|
كالعادة ، ومن وراء ابتسامة خلت من حسن
النية واحساس بسخافة موقفها ، وجهت مقدمة
برنامج لقاء اليوم في فضائية الجزيرة قبل
ايام السؤال التافه التقليدي الذي ينفرد
به فقط اغلب الاعلاميين العرب حينما
يلتقون مع اي كوردي مسؤولا كان او مواطنا
عاديا : العلاقة مع اسرائيل! وهذه المرة
كان السؤال موجها الى الرئيس مسعود
بارزاني الذي رد بكل الحصافة والصدق
المعروف عنه ، مفندا وجود هكذا علاقة سواء
في السر او العلن ، مع بيان استعداد
الكورد لاقامة تلك العلاقة اذا بادرت
بغداد اولا.
وقبل ايام ايضا وجّه قائد القوات البرية
الإسرائيلي ( آفي مزراحي) ، حسب وكالات
الانباء ، إتهامات ثقيلة للحكومة التركية،
خلال مشاركته في مؤتمر عالمي كجواب على رد
الفعل القاسي (المفبرك في اغلب الظن)
الصادر عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان، تجاه نظيره الإسرائيلي (شيمعون
بيريز) في منتدى دافوس. ذكّر مزراحي خلال
حديثه بجواب أردوغان الموجه لبيريز و الذي
قال فيها" إنكم تتقنون القتل" قائلا:
لينظر أردوغان إلى نفسه في المرآة أولا".
وقال قائد القوات الجوية مزراحي خلال
حديثه، أن الدولة التركية إرتكبت أكبر
المجازر العالمية بحق الأرمن، و تمارس
السياسة نفسها تجاه الكورد في الوقت
الراهن.
هذا كان اخر المواقف الاسرائيلية
اللفظية ازاء الوضع الكوردي في تركيا ،
ولكن هذا الموقف الاسرائيلي جاء كرد فعل
لموقف تركي مشحون ضد اسرائيل في منتدى
دافوس ، و جاء موقف اوردوغان كتمثيلية
يبدو انها كانت مهيئة لها من قبل. واذا
كان تذكير مزراحي لرئيس وزراء تركيا
بمذابح الارمن وابادة الكورد شيئا حسنا ،
الا ان هذا لايجعل الكورد ان ينسوا ،
المعلومات المتواترة عن الدور الاسرائيلي
في القاء القبض على قائد العمال
الكوردستاني عبدالله اوجلان وتسليمه بدماء
باردة الى الاتراك قبل سنين . وهو امر، ان
صحت المعلومات حول هذا الدور الاسرائيلي ،
على الرغم من النفي الاسرائيلي وقتها ،
لكن تبقى مرارته غير قابلة للنسيان في
الذاكرة الكوردية.
اذن ، وفق كل المقاييس وبموجب طبيعة
الجغرافيا وطبيعة الصراعات التي تشهدها
منطقة الشرق الاوسط ، فالاسرائيليون ليسوا
بعيدين عن الساحة الكوردستانية مثلما هم
ليسوا بعيدين عن العرب وعن الاتراك وعن
الايرانيين ايضا ، ولكن طبيعة هذه الحقائق
لا تتطابق بالضرورة مع المعاني التي اعتاد
الاعلام العربي سوقها دائما وبالصورة
السمجة التي يبرزونها والتي تتمحور في
اثارة الغمز واللمز ب(اعجوبة!) علاقة
كوردية اسرائيلية مزعومة وتوجيه الموضوع
مع كثير من الاثارة الفارغة واللغط و
المبالغة المعروفة عن الاعلام العربي الى
المتلقي العربي ، بغية فقط اثارة الحقد
والكراهية وليس ايصال المعلومة الذ ي من
المفروض ان يكون بحياد وموضوعية ، وهم في
هذا يشبهون النعامة التي تدفن رأسها في
الرمال بينما كل جسدها ظاهر للعيان ،
ويتجاهلون حقيقة ان كل النظام العربي
والاسلامي و السلطة الفلسطينية ومعها حماس
لهم علاقات على درجات مختلفة مع اسرائيل ،
بل ثمة انظمة عربية (مقاومة!!) توسط
الولايات المتحدة ودولا اخرى (تركيا مثلا)
لدى الاسرائيليين كي يقبلوهم على مائدة
المفاوضات ، وسوريا احسن مثال.
