|
يُعد بيتر أكرويد (مواليد
لندن 1949) أشهر كاتب
سيرة انجليزي معاصر ،
فضلاً عن كونه شاعراً
وروائياً وناقداً ، فقد
ارتبطت باسمه سير أبرز
الأدباء الإنجليز (ديكنز
، وليم بليك ، ت. س.
إليوت (ترجمها الى
العربية باقر جاسم محمد ،
وخالدة حامد ، وصدرت عن
المجمع الثقافي في
الشارقة عام 1999) ،
توماس مور ، وأخيراً
شكسبير). وهو يسهم منذ
سنوات بشكل نشيط في صحيفة
(التايمز) ، ومجلة (سبكتيتير)
، بوصفه ناقداً أدبياً
ومحرراً في الشؤون
الثقافية والاجتماعية.
ومن أشهر رواياته: (أوراق
افلاطون: النبوءة ،
شاترتون ، الضوء الاول ،
منزل الدكتور دي ، أضواء
لندن ، والخرّاط). ويجمع
اكرويد في أسلوبه الروائي
بين تقنيات متعددة أكثرها
أهميةً النوع الذي يلغي
الحدود بين كتابة الرواية
وكتابة السيرة ، ففي
كتابه (لندن: السيرة) ،
الصادر عام 2001 ، يقدم
انطباعاً تاريخياً عن
العاصمة البريطانية يعتمد
فيه على صورة تقريبية
كرونولوجية في تعيين
التواريخ الدقيقة للأحداث
، وفي رسم الصورة والجوهر
اللذين تتميز بهما هذه
المدينة العالمية بوجهها
العصري الحديث والقديم
المقتبس ، في أغلبه ، من
الكتب والروايات المعاصرة
، وفيه يبدو واضحاً
للقارئ اعتماد المؤلف على
مصادر كالصحافة ،
والحكايات الشعبية ،
وسجلات المحاكم ، وكتب
السيرة ، والتواريخ
الكنسية ، والأعمدة ،
والمقالات الصحفية. وعلى
الرغم من كثرة السير التي
وضعت لشكسبير ، فقد غامر
أكرويد في كتابة سيرة هذا
العبقري في كتابه الضخم
الأخير (560 صفحة) الذي
يحمل عنوان (شكسبير:
السيرة) الصادر عن دار
النشر اللندنية (تشاتو
ووينداس) عام 2005.
ومن البديهي أن يخوض
أكرويد ، في هذه السيرة
الضخمة ، في تفاصيل شتى
عن حياة شكسبير
الاجتماعية ، ورؤيته
الفكرية والسياسية
والدينية ، ووضعه
الاقتصادي ، ونتاجاته
الدرامية والشعرية ،
ومكانته الإبداعية بين
معاصريه. ففي ما يخص
الاحتمال الذي بحث فيه
ستيفن جرينبلات ، وبارك
هونان ، وآخرون ، وهو أن
شكسبير ربما كان مسيحياً
كاثوليكياً ، أسوةً بأهل
مدينته ستراتفورد ، يتوصل
أكرويد في تأملاته إلى
أنه ، من المرجح جداً ،
لم يكن مؤمناً ألبتة ،
وبقي متجرداً ، على نحو
متعمد ، حتى في المسائل
الخاصة به ، أو السرية.
ويبدو أن اهتمامه الأساسي
، خارج الأبداع ، كان
منصباً على إدامة موارده
المالية. ويستنتج أكرويد
من ذلك أن شكسبير ربما
كان بخيلاً إلى حد بعيد
إلى درجة أن جيرانه في
ستراتفورد كانوا يتذمرون
منه ، ويعيبون عليه
إدخاره الشعير، ومن
علامات بخله أنه أورث في
وصيته 10 باونات فقط لأحد
فقراء المدينة ، على
الرغم من كونه ثرياً،.
