|
ذاكرة الغريب (2)
محمود ماضي
- فلسطين
**
[..إلى عبد
الفتاح شحادة]
الطفلُ الذي يجلسُ في آخر مقعدٍ
في الفصل.
كان يشترى عصفوراً كلّ يومٍ.
ويطلقُه في الهواء.
بعد سنوات.. أصبحَ الطفلُ -الذي
يطلقُ سراح العصافير- شاعراً..
لكنّه الآن لا يجد عصفوراً واحداً
ليكتب له قصيدته المؤجّلة!
10-2-2006
**
أنتَ
صفَّقتَ بيديكَ فاهتزَّ بدنُ
الليلِ. وانطوت أسرارُ الرقصِ
-جميعها- تحتَ جلدكَ المزهوِّ
بالذكرى. صافحتَ فجراً يميلُ إلى
الثبات، كي لا يغادركَ الجسدُ
الخيالُ. نَشْوانُ جسدُكَ
المرميُّ والمنسابُ مع الموسيقى
التي لا تُسْمع!
أنتَ
كما الغريق يطفو على لوح ثلجٍ..
ويقتله انتظار ذوبان مركبه
المائيّ. تغادرُ ليلكَ إلى ليلٍ
مختلفة تفاصيله، بإصبعك تخلخلُ
الضجيجَ الذي يعلو كلما الموت
منكَ يقترب. تنتشي يا أيها
الغريبُ من المطر الذي يغسلُ جسدك
ومن الدمع الذي يغسلُ روحكَ.
تغادرُ هذا الضجيج إلى المراعي
هارباً من كوكبكَ الذي يضيقُ
أكثر، وينتشرُ الأسمنتُ فيه
كالهواءِ، تغادره إلى حيثُ الحبّ
المشاع. إلى فضاءٍ يسيلُ من سقفِه
عطرُ حبيبتك الأنيقة.
14-3-2006
**
المسافةُ تقتلُ
تنتحبُ الأرواحُ الجالسة في برزخٍ
خفيٍّ
الله وحده يعلم سرّ الرقص. وسرّ
التوحد.
**
عندما عرضَ عليّ "صديقي العزيز"
استشارةً حول رغبةً تلحّ عليه
بقوّة، في أن يسافرَ إلى المغرب،
ويتزوَّج هناك من فتاةٍ أحبَّها
كثيراً، شرطَ أن يستقرَّ في
المغرب.. لا أن يحملَ زوجته
المرتقبة إلى خان يونس في فلسطين.
أذكر يومها أننا كنا بالقرب من
"قلعة برقوق" المملوكيّة.. وهي
ليست قلعةً كما سيتخيّل البعض، هي
عبارة عن سورٍ صغير نسبيّاً يذكّر
سكان المدينة بأن مدينتهم قديمة
إلى حدٍّ ما، وأنّ أصل بنائها
عائد إلى فكرة تأسيس "فندق"
للتجار المسافرين بين مصر مركز
الدولة المملوكيّة، وبلاد الشام
أو تركيا.
هذا الصديق الذي عرضَ علي
الاستشارة، لم أعرف ماذا أقول
له..!
لكن القلعة لم تعد مكاناً آمناً
للتجّار، ولم تعد مكاناً
رومانسياً لملاحقةِ الظلال
المنعكسة من فتياتٍ رشيقاتْ.
القلعة كذلك لن تقاومَ طويلاً،
وستسقط..
لم أعرف ماذا أقول له..!
**
هل تصاب الأحاسيس بالبلل؟
سؤال أرقني كثيراً، كيف تكون
رطبة، وكيف تكون جافة.
وهل يبللها الماء، أم زيتٌ خاص؟
أهلوس أنا الآن.. لكنني أريد أن
أعرف هل تصاب الأحاسيس بالبلل؟
**
المشكلة ليست في العمل الغبي،
لكن المشكلة دائما في القرار الذي
يسبق العمل الغبي
الخطوة السابقة
**
أحدهم..
يرسلُ رسالةً أنيقةً جداً..
زوجته
التي تعيش لحظاتها الأولى داخل
القبر، ستعود إلى الحياة لتقول
للتي استقبلت الرسالة:
هذا الرجل كالمنفى!
**
المعاول تتهالك أمام القبر يا
صديقي..!
كنت أرجو السماء أن تتأرجح فوق
الماءِ.. لكنّ صديقةً "تحترفُ
الغياب" قالت لي شيئاً غريباً،
جعلني أمسك بالمعول وأقتربُ من
قبري لأخرجَ جثتي من دهليزها
السريّ..
قالت:
حينَ كنتُ أصلي كنتُ بعيدةً عني..
حينَ تركتُ الصلاةَ أحببتُ الله
أكثر.. وارتديتُ الحجاب.
21-4-2006
**
الصحراء،
تلكَ السيدةُ الشاحبة..
تلكَ الأمُّ العطْشى لأبنائها
المنفيّون.
أرى الصّحراءَ في عيونِ العرب،
كبئرٍ تنخرُ جبينَ الواحد فيهم.
مرّة –استثنائيَّة- رأيتُ
الصّحراءَ كنقطَةٍ ثقيلَةٍ
ومركزيَّةٍ في جبينِ السيّدة
الفرنسيّة التي جاءت لزيارةِ
المخيم.
حينها فقط، عرفتُ أنّ صحراء
الرمال الغائرة في تراث العرب،
تقابلها صحراء ثلجٍ أبيض جاءَ
منها الفرنسيون..!
22-4-2006
**
تتضارب الأرقام، بعضهم يقول أنّ
تعداد سكان مدينتي 300 ألف نسمة،
والبعض الآخر يقول أن العدد
الدقيق هو 350 ألف نسمة. البعض
يقول أن العدد نصف ربع مليون
نسمة..
منذ خمسة أعوام وأنا أفكِّرُ في
الذهاب لمقر البلدية، أو إلى مكتب
الإحصاء لأسأل عن تعداد سكان
مدينتي.
لكنني، ومنذ تلك السنوات الخمس لم
أذهب، وأنا أعرف جيداً أنني لن
أذهب.. حتى لو كان عدد سكان خان
يونس نصف التوقعات، وكان الرقم
100 ألف نسمة، فهذا عدد كبير،
وكبير جداً.
27-04-2006
Mahmod_madi@hotmail.com
|