|
دراسة تاريخية:
الاشتراكية العربية في الأراضي
الكردية-5-
خالد
عيســى
قد تتغير بعض أوجه الحياة
السياسية العامة بتغير و تعاقب
الحكام على سورية, إلا أن السياسة
المتبعة تجاه الشعب الكردي هي
واحدة في خطوطها العريضة. تتلخص
في إنكار وجود هذا الشعب و حقوقه
في ممارسة و تطوير ثقافته, ومنع
مشاركته في تقرير مصير البلاد.
لنر ماذا كان نصيب الكرد من
منجزات الحركة التصحيحية التي
قادها فريق من العسكر بقيادة
السيد حافظ الأسد .
سابعاَ: اشتراكية الحركة
التصحيحية
أولا: الأسد يستلم الحكم
استطاع السيد حافظ الأسد وطاقمه
الاستيلاء على الحكم بفضل
الانقلاب العسكري الذي قاموا به
في 16 تشرين الثاني 1970. فتجدد
العمل بالأحكام العرفية, إلا أنه
تظاهر الحكم الجديد بالانفتاح على
الشعب, ووعد بإقامة نظام ديمقراطي
في البلاد, و بإجراء انتخابات
تشريعية ومحلية تشارك فيها كافة
القوى و الأحزاب الوطنية. وأعلنت
القيادة البعثية الجديدة بأنها
ستقود البلاد عن طريق جبهة سياسية
تشترك فيها كل القوى الديمقراطية.
قام الشيوعيون و الناصريون و
الأكراد بالاشتراك في المظاهرات
المؤيدة للحكم الجديد. وكان
الشعار البارز الذي رفعه
المتظاهرون الكرد هو (عاشت الأخوة
العربية-الكردية).
لم تقم سلطات الأمن المحلية بشكل
عام بإزعاج المتظاهرين, إلا أنه
في قامشلو (القامشلي), و هي أكبر
المدن الكردية في سورية, تم
اعتقال /16/ كرديا و أحيلوا جميعا
إلى محكمة أمن الدولة في دمشق, و
أدينوا بتهمة إثارة النعرات
الطائفية و اهانة الشعور القومي
في البلاد, و حكم عليهم بالاعتقال
لمدة تتراوح من سنة و حتى سنتين.
أعلن في نيسان 1972, عن تشكيل
جبهة سياسية مؤلفة من خمس تنظيمات
هي: الحزب الشيوعي السوري و ثلاثة
تنظيمات ناصرية (الاشتراكيين
العرب- الوحدويين الاشتراكيين-
الاتحاد الاشتراكي العربي) و تحت
قيادة حزب البعث العربي
الاشتراكي, و بذلك أصبح حافظ
الأسد رئيسا للجبهة الوطنية
التقدمية, التي تدير المجتمع
والدولة, حسب المادة الثامنة من
الدستور الصادر في 1973. لكن في
الواقع, بقيت مقاليد الحكم بيد
حزب البعث, أما بقية التنظيمات
المشاركة في الجبهة, فبقي دورها
هامشياَ ثانويا, ولم يسمح لأي
منها بإصدار أية جريمة باسمها.
كما احتفظ البعث لنفسه حق احتكار
قطاعي الجيش والتعليم.
أما بالنسبة للتنظيمات الكردية,
فلم تكن تأخذ لها السلطات العربية
أي حساب في عمليات تقاسم السلطة.
إذ لم يكن قد تبقى للكرد أي وزن
عسكري أو إداري يذكر منذ سيادة
الفكر العروبي في أوساط النخب
العربية. كما أن الزعامات
العشائرية الكردية كانت قد تضعضعت
بفعل توغل الأفكار الماركسية في
الوسط الكردي, فضلاََ عن أن
عمليات الاستيلاء الواسعة على
أراضي الكرد كانت قد جردتهم وخاصة
رؤساء عشائرهم من قاعدتهم
الاقتصادية, وبالتالي كانت السلطة
العربية تتصرف بمطلق الحرية في
المجال الكردي.
ثانيا: إقامة المستوطنات العربية
(24)
في بداية عام 1973شكلت القيادة
القومية لحزب البعث العربي
الاشتراكي لجنة برئاسة, (عبد
اللـه الأحمد) باسم لجنة أعمار
مزارع الدولة. وتم تكليفها بانجاز
تطبيق القرارات البعثية التي كانت
قد صدرت منذ 1966 استناداَ على
الخطة البعثية لتعريب المناطق
الكردية الموضوعة من قبل محمد طلب
هلال في تشرين الثاني من عام
1963.
أنجزت هذه اللجنة خلال عامي
1973-1947 بناء /14/ قرية نموذجية
ضمن منطقة الاستقرار الأولى, و
خاصة في شريط لا يتجاوز عمقه 10كم
جنوب الحدود السورية-التركية (خط
العشرة) والتي تعتبر أخصب مناطق
البلاد.
وكانت الذريعة الرسمية لإنشاء هذه
المستوطنات هي إيواء سكان المنطقة
التي غمرت بمياه السد المقام على
نهر الفرات في منطقة الطبقة. إلا
أن الغاية الحقيقية لهذا المشروع,
كانت تعريب منطقة الأكراد, حسب
الخطط المرسومة من قبل مسؤولي
البعث السوري.
و يتضح ذلك جلياَ, حيث كان
القادمون للاستيطان من البدو
الرحل أو شبه الرحل, ولم تكن لهم
مناطق استقرار ثابتة, ثم وأن بعض
العشائر لم تكن من العشائر
المتجولة في منطقة السد بل
استقدمت من مناطق أخرى لاستيطانها
في الجزيرة, بغية تعريبها(25). من
ناحية أخرى لم تعمل الدولة على
تعويض الأكراد عندما اكتشف في
أراضيهم حقول النفط, و استثمرتها
لحساب الخزانة المركزية للدولة
التي لا تعترف بوجود الأكراد, بل
حتى العمل في هذه الحقول محرّم
على أغلب الأكراد, فلماذا يتم
التعويض على سكان المناطق
المغمورة عن طريق منحهم أراض
كردية.
كانت لجنة الأحمد, تختار مواقع
مستوطناتها بحيث تكوّن كل منها
قريبة بجانب قرية كردية, على طرفي
الطريق الذي يربط (المالكية)
ديريك (برأس العين) سري كانية.
شرعت اللجنة بالعمل قبيل حرب 16
تشرين الأول عام 1973 , وكان
السيد محمد حيدر وزيراَ للزراعة
والإصلاح الزراعي وقام بزيارة
تفقدية إلى بعض مواقع الاعمار,
منها قرية هيمو الواقعة إلى الغرب
من مدينة قامشلو, وذلك ليتأكد
بنفسه على حسن سير العمل, وعلى
سلامة تطبيق الاشتراكية العربية
في الأراضي الكردية. لكن توقفت
عمليات الاعمار خلال فترة الحرب
التي شارك فيها أبناء الكرد
وقدموا من التضحيات التي لا تقل
عن غيرهم من السوريين. وما أن
هدأت المعارك على الجبهة مع
إسرائيل, و في الوقت الذي كان
الكثير من الضباط العرب يذكرون
ملامح بطولية لدى الجندي الكردي,
وبينما كانت العائلات الكردية
مستمرة في إقامة التعازي لأبنائها
الذين سقطوا في المعارك, كانت
لجنة قيادة البعث تعيد مباشرة
اعمار المستوطنات في الأراضي
الكردية.
واستمرت لجنة عبد الله الأحمد في
تجهيز البنى التحتية للمستوطنات
العربية طيلة عام 1974 , و في
نهاية هذا العام, كانت هذه
المستوطنات جاهزة للسكن. تكونت كل
منها من حوالي 50 دارا سكنيا و
مدرسة (26), و مقراَ لحزب البعث.
وتم توزيع المستوطنات و تخصيصها
حسب الانتماء العشائري, فمثلا بين
مدينتي عامودا و الدرباسية بنيت
ثلاث مستوطنات (بهيرة-جابرية-تل
تشرين) خصصت كلها لقبيلة الناصرة
التي تتزعمها عائلة الشيخ شواح
البرسان. في حين بنيت في غرب
الدرباسية
(القحطانية-القنيطرة-ظهر العرب) و
خصصت كلها لقبيلة من الولدة.
في منذ نهاية 1973, شكلت قيادة
البعث لجنة استقبال مؤلفة من
محافظ الحسكة, الذي يعتبر حكما
عضوا في قيادة فرع الحزب, و أمين
فرع الحزب في الحسكة و رئيس اتحاد
الفلاحين في المحافظة (27). و
ألحقت بهذه اللجنة أربعة لجان
فرعية, في كل من ديريك,و قامشلو,
و درباسية, و سري كانية. و هذه
اللجان الأخيرة كانت مؤلفة من
المسؤولين المحليين في كل منطقة,
و مكلفة بتسكين المستوطنين في
القرى النموذجية المعدة لهم, و
توزيع الأراضي و المؤن عليهم.
في ربيع عام 1975, نقلت العشائر
العربية بعربات زيل العسكرية إلى
القرى المخصصة لها, و أعطي إلى كل
وحدة سكانية (28) /250/ دونما من
الأرض. و حيث أن الأراضي كانت
مزروعة قبل قدوم المستوطنين, فخصص
لكل وحدة سكانية 40% من إنتاج
العام الجاري.
و بذلك انتقلت أغلب ما كانت
تستثمره منشآت مزارع الدولة في
ديريك (المالكية) و الدرباسية و
سري كانية (رأس العين), إلى ملكية
المستوطنين العرب, و ما تبقى من
ملكية هذه المنشآت الثلاث تم
تأجيرها إلى بعض المسؤولين في
الجزيرة أو في خارجها (29), و
انتفع البعض القليل من الفلاحين
الكرد (المحظوظين أو الموالين أو
الراشين) أيضا ببعض ما تبقى من
القسمة. أما مزرعتي قامشلو
(القامشلي) و مناجير فاستمرتا في
استثمار ما تبقى بحوزتهما,
بانتظار استكمال المشروع
الاستيطاني الذي بلغ 40 قرية.
الملاحظات والهوامــش:
24- راجع محمد طلب هلال والبند
العاشر من مخططه السيئ الصيت.
مرجع سابق
25-جريدة دنكي كرد, العدد 65 لعام
1976.
26-منذ الأيام الأولى تحولت مقرات
المدارس إلى زرائب للحيوانات.
27-اتحاد الفلاحين, هي نقابة
تابعة للدولة و يقودها حزب البعث.
28-اعتبرت وحدة سكانية, كل ثلاثة
أشخاص أو شخص و زوجته. و تجدر
الإشارة إلى أن المستوطنين لجئوا
إلى كل الأساليب لزيادة حساب
وحداتهم السكانية, إذ تم اكتشاف
حالات مزّورة و مشينة, مثلما جرى
في مستوطنة بهيرة, حيث كان يقدم
بعض الأخوة و الأخوات وثائق تفيد
بأنهم أزواج بعض
29- السيد حسين حسون الذي بقي
محافظاَ في الجزيرة حوالي عشر
سنوات قبل أن يصبح وزيراَ للعدل,
كان يستثمر حوالي خمسة آلاف دونما
لحسابه ماعدا شركاته. وأقام السيد
مصطفى طلاس الذي شغل أرفع المناصب
كوزير الدفاع و نائب القائد العام
للجيش و القوات المسلحة (أي نائب
رئيس الجمهورية), أيضا استثمارات
واسعة في الجزيرة.
|