ويرى أكرويد أن شكسبير
كائن جنسي على نحو مفرط ،
فمسرحياته فيها من
البذاءة أكثر مما في
مسرحيات معاصريه. ويقارن
بين هذا الإفراط الجنسي
في التأليف ، والشحة ، أو
البخل في حياته
الاجتماعية ، مؤكداً على
أن مثل هذه التناقضات
تزخر بها شخصيته في صورة
شاعر غامض. ولكن أكرويد
يتجنب اتخاذ سونيتات
شكسبير مرجعاً يحيل إلى
حياته الشخصية ، منبهاً
القارئ إلى أن مؤلفي
السونيتات غالباً ما
عبروا عن حالات ، أو
قدموا صوراً ذات علاقة
ضعيفة بتجاربهم الحياتية.
وعلى الرغم من أن شكسبير
، حسب مؤلف السيرة ، ربما
لم يكن يرى أسرته الخاصة
أكثر من مرة في السنة ،
خلال حياته العملية ، فإن
نصوصه المسرحية تدور حول
الأسرة أكثر من نصوص
معاصريه ، بيد أن ذلك ،
في رأيي ، لا يمنح شكسبير
امتيازاً في تاريخ
الدراما ، فالتراث
المسرحي الأغريقي يدور في
معظمه حول الأسرة (أسرة
الملك أوديب ، مثلاً ، أو
أسرة الملك أجاممنون).
يصف أكرويد شكسبير بأنه
كان ذا نزعة محافظة في
معتقداته السياسية ،
وبأنه الكاتب المسرحي
الوحيد في عصره الذي نجا
من مشكلة التفويضات ،
فشريعته تكشف عن أنه
استمد الرؤية المعتمة
للدهماء المتعددي الرؤوس
، كما أنه كان ، بوصفه
فناناً ، مبدعاً مجدداً:
"الكاتب المسرحي
الانجليزي الأول الذي جعل
من الغناء جزءاً لا يتجزأ
من المسرحية.. وهكذا فإنه
يعد خالق المسرح الموسيقي".
وطبقاً لأكرويد فإن
شكسبير ، الذي كان حكيماً
، وبارعاً في تجسيد
الاتجاه الشعبي ، لم يكن
يقتبس مما يقرأه إلاّ ما
يحتاج إليه فقط. إن خياله
كان استيعابياً واسع
الأفق مما جعل فنه يفيد ،
على نحو مؤكد ، من تجربته
ممثلاً ، وعضواً في فرقة
مسرحية أمدته بنماذج
الممثل لشخصياته الدرامية
، والتغذية الاسترجاعية
الدائرة في حواره. لقد
منحه العمل المغلق مع
محترفي المسرح حدةً ومضاءً
أكثر من الكتاب المسرحيين
الذين لم يكونوا ممثلين
مثله ، ويفتقرون إلى
براعته المشهدية.
ويرى أكرويد أن شكسبير ،
في طريقة تأليفه لأعماله
، كان يكتب بـ "ضراوة"
و"سرعة" و"كثافة" ، مثل
من هو منقاد إلى منافسة
في سباق يتعذر قياسه ،
رغبةً منه في أن يكون
الأفضل في كل أشكال
الكتابة التي جربها ونجح
فيها. ويستنتج أكرويد من
ذلك ، ضمناً ، أن المشاهد
الشكسبيرية الحاسمة (النهائية)
تُظهر علامات التعب في
الكتابة ، على الضد من
المشاهد الافتتاحية
الملهمة وتعلق الباحثة
الكندية فيليبا شيبارد ،
مؤلفة كتاب (شكسبير
والفيلم) ، على الصورة
التي يرسمها أكرويد
لشكسبير ، بأنها تفتقر
إلى عاطفة تلك الصور التي
رسمها له جرينبلات ، أو
جوناثان باتيس ، اللذان
كرسا شبابهما لدراسة
الرجل ، ولكنها تبدو صورةً
عقلانيةً يمكن الوثوق بها..
ناقد عراقي مقيم في
الأردن
|