|

دلـدار فَلـَمَز: فضاءات التُّراب بين
بساطة اللون وعمق تجليات الفكرة.
هوشنك أوسي _ دمشق
"إن
الفنَّ أقرب من الأحلام والأساطير منه إلى
الإحصائيات والتقارير الصحفية. إنه شأن
الحلم والأسطورة، من مظاهر الوجود، ورؤية
للواقع. لكن، ليس الواقع الخارجي
والعقلاني فقط، بل كذلك الداخلي
واللاعقلاني. أي، الواقع البالغ التركيب
والذي يسم_ بكل قوة_ بميسمه العالم
الموضوعي، على الرغم من أن الروابط معه هي
رقيقة ومعقَّدة، ولا تخلو من التناقض.".
هكذا يقدِّم لنا أرنستو ساباتو رؤيته
للفنِّ عموماً. ولعل هذه الرؤية أو الفهم
"الساباتوي" لماهية الفن، هو الأقرب إلى
أن يكون مدخلاً لقراءةِ ما يقدِّمهُ
الشَّاعر الكردي دلدار فلمز من إبداع
تشكيلي، يواكب أو يتمِّم بهِ تجربتهُ
الشِّعرية. فكما أنَّ الشِّعر هو روح
الأرض المجدولةِ بأرواح قاطنيها كلاماً،
كذلك التشكيل. لكن، بأبجدية مختلفة،
مخاطبة للبصر أولاً، من ثم الخيال فالفكر.
فالشِّعر هو الألوان كلاماً، والتشكيل هو
الكلام لونيَّاً. وهذا ما يجعل الترابط
والتداخل بين الشِّعري والتَّشكيلي بالغ
التعقيد، في وقتٍ يحافظُ فيه كل منهما على
خصوصيتهِ واستقلالهِ في التعاطي مع
المتلقِّي. وتأتي تجربة الفنَّان
والشَّاعر الكردي فلمز جامعة لهذين
المنحيين الإبداعيين، إلى جانب ممارسة
الكتابة الصحفية في مطلع التسعينات.
في معرضه الفردي الثالث الذي استضافته
صالة "عشتار" بدمشق، في الفترة الممتدَّة
من 23/2 ولغاية 3/3/2006 قدَّم الفنَّان
دلدار فلمز 16 عملاً زيتياً، متوسِّطة
الأحجام، كانت حصيلة 11 شهراً من الجهد
الإبداعي. ركَّز فيها الفنَّان على
استخدام الألوان التي لها علاقة بالأرض
وتحولاتها، كـ"البُنيَّات بتدرُّجاتها
الغامقة والفاتحة، الأهرى، الأصفر..."، مع
حضور نسبي للألوان الداخلة في تكوين
سابقاتها واشتقاقاتها كـ"الأسود، الأبيض،
الأحمر...". وبالتالي، كانت الألوان خصبةً
جداً، وعاكسةً لطبيعة الأراضي المنبسطة
الشَّاسعة على مدِّ النظر في المناطق
الكردية، شمال شرق سورية. وكأنَّ الأرض في
لوحات فلمز هي نفسها الأرض في مناطق
الجزيرة، عقب حرثها، بلونٍ بُنِّيٍّ مائلٌ
للحُمرةِ، توحي بالخصوبة المهدورة في
انتظار الغيث. أو ربما كان طغيان هذه
الألوان في أعمال فلمز يأتي من مدى القفر
والتصحُّر واليباس الغازي للطبيعة البشرية
والجغرافية لهذه المنطقة، نتيجة الظروف
والممارسات السِّياسية الخانقة والضاغطة
على هذه المنطقة، منذ عقود. على اعتبار
أنَّه يمكن لمقولات العمل التشكيلي أن
تكون ذات محمول سياسي. خاصةً، وأن مناخات
ومفردات الرِّيف الكردي حاضرة بقوَّة في
غالبية الأعمال، إن لم نقل كلَّها.
بالرُّغم من أن فلمز قد قضى صباه وشبابه
في مركز محافظة الجزيرة السُّورية _
الحسكة، إلا أنَّ أجواء قريته، "كر بيجنك
_ Gir Bejing" تخيّم على لوحاته التي
تعجُّ بتكوينات ومفردات البيئة الأم، من "حيوانات،
طيور، بيوت طينية، بشر، شجر، حجر...". فهو
الحنين الطفولي الذي يبقى يسكننا، مهما
اشتَّط بنا التِّرحال بعيداً عن الأرض
والسَّماء الأولَين. فالخزين الإبداعي عند
فلمز يستقي معينهُ من ذاكرة الطفولة التي
تعتبر أكثر شفافية وصدقية مما يلي الطفولة.
: ( "اللعب بالطِّين، الجري وراء الدَّجاج،
والدُّخول إلى قنَّها، والتَّشاكس معها
أثناء جمع البيض، حلب الغنم والماعز،
النَّوم على أسطح المنازل، والاستيقاظ على
صياح الدِّيَكَة وخوار البقر، مقايضة بيض
الدَّجاج بقِطَع البوظا مع بائعها الجائب
للقرى _ "العتَّار" كما يسميه الأكراد في
الرِّيف الكردي السُّوري_ في نهارات
الصِّيف الحارقة..." لازلتُ أتذكَّر كل
هذه التفاصيل، وبل أكثر منها، حتى الآن.
أعيش معها، وكأنها كانت البارحة.). هذا ما
اجابنا به دلدار أثناء طرح سؤال علاقته
بالبيئة البكر، رغم عيشه في المدينة. لكن،
بالتأكيد، ثمة تغيرات كثيرة طرأت على
شخصية دلدار الطفل، جعلت لوحاته لسان حال
طفولته، ظاهراً، وخُلاصة رؤاه حيال الواقع
المُعاش، باطناً.
أنجز فلمز أعماله واقعاً تحت سطوة تعبيرية
باذخة طغت على غالبية لوحاته. تعبيرية
منسجمة مع الزركشات اللونية الفاتحة
المتناثرة ضمن سياقات تجريدية على خلفيات
بعض أعماله. فتداخل التعبيري مع التجريدي،
كان السِّمة الغالبة لأعماله. ما أضفى
جوَّاً من الفوضى اللونية الأنيقة،
المشكِّلة لأجواء حالمة مبهمة، تشدُّ
وتقود المتلقِّي، دون أن يدري إلى أين.
وما زاد في حالمية الأجواء في لوحات دلدار،
هو وجود كائنات وتكوينات أسطورية مختلقة،
أضافها الفنان بغية زيادة وتيرة الغموض
اللذيذ الذي يطرح أسئلة أكثر من طرحه
لأجوبة صريحة فجَّة. فأتت أعماله الفنيَّة
بمثابة نصوص تشكيلية مكتظَّة بفضاءات
التُّراب الأول، وذاكرة البيئة المختزنة
في لاوعي الذَّات المبدعة، ضمن معالجات
لونية بالغة البساطة والشفافية، تطرح
تجلياتٍ لأفكارٍ ورؤى، غاية في العمق
والحيوية، بالتأكيد لها إسقاطاتها على
الواقع الكردي في سوريا، سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً.
دلدار فلمز: مواليد القامشلي 1970 . يكتب
الشعر منذ خشونة أظفاره، كما يقول هو. له
كتابات في النقد التشكيلي والأدبي في
الصَّحافة العربية والمحلية.
معارضه: معرض مشترك – في الثقافي الحسكة
2001. معرض مشترك في صالة اليونسكو
للمعارض – بيروت 2001. معرض فردي – في
الثقاف الحسكة 2002. معرض فردي – في
الثقافي الحسكة 2005. له مجموعة شعرية
بعنوان" عاش باكراً" 2003
|