وعندما يقال ان كوردستان ايضا ليست غريبة
اسرائيل ، فانه يأتي حسب وجهة نظر مراقبين
كورد بمعنى:
- ان ثمة اكثر من 150 الف يهودي من جذور
كوردستانية يعيشون في اسرائيل ، وهؤلاء ما
زال اغلبهم يعتزون بكونهم ينحدرون من اصول
كوردستانية ، و يمارسون العادات والتقاليد
الكوردية ، وهم اولى الجماعات في العالم
الذين تظاهروا لادانة ضرب حلبجة الشهيدة
بالقنابل الكيمياوية العراقية ، بينما كان
كل العالم العربي والاسلامي يشد على ايدي
جزار حلبجة ، وبالتأكيد للكورد الحق اينما
كانوا في الاتصال بهؤلاء الاسرائيليين
المنحدرين من اصول كوردستانية وعقد صلات
الصداقة معهم ، مثلهم في ذلك مثل اقامة
العلاقات نفسها مع اية مجموعة كوردية او
من اصول كوردستانية في اي بقعة من العالم
، والكوردي ليس معنيا باعتراض اي كان في
هذا الموضوع ، فهذه الامور تدخل ضمن
العلاقات الانسانية ليس لاحد ان يتدخل
فيها. فمثلا هناك جاليات كوردستانية تسكن
كازاخستان وقرغيزيا وارمينيا واذربايجان
وهم من مواطني تلك البلدان ، ما هو العيب
في ان يحاول كورد جنوب كوردستان الاتصال
بهم وعقد صلات الصداقة معهم وهم من ابناء
جلدتهم؟ ولماذا يجب ان تكون هذه العلاقات
بموجب (تراخيص) من اخرين لا يمتون للموضوع
بأية صلة؟ وبأي حق اصبحوا اوصياء على
مشاعرنا الانسانية والقومية؟
- شئنا ام ابينا فأن اسرائيل تحاول ان
تكون على علم بما يحدث في كوردستان ،
مثلما ترغب ان تعرف ماذا يحدث في مصر وفي
امريكا وفي سوريا ، اي انها يمكن ان تمرر
عيونها تحت مسميات كثيرة ، ولا يمكن
لسلطات الاقليم ان تتأكد من الهويات
المخفية لكل الداخلين الى كوردستان من
اعضاء المنظمات الدولية او الوفود
الاقتصادية والتجارية او الاعلاميين
وغيرهم ، فأذا كان عدد من المتعاملين مع
اسرائيل او اسرائيليين بجوازات غير
اسرائيلية يدخلون كوردستان فبالتأكيد ان
اعدادا ربما اكبر تدخل بغداد بالطريقة
نفسها ولا يمكن ان يكتشفهم احد. هذا في
حين ان الاسرائيليين يدخلون مصر والمغرب
وقطر والاردن واليمن وتونس وربما دول
عربية اخرى بجوازات اسرائيلية علنية وفي
النهار امام انظار العالم كله ويتلقون
القبل وكثير من مظاهر الترحيب ، هذا عدا
وجود سفارات ومكاتب اسرائيلية في العديد
من العواصم العربية.
-
نعم ، وكما قال سياسيون كورد في مناسبات
عديدة ، يمكن ان شخصيات كوردية زارت
اسرائيل في السبعينيات ( وهذا غير مؤكد)
وحتى اذا تأكد ذلك فليس معنى ذلك انهم
ارتكبوا فعلا منكرا ، بل انهم حسنا فعلوا
، وليس هناك ادنى سبب كي يخجل الكوردي من
تلك الزيارات ان كانت قد تمت فعلا ،
فالبحث عن اي منفذ لخلاص شعب كوردستان من
الفاشية العروبية والطورانية والفارسية ،
كان واجبا عليهم وما زال ، وهو حق صراح
من اجل انقاذ الكورد من براثن السياسات
العنصرية و القتل اليومي ، وهل يصح ان
يطلب من القيادة الكوردستانية ان تبقى
تراقب تمرير سياسات التعريب والتتريك و
ارتكاب المجازر بحق شعبها ولا تطلب
المساعدة لخلاصه ، او تمتنع من طلب مساعدة
اية جهة او دولة او منظمة كانت ، بينما
كان كل النظام العربي يصفق لانفلة الكورد
وقتلهم بالغازات السامة وتفرغ مدن
كوردستان من سكانها الكورد لتسلم الى عرب
جيء بهم من مناطق الجنوب والوسط كما حدث
لمدينة كركوك ؟ ثم اليس من حق الغريق ان
يتعلق حتى بالقشة في سبيل درء الخطر عن
نفسه؟
-
وربما يكون صحفيون او سياسيون
اسرائيليون من الصف العاشر قد زاروا
كوردستان في تلك الفترات ، وحتى ان صح هذا
ايضا ، فان تلك الزيارات وكما يظهر من
قراءة العلاقات الكوردستانية ، لم تؤد الى
بناء اي نوع من العلاقات المهمة بين
الحركة الكوردية واسرائيل ، ويمكن القول
ان الاسرائيليين الذين زاروا كوردستان في
تلك الفترات ربما كانوا متعاطفين مع الشعب
الكوردي في نضاله ، منطلقين من احساس
انساني شخصي وهذا شيء يشكرون عليه وليس
من اللياقة والادب رفض هكذا مشاعر ، وقد
يكونوا فعلا من الموساد ولكن تحت غطاء
صحفيين او رجال اعمال ، في حين ، وعلى
الاقل لم يشعر الكورد في فواجعهم بالاحساس
نفسه حيالهم من اغلبية العالم العربي
والاسلامي ، والغريب ان مئات الالاف من
اخواننا من ابناء البصرة وبغداد خرجوا الى
الشوارع قبل اقل من سنتين يصرخون ملىء
حناجرهم (لا اله ال الله كوردستان عدو
الله) ، واذا كانت هناك دول اسلامية على
ود مع الكورد في بعض الفترات فان مواقفها
تلك بنيت على المصالح ، وقد رأينا كيف ان
ايران الشاه قلبت ظهر المجن للكورد مع اول
اشارة من صدام عندما تنازل لايران عن نصف
مياه شط العرب وبعض المناطق الحدودية من
تراب العراق. وكذلك نرى كيف ان سوريا طلبت
من قائد العمال الكوردستاني ترك البلاد
عندما رأت ان تركيا باتت تهددها ولو
لفظيا. ونرى كذلك كيف ان اصدقاء للكورد
يعقدون اتفاقيات امنية مع تركيا وايران في
(الخفاء) ضد الحركة الكوردية لاستعمالها
في الوقت المناسب! ويصمتون حتى عندما تضرب
كلتا الدولتين حدود العراق في اقليم
كوردستان بالطائرات والمدافع ، وكأن هذا
العدوان يقع على مناطق في المريخ وليس على
حدود (شمال العراق الحبيب!!).
- ثمة حقيقة يبدو ان الاخرين لا يفهمونها
او ربما لا يطيقون التفكير فيها ، وهي ان
الكورد لا يملكون سببا وجيها كي يكرهوا
اليهود او يحقدوا عليهم كما يفعل الاخرون.
فليس الكورد من ضيعوا فلسطين ، بل ان
الكورد هم اول من استعادوا فلسطين على يد
القائد صلاح الدين الايوبي وعندما غابت
شمس الدولة الايوبية الكوردية ، ضيعه
الاخرون ولم يستطيعوا الحفاظ عليه ،
والغريب ان الذين يحقدون على اليهود هم
انفسهم الذين يحقدون على الشعب الكوردي
وحركته التحررية ، وطبعا تبقى مسألة كره
الشعوب والقوميات والاديان في اعلى درجات
العنصرية التي تتناقض كليا مع كل القيم
والمباديء الانسانية ويمكن القول ان هكذا
افكار بعيدة عن طريقة التفكير الكوردية
بكل تياراتها.
ثم وكما قال الاستاذ فهمي كاكه يي في مقال
له نشر قبل فترة قصيرة ما المانع من ان
يعقد الكورد علاقات مع اسرائيل ، ولماذا
يجب ان يكون الكورد ملكيين اكثر من الملك
في هذه المسألة ، اذا كان العرب
والفلسطينيون انفسهم يعقدون تلك الصلات
ويفاوضون اسرائيل ويستقبلون رسلها
ويتبادلون القبل ويشدون على ايدي بعضهم
البعض على مراى من العالم وعلى شاشات
التلفزيون ، فلماذا يحرم على الكوردي ان
يسلم على الاسرائيلي ، اليس هذا منطق اغرب
من الغرابة نفسها؟؟
المشكلة ان بعض العرب الشوفينيين لا
يعرفون كيف يمكن ان يسيئوا للكورد ، غير
البحث وراء ترهات العلاقات الكوردية مع
الاخرين ، وهو موضوع يدل على مدى تخلف
هؤلاء ومدى عنصريتهم الفجة.
اسرائيل دولة حية وفاعلة في المنطقة
شئنا ذلك ام ابينا ، وفي رأيي المتواضع ان
قيام الاحزاب الكوردستانية او منظمات
كوردستانية غير حكومية بعقد علاقات صداقة
متكافئة مع الاحزاب الاسرائيلية ستكون جد
مفيدة شرط ان تكون فيها مصلحة للكورد
خصوصا في الاجواء العدائية التي تحيط بشعب
كوردستان من كل جانب ، في وقت تؤكد كل
المؤشرات الموضوعية على ان ليس للقيادة
الكوردستانية اية علاقة رسمية او غير
رسمية مع دولة اسرائيل ، حيث يكرر القادة
الكورد ان اية علاقة كوردية مع دولة
اسرائيل لن تتم الا بعد ان تقيم الحكومة
الفيدرالية العراقية علاقات رسمية معها ،
وقال الرئيس مسعود بارزاني في اخر لقاء
معه مع قناة الجزيرة ان ليس لحكومة اقليم
كوردستان اية علاقة سواء في العلن او في
السر مع اسرائيل لان اقامة العلاقات
الرسمية اساسا منوطة بالحكومة الفيدرالية
، ولكن قد تختلف الحالة فيما لو جرت
محاولات في المستقبل لاقامة علاقات بين
الاحزاب والمنظمات غير الحكومية
الاسرائيلية والاحزاب والمنظمات غير
الحكومية الكوردستانية ، وارى ان لا
يلتفت الكورد الى ما تثيره وسائل الاعلام
العربية او بعض الساسة الشوفينيين من
العرب او الترك حول هذا الموضوع ، فاذا
كان هؤلاء المعترضين يخافون على الكورد من
هكذا علاقات فليقدموا بدائلهم في تطمين
الشعب الكوردي الى مستقبله ، ويكفوا عن
المؤامرات والمخططات المعادية لشعب
كوردستان ، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى
يكون من الغباء ، استراتيجيا ، اذا انتظر
الكورد اية علاقات سياسية او مساعدة
حقيقية ، ايا كان نوعها ، من اسرائيل ،
على الاقل في الظروف الراهنة ، لآن
الاولويات الاسرائيلية واستراتيجيتها
الامنية لا تعطي المجال لقيام هكذا
علاقات ، فاسرائيل تكافح من اجل بناء
علاقات سياسية واقتصادية مع الانظمة
العربية( ومهما تكن تلك الانظمة) لضمان
اعتراف العرب بوجودها وضمان امنها ، وهي
، اي اسرائيل، لا يمكن ان تتخلى عن
ستراتيجياتها الامنية من اجل عيون الكورد
، وهي تدرك جيدا ان النظام العربي (
بأستثناء بعض التيارات اليسارية و اصحاب
الرأي المنصفين والمثقفين التقدميين
العرب) مع الاسف يقف (بدرجات متفاوتة)
بالضد من التطلعات الكوردية القومية
المشروعة فلا يمكن ان تغامر الدولة
العبرية بأهدافها المبنية على انتزاع
الاعتراف العربي والاسلامي بها ، وهي ترى
ان النظامين العربي والاسلامي يقفان كجبهة
متحدة ( الى الان على الاقل) ضد الحق
الكوردي في تقرير مصيره بنفسه .
ومع الرفض التام لمنطق تخوين الكورد
والافتراء عليهم في حال اقامتهم اية علاقة
مع اية جهة اسرائيلية كانت او اميركية او
اوروبية ووفق المصالح الكوردية ... فان
هذا المنطق لا يعني ابدا قبول اية سياسات
اسرائيلية تتناقض مع مطالب الشعب
الفلسطيني في تشكيل الدولة الفلسطينية
الحرة والمستقلة الى جوار اسرائيل ، بل
ان الحق والعدل يؤكدان ان للشعب الفلسطيني
حقه الكامل في اقامة دولته الحرة بجانب
اسرائيل ، وان تتمثل اسرائيل للمعاهدات
والقرارات الدولية الخاصة بالقضية
الفلسطينية ، وفي الجانب الاخر ايضا يجب
ادانة اي عمل ارهابي تعتمد الاحزمة
الناسفة والسيارات المفخخة والصواريخ
والقتل العشوائي للمواطنين المدنيين
الاسرائيليين واحترام المبادرات الدولية
لاحلال السلام وضمان حق اسرائيل في الوجود
و منع تلك الاعمال الارهابية وحماية امن
مواطنيها. وهذا ما اكدته القيادات
الكوردستانية دائما في موقفها من القضية
الفلسطينية.
|