشوفينيين .
ويكفيني تذكيره في الختام ـ وقد
عانى الكويتيون كما نعلم من
الإحتلال الصدامي البغيض ماعانوا
ـ بمقولة ( ماركس ) المعروفة ،
تلك التي أشار فيها الى أنه يتوجب
على كل من يود أن يختبر إنسانية
الإنكليزي معرفة موقفه من المسألة
الإرلندية .
أظن أنه قد آن الأوان أن نقول بأن
في وسعنا ـ نحن الكرد ـ أيضاً أن
نختبركم ، فالموقف من القضية
الكردية من لدن اخوتنا العرب ، هي
المحك في الحكم على إنسانية
الإنسان العربي ، لأن شفافية عالم
اليوم لاتحتمل المزيد من
الماكياجات ، ثم أننا ـ أي الكرد
ـ سبق أن دفعنا ضريبة الرهان على
النوايا الحسنة ، ولدغنا من ذات
الجحر مرات ومرات .
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع