rojava@rojava.net
السلبي والايجابي في إعلان دمشق هل ينبىء بالتغيير الديمقراطي
rojava.net 30.11.2005
رديف مصطفى * إن مجمل المتغيرات الدولية والإقليمية التي حدثت إثر انهيار نظام القطبين , وبروز ملامح النظام العالمي الجديد وسياسة العولمة وثورة المعلومات , وانهيار العديد من النظم الشمولية , وما حدث في كوسوفو وتيمور الشرقية مرورا بأفغانستان والعراق وصولا إلى لبنان وملفه الذي أدى إلى زيادة التسارع في الإيقاع الزمني لوتيرة الأحداث , وخصوصا بعد حادثة اغتيال المرحوم الحريري وصدور سلسلة من القرارات الدولية ذات الصلة . هذا من جهة ومن جهة أخرى عدم قدرة النظام السوري على فهم المتغيرات الدولية ومواكبتها وخصوصا فيما يتعلق بقضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان اللتين تعتبران العنوانين البارزين لأجندة المجتمع الدولي وتدخلان في صلب اهتمامه في المرحلة الراهنة على الأقل , ولا شك أن احتكار السلطة من قبل الحزب الواحد , وبأسلوب شديد المركزية وفق عقل إقصائي يعتمد منطقا وصائيا قبر السياسة , وأسس لنظام شمولي تسلطي غيب أي شكل من أشكال الحراك المجتمعي والسياسي المدني المشروع قانونا في ظل غياب الحريات وسيطرة الأحكام العرفية ومحاكمها الاستثنائية . أدى كل هذا إلى انسدادات سياسية واجتماعية واقتصادية ترافقت مع عزلة دولية وإقليمية وعربية وضع النظام نفسه فيها إثر سلوكياته تجاه الخارج والداخل . إنني أعتقد إن ما ذكرته آنفا من عوامل بالإضافة إلى بعض العوامل الاستثنائية الأخرى التي لست في معرض ذكرها الآن دفعت بسوريا إلى واجهة الأحداث العالمية وأسكنها في عين العاصفة. دون أدنى شك أن الأخطار المحدقة بسوريا هي جدية وخطيرة وتنم عن أحداث جسام . إن سوريا المتعددة القوميات والأديان والمذاهب والاثنيات . سوريا المتعددة الثقافات لهي بحاجة ماسة إلى عملية التغيير الديمقراطي التي تبدأ من إعادة النظر في بنية الهوية التي ينبغي أن تحتضن الكرد والآشوريين كمكونات قومية أصيلة إلى جانب العرب بالإضافة إلى الأقليات القومية الأخرى كالأرمن والتركمان وغيرهم , وأن تحتضن كافة الأديان والمذاهب والثقافات وتقر بحريتها وتعددها وصولا إلى دولة عصرية تحترم فيها حقوق الإنسان بعيدا عن الفكر الشمولي وثقافة الاستبداد ولغة الإقصاء . في هذه الظروف بالغة الدقة والحساسية يأتي إعلان دمشق للتغيير الوطني , ضمن سياق المتغيرات الدولية والاحتقانات الإقليمية وكحاجة موضوعية وكرد فعل طبيعي على إخفاق السلطة في مشروع الإصلاح والعصرنة , فهل يعبر هذا الإعلان عن طموحات غالبية السوريين على الأقل ومن يعمل منهم في الحقل المعارض من أجل بناء الدولة الديمقراطية الوطنية . دولة الحق والقانون . خصوصا وأن الإعلان يضم طيفا واسعا من المعارضة السورية ؟ . قبل الخوض في التفاصيل سأتطرق إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أنني أزعم بأنني على مسافة وبعد واحد من الجميع ممن وقعوا على إعلان دمشق وممن لم يوقعوا , وبالتالي فأنا لن أكون مم سوقوا للإعلان على أنه قرآن منزل واعتبروا كل نقد له تخلفا أو جهلا . خصوصا وأن الإعلان نفسه يؤكد بأنه ناتج عن توافقات سياسية بين أطراف متعددة ومختلفة , ولست من الذين يخونون ويكفرون الأطراف المنضوية تحت إعلان دمشق مع التأكيد بأن من حق الجميع إبداء الآراء والملاحظات على هذه الوثيقة السياسية الهامة , وأنا أعتقد بأن كلا الرأيين التأييد المطلق والمعارضة المطلقة لهذه الوثيقة ناتجين عن ذهنية واحدة , وهما وجهان لعملة واحدة رغم التناقض الظاهر فأرجو من هؤلاء أن يتقوا الله فيما هم مقدمون عليه وكفانا ما دفعناه من ضرائب التفكير في زمن التكفير هذا . أولا – إنني أفترض وحسب قراءتي للإعلان بأنه يتطرق إلى ثلاثة مراحل : - المرحلة الأولى وتندرج في إطار المطالب الراهنة في ظل السلطة الحالية . - المرحلة الثانية وتندرج في إطار التصورات حول المرحلة الانتقالية فيما يخص التغيير . - أما المرحلة الثالثة فهي تندرج في إطار تصور سوريا المستقبل , وهذه المرحلة تقترب من كونها نصوص دستورية رغم أن الإعلان وثيقة سياسية بامتياز وهي تحتوي على الكثير من الايجابيات : 1- على مستوى توافق هذا الطيف الواسع خصوصا إذا ما أخذنا بالحسبان [ن المعارضة السورية عانت كثيرا من التشتت والضعف حتى وصفها أحد رجالات السلطة بأنها غير قادرة على إدارة مدرسة . 2- فيما يخص التغيير السلمي ونبذ العنف وبناء عقد اجتماعي جديد عبر دستور ديمقراطي يقر التداول السلمي للسلطة ويجعل المواطنة معيارا للانتماء في المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الاختلاف وإقرار التعددية . 3- فيما يخص إلغاء الاستثناء من الحياة العامة وسيادة القانون واستقلال القضاء وحرية الأفراد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين واحترام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان . 4- فيما يخص تحرير المنظمات الشعبية وتحييد الجيش وإصرار قانون عصري للأحزاب ونبذ الإرهاب وتصحيح العلاقة مع لبنان والحفاظ على المتحد الوطني والعمل في إطار وحدته والعمل على إعادة الجولان المحتل إلى الحاضنة الوطنية ورفض التدخلات العسكرية . رغم ما ورد في الإعلان من ايجابيات أعتقد بأن هنالك ملاحظات هامة وجوهرية لا بد من إبداءها وأهمها : 1- الإعلان يتحدث عن دولة ديمقراطية حديثة دون التطرق إلى النظام الاقتصادي المفترض لبناء الدولة عبر تحرير الاقتصاد باعتماد آليات السوق وفرض نظام ضريبي عادل يحقق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية . 2- لم يتطرق الإعلان إلى قضية المرأة وضمان حقوقها وفق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقات الأخرى ذات الصلة بغية تخلصها من الاضطهاد المجتمعي وبالتالي إلغاء جميع القوانين المجحفة بحقها لتحقيق المساواة التامة . 3- إن الإعلان جاء نتيجة توافقات سياسية بين أطراف متعددة ومختلفة وفيه أطراف لا تنتمي إلى المعارضة ضمن سياق برامج سياسية تقليدية في غالبيتها تختلف في قضايا جوهرية فيما يتعلق بالعديد من المواقف الإقليمية والدولية , وفيما يتعلق بالموقف من طبيعة النظام , ولم تخضع غالبية الأطراف المنضوية برامجها لمراجعة نقدية بغية التجديد نحو ثقافة التعدد وقبول الآخر واعتماد آليات ديمقراطية مما أدى إلى إقصاء قوى معارضة مهمة تعمل على الساحة السورية , وبالتالي ساد نفس معين في الإعلان عبر استحضارات ايديولوجية كالعقيدة , وحضارتنا العربية والأمة وهي تخص التجمع الديمقراطي , وخصوصا الشقيق الكبر فيه الاتحاد الاشتراكي علما بأننا نتحدث عن وثيقة سياسية وهذا ينبىء بأننا نتعامل مع عقل يندرج في إطار إدارة الأزمة لا في إطار الخروج منها وعليها . عقل قائد لا ديمقراطي . 4- إن غياب الآليات البرنامجية الديمقراطية العملية وعدم تفعيل لجنة الحوار والمتابعة مع الأطراف الأخرى , والطريقة التي تمت بها الانضمامات والمبايعات على غرار احتكار السلطة تنبىء بشيء من احتكار العمل السياسي المعارض من قبل أهل الإعلان . 5- إن الملاحظات الربع الآنفة الذكر تقودنا إلى ملاحظة جوهرية خطيرة تتعلق بعدم ركون الإعلان إلى مبدأ أساسي في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة هو مبدأ الفصل بين الدين والدولة . بل على العكس فإن الإعلان يرى في أحد بنوده بأن الإسلام هو دين الأكثرية وعقيدتها ... إلخ ورغم الواقعية التاريخية لما ورد في قسم كبير من هذا البند إلا ان له دلالات سياسية خطيرة تجعلنا نتساءل عن هوية الدولة التي يدعو إليها الإعلان . هل هي دولة دينية أم لا ؟ ثم أن إيراد ما يشير إلى الدور الأساسي للإسلام في تكوين ثقافة الأمة وإتباعها بالحضارة العربية , وبالتفاعل مع الثقافات الأخرى وكأننا نتحدث عن ثقافات لطيور مهاجرة , فهل في سوريا حضارة عربية فقط ؟ رغم أنني أعتقد بحرية العمل الحزبي للأحزاب الدينية ولكنني لا أعتقد أبدا بدولة دينية وخصوصا عندما نتحدث عن بلد متعدد الأديان والثقافات ينبغي أن يتساوى فيه الجميع على مستوى الحقوق والواجبات بغض النظر عن كونهم ينتمون إلى الأغلبية أو الأقلية على اختلافها . 6- أما بخصوص البند الخاص بوضع الكرد في سوريا فإنني أعتقد بداية بأن سوريا بلد متعدد القوميات والاثنيات عربا وكردا وآشوريين كمكونات أصلية ينبغي الاعتراف بها دستوريا بالإضافة إلى باقي الأقليات القومية , ولا شك أن الشعب الكردي في سوريا يشكل إحدى القوميات الرئيسة إلى جانب إخوانه من أبناء القوميات الأخرى , ولقد تعرض إلى سياسات اضطهاد قومي منظمة بدرجة أساسية منذ فترة غير قريبة وعلى يد الحكومات المتعاقبة بل إن الآشوريين أيضا تعرضوا لسياسات تمييز قومي ولو بدرجة أخف . كل هذا إضافة إلى الاضطهاد السياسي الذي خص السوريين مجتمعين , ولا شك ان اقتصار الإعلان على الاضطهاد السياسي دون التطرق إلى الاضطهاد القومي وحتى الديني الذي يتعرض له المسيحي واليزيدي . يكفي أن أورد على سبيل المثال لا الحصر بأنه لا يحق لغير المسلم أن يتبوأ منصب رئاسة الجمهورية . كل هذا رغم أن الإعلان دخل في بعض بنوده في قضايا تفصيلية أخرى , وتجنب هذه القضية رغم أهميتها . إنني أتسائل هل يشكل الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي في سوريا وبحقوقه القومية الديمقراطية في إطار وحدة البلاد خطرا على مستقبل الوحدة الوطنية ؟ ثم أليست هناك في العالم شعوبا متعددة اتفقت على بناء دولة واحدة كما حدث في المملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق ؟. بالتأكيد أن القضية الكردية في سوريا بحاجة إلى إيجاد حل ديمقراطي وعادل , ولكن من موقعه كشعب يعيش على أرضه لا من منطلق المواطنة فقط , والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يشكل مرجعا هاما في هذه المسألة وخاصة في البند الأول . إن حصر القضية الكردية في سوريا بالمواطنة دون الاعتراف بالشعب الكردي في سوريا يوحي بأن موقعي الإعلان يتحدثون عن قبائل من البطريق كانت ذات أجنحة هاجرت إلى سوريا وفقدت أجنحتها . لا شك أن أي حوار ديمقراطي بين أطراف متعددة يفترض على الأقل الاعتراف بالوجود المتكافىء لجميع الأطراف , فهل كان الحوار متكافئا بين الطرف الكردي والأطراف الأخرى خصوصا ونحن نعلم بالأزمة التي يعيشها الطرف الكردي ؟. خلاصة أعتقد بأن وثيقة إعلان دمشق بحاجة إلى إعادة النظر في متنها من أجل تلافي النواقص والعيوب ومن أجل المزيد من الحوار الديمقراطي مع أطراف غيبت عن عملية الحوار وإلا سيكون مستقبل الإعلان الجمود والتحجر المنافي للتغيير الديمقراطي المنوه إليه في الإعلان . • محام وناشط في مجال حقوق الإنسان 2005-11-29
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE