|
"
المؤتمر القومي العربي "
من البونابرتية الى الزرقاوية
صلاح
بدرالدين
بداية لابد من توضيح أنني أتناول
في هذه المقالة موضوع مسلسل
المؤتمرات الموسومة با " المؤتمر
القومي العربي " التي ينظمها مركز
الدراسات العربية في بيروت منذ
عقدين بدعم مادي ومعنوي كما بات
معروفا من نظامي العراق المخلوع
وسوريا وانعقد آخره في المغرب
وبلغ تسلسله سبعة عشر ولست هنا
بصدد تقييم الفكر القومي العربي
الذي يشغل مكانة مرموقة ومؤثرة في
وجدان الملايين من أبناء الشعب
العربي الصديق ويحمل الاتجاهات
المتعددة ومنها الديموقراطي
والانساني والليبرالي والثوري الى
جانب الشوفيني والرجعي مثل سائر
الأفكار القومية لدى جميع شعوب
العالم بدون استثناء وهنا من
المفيد التمييز بين مضامين نوعين
من الأفكار القومية واحد اجتاز
مرحلة التحرر القومي بعد نيل
الاستقلال السياسي وبناء الدولة
الوطنية وبالتالي انتفاء العديد
من الشروط الموضوعية التي تؤهلها
للاستمرارية بنقائها المعهود ابان
مهامها ما قبل التحرر وفي ظل
استلام السلطة والتحول من
المعارضة الى ممارسة الحكم بكل
تبعاته القمعية اللاديموقراطية
تجاه طبقات وفئات الشعب والقوميات
المظلومة وآخر لم يزل ضمن اطار
التحرر القومي بكل مهامها الوطنية
والديموقراطية والانسانية ويتخذ
موقعه الطبيعي ضمن صفوف المعارضة
الديموقراطية العاملة من أجل
التغيير واستعادة حقوق الأغلبية
المحرومة بما فيها الطموحات
المشروعة في تقرير مصير الشعوب
والقوميات .
من عادة القوى الجادة الواثقة من
حاضرها والمتطلعة الى المستقبل
بمسؤولية ممارسة النقد الجريء
والتقييم الموضوعي بين مرحلة
وأخرى أما المشرفون على مسلسل -
المؤتمرات القومية العربية –
فيعملون العكس تماما : التشبث
بالخطأ والترويج له , ركوب موجات
التطرف القومي والديني , تضليل
الجيل الناشىء باخفاء الحقائق عنه
, الانتقام لسقوط النظام
الدكتاتوري في العراق وأدلجة
المواقف السياسية بالتنظير
للارهاب باسم مقاومة الاحتلال
والامعان في المضي في فلك الانظمة
الاستبدادية مثل سوريا وايران ,
والتحول العلني طرفا في مواجهة
عملية التغيير الديموقراطي في
البلدان العربية والشرق الأوسط
عموما , اتخاذ جانب سياسات
الانظمة الرسمية القمعية
الشوفينية تجاه الشعوب والقوميات
الأخرى في المنطقة وبخاصة الشعب
الكردي وبالتالي المساهمة في
اثارة المفاهيم العنصرية .
ولنتابع معا ما تمخض عن الدورة
السابعة عشرة المنعقدة في المغرب
مؤخرا : في القضية العراقية – حسب
ماجاء في البيان الختامي - اعتبار
خلاص العراق من الدكتاتورية
تراجعا وكارثة والاعتراف
بالمقاومة – الارهابيين – ممثلا
شرعيا للشعب العراقي ! وتشخيص
الانتخابات الديموقراطية
والاستفتاء الحر على الدستور
وخيار الفدرالية خيانة وتقسيما
وتحديا للعروبة ! ومن ثم المطالبة
بعروبة العراقيين وتجاهل كل
المكونات الوطنية العراقية من كرد
وتركمان وكلدان وآشور أي دعوة
مباشرة للعودة الى نهج النظام
المخلوع في توزيع استمارات تبديل
القومية التي كانت رائجة في العهد
المقبور , وفي القضية اللبنانية
رفض استقلال لبنان من الهيمنة
السورية ومعاداة الحركة
الديموقراطية التي تمثل أغلبية
اللبنانيين والدعوة الى ادامة
النفوذ السوري واعتباره ضمانة
لعروبة لبنان ! ودعم النظام
الايراني الحاكم في معركته ضد
شعوبه التواقة للحرية والخلاص من
الاستبداد وفي تحديه النووي
للعالم وتهديده لاستقلال العراق
وللسلم في المنطقة وخاصة في
الخليج , وفي القضية الفلسطينية
رفض الاتفاقات التي أبرمتها
السلطة الفلسطينية والقيادة
الشرعية المنتخبة مع اسرائيل
والعالم بما فيها خارطة الطريق
التي ضمنتها الرباعية – اوروبا
والامم المتحدة وامريكا وروسيا -
والمزايدة اللفظية على الوطنيين
الفلسطينيين والدعوة غير المباشرة
للحرب والاقتتال ! واعتبار كل من
يدعو الى السلم والمصالحة
والاتفاق متخاذلا وعميلا ! كما
يدعو علنا الى رفض المصالحة
والتفاوض باشراف دولي في دارفور
لوقف المجازر العنصرية وتحقيق
الأمن وحل القضية ديموقراطيا على
اساس حق تقرير مصير شعب دارفور
ومن ثم التضامن المبطن مع عصابات
– الجنجويد – الفاشية , وحول مصير
التغيير الديموقراطي في الشرق
الأوسط رفض مطلق لاصلاح مناهج
التربية والتعليم التي يجمع
المثقفون والعلماء والمختصون وكل
القوى الحية على ضرورة اجراء نقلة
نوعية فيه للحاق بركب التطور ودعم
الاصلاح الديموقراطي الموازي
واعتبار ذلك نوع من التدخل
الأجنبي ! .
أما بخصوص النظرة الى العالم فليس
هناك اختلاف سوى في طريقة العرض
والاسلوب مع نظرة بن لادن
والزرقاوي وسائر الجماعات
الارهابية من اصوليي الاسلام
السياسي في المنطقة والعالم
بتقسيم المجتمع البشري الى
سفساطين : معسكر الكفر من خونة
وعملاء للصهاينة والصليبيين يجب
محاربتهم ومعسكر ايمان ودار جهاد
وساحة مواجهة لاعلاء ورفعة شأن
الأمة ! .
تاريخيا لايمكن تعريف ظاهرة –
المؤتمرات القومية العربية –
بمضامينها الفكرية وتوجهاتها
السياسية المعلنة الا كوليد شرعي
أنجبه رحم النظام القومي العربي
الرسمي الذي أقامته الانقلابات
العسكرية من جانب ضباط مغمورين
على الطريقة – البونابرتية -
ورعاه عمليا تمويلا وحماية نظام
البعث في العراق وسورية كحاجة
دعائية مطلوبة مساندة للسياسات
الحاكمة في معارك الساحة
اللبنانية خاصة عندما كانت شعار –
عروبة لبنان – يتصدر التكتيكات
الرائجة اضافة الى القيام بدور
لملمة وتحييد مجموعات من النخبة
الثقافية القومية لابعادها على
الأقل من صفوف المعارضات العربية
الجذرية في وجه حكومات الاستبداد
وبالرغم من الانهيارات التي أصابت
النظام العربي منذ حرب حزيران عام
1967 ومرورا بحرب تشرين عام 1973
وانتهاء حقبة الحرب الباردة
والاحتلال الاسرائيلي لعاصمة
عربية وهي بيروت وفشل جامعة الدول
العربية في الايفاء بميثاقها
والتزاماتها على الأصعدة القومية
والسياسية والاجتماعية
والاقتصادية والعسكرية والثقافية
وفي المقدمة حل القضية الفلسطينية
وسقوط نظام البعث في العراق نقول
بالرغم من ذلك مازال هناك من
يعاند ويغض الطرف عن الوقائع
الصارخة ويقف في وجه حركة التاريخ
وينظر لمصلحة أنظمة استبدادية
فاسدة لم تعد قائمة أو في طريق
الزوال .
اشارات ملفتة أثارت انتباه
المراقبين ومنها تكاثر المشاركين
من الجنرالات المتقاعدين – وجلهم
من رموز الهزائم العسكرية – حتى
اختير أحدهم أمينا عاما جديدا "
للمؤتمر القومي العربي " فهل نحن
أمام عملية عسكرة لهذه المنظومة
تمهيدا للحاق بعسكر الزرقاوي أم
ماذا ؟ كذلك مشاركة بعض المدعين
بالدفاع عن حقوق الانسان وحق
الشعوب والديموقراطية أمثال
السيدين عزمي بشارة وهيثم المناع
! والسؤال هو من أين لهم هذه
القدرة الخارقة في التوفيق بين
المتناقضات والكيل بمكاييل ؟
|