Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

قحط الساسة وبؤس السياسة

بلسم كامل
1
إن المهدي المنتظر, الذي ينساه البعض عن جهل بأمور الغيب, قد يأتي قريباً إلى سورية في عهد قحط الساسة وبؤس السياسة.
تحت تأثير السيطرة الطويلة للعسكريين العرب على مقاليد الحكم في سورية, ضعف هامش الاجتهاد الوطني الحر, و ساد نمط النخبة السياسية والإدارية السلطوية (الموالية) , والمثقف التابع الموظف. وانحسر التنافس بين النخب العربية, لفترة طويلة, على الصراع على المراكز العسكرية, بغية السطو على السلطة في البلاد.
ومن أجل استلام الحكم والبقاء فيه, لجأت جميع النخب العربية التي تتالت في ممارسة السلطة إلى إقصاء منافسيها من العسكر وأتباعهم من الإداريين والمثقفين.
وبعد أن استقر الحكم للطاقم العسكري الحالي, بعد نجاحه في إقصاء منافسيه بالقوة, شعر المتنفذون, بعدم حاجتهم إلى إعادة إنتاج كوادر سياسية وإدارية واقتصادية, إلا بالقدر الذي يسمح به ديمومة الاستمرار في الحكم. وبقيت النخبة السلطوية القائدة شبه متجانسة منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
واتبعت هذه السياسة بطرق شتى, منها سيطرة النهج النظري السلطوي على البرامج التعليمية, وتوظيف خريجي المؤسسات التعليمية في إدارات الدولة وغالباً برواتب متدنية. واستطراداً, يلاحظ المختصون بأن هذه السياسة التوظيفية التي كانت تهدف إلى تمويه البطالة من جهة, ومن جهة أخرى ربط مصير أصحاب الشهادات بمصير الحكام, لم تعط نفس النتائج التي كانت تتوقعها القيادات.
إذ كانت الحكومة السورية توزع ما يعادل راتباً واحداً على عدة موظفين, وبالتالي كان يتحول قسم من هؤلاء إلى متذمرين منهكين, والقسم الأكبر منهم إلى إداريين فاسدين, بينما كانت الفئة الأكثر فساداً منهم تتحول إلى شبكات من الوجهاء السياسيين المقربين من القيادات. وبهذا الشكل بقيت المراكز القيادية حكراً على الطاقم العسكري المتنفذ وأتباعه من الإداريين والسياسيين الموظفين لديه.
بفعل المدة الزمنية الطويلة التي استطاعت فيها السلطة الحالية إقصاء المعارضين, فقدت وحدتها وتماسكها الكوادر السياسية والعسكرية التي كانت قد خسرت في الصراع السلطوي. و في الواقع, أصبح أغلب الكوادر, ذوي الخبرة, إما في المقابر أو المهاجر, أو في السجون. وما تبقى ممن يغنون على أطلال هذه القيادات ( أحزاب) لا يتمتعون با لقوة الكافية لا في أجهزة الدولة ولا في الأوساط الجماهيرية, ولم يعد لديهم من ذوي الكفاءات الإدارية والسياسية ما يؤهلهم لتحمل مسؤوليات إدارة البلد, عدا أن أغلب المعارضين من العرب السوريين قد فقدوا مصداقيتهم عبر ممارساتهم التاريخية, وفشل مرجعياتهم النظرية.
وهكذا فلن يصدق أحد لا البعثيين ولا الناصريين ولا الشيوعيين ولا القوميين السوريين ولا الاسلامويين بأنهم قادرون على تبني مشروع وطني سوري, يسمح بالمشاركة الشعبية المتكافئة لجميع السوريين في تقرير مصير بلادهم.
والملاحظ هو أن التيار الديني (العروبي السني) هو الذي حافظ على قدر كبير نسبياً من الرصيد الجماهيري. وهذا الرصيد لا يعود لا إلى صحة أطروحاته النظرية ولا إلى تاريخه السياسي, وإنما لانتشار مراكز الدعوة له(الجوامع), في حين لم تتمتع التيارات الأخرى من خارج السلطة بمثل هذه المزية .
ويدرك المبتدئ في السياسة بأنه, في بلد متعدد الأديان والقوميات لا يمكن ممارسة السلطة بدون استعمال العنف والاضطهاد من قبل حزب ديني أو قومي. فعليه لا يعتبر وطنياً أي مشروع سياسي يتخذ من النظريات القومية والدينية مرجعية لنظام الحكم في سورية. فسورية هي وطن لكل أبنائها بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية و المناطقية و الطبقية والعقائدية.
بقي أن نذكر بأنه بحكم السياسات العنصرية التي تمت ممارستها ضد الشعب الكردي, استطاعت النخب الكردية, برغم تسمياتها المختلفة, الحفاظ على الحد الأدنى من التأييد الجماهيري, بل لا يضاهيها في الشعبية أيّة قوة عربية في الأقاليم الكردية. ولكن بفعل سيادة الأيديولوجيات العروبية المتطرفة لازالت هذه النخبة مبعدة عن المراكز القيادية في الحكم و الإدارة.
و لا تطالب النخب السياسية الكردية إلا برفع الاضطهاد عن كاهل الشعب الكردي, والتضامن مع بقية السوريين في المطالبة بإيجاد حكم ديمقراطي في البلاد.
فمن أين وممن سيأتي وحي التنمية السياسية والاقتصادية, ومن سيكون فارسها, جاسم علوان الذي حاول بالسلاح إعادة ضم سورية إلى مصر , وحسن عبد العظيم وفارسه المرتقب عبد الحميد السرّاج, المبدع في فنون الاعتقالات والتعذيب, لكي يعودوا بنا إلى عهد (إلحاق سورية بمصر) ونظام المباحث وحل الأحزاب, والملاحقات.

2
هل سيجد السورييون سبيل تطورهم المنشود وتقدمهم الأمثل على هدي كتابات المنظر البعثي محمد طلب هلال, والمؤرخ التحريفي سهيل زكار, والضابط الأمني منذر الموصلي وسيده الأسبق أمين الحافظ.؟.
أم أن طريق النجدة مرسوم على الصليب المعكوف الذي يرفعه القوميون السورييون الذين لايعترفون بحدود الدولة السورية, أم أن مرجعياتهم النازية (على ذمة البعثيين), هي السبيل الى الانقاذ.؟.
أم أنه يمكن المراهنة على الشيوعيين العرب السوريين المتنافسين على الولاء للعروبيين, المناضلين ربما من أجل اعادة احياء الكتلة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي, كي ينقذ "تجربة التحول الاشتراكي في سورية".؟.
أم أن المنقذ هو السيد المراقب العام للاخوان علي صدر الدين البيانوني ,الذي يتحاور ويتعاون مع الجميع من أجل الوصول الى مبتغاه في استلام السلطة, واشادة نظام سياسي بدستور تحكمه الشريعة الاسلامية ( حسب التفسير الاخواني للمذاهب السنية), على أن يكون فقط وفقط الدستور اسلامياً, والباقي يمكن التفاهم عليه.
لكن الأهم من كل شيئ وقبل كل شيئ, على ما يبدو, هو فقط اجراء انتخابات حرة. فيا أيها الذين آمنوا والذين كفروا ادعوا الى الانتخابات الحرة, قبل كل شيئ, كي يستطيع الاخوان وأشباههم أن يشيّدوا نظاماً محكوماً دستورياً بالشريعة الاسلامية. وما على الأ كراد والشراكس والأرمن والسريان والكلدو-آشوريين والتركمان الاّ الخضوع لما تقررعنهم الأغلبية العربية العروبية الاسلاموية.
وما على المسيحيين واليهود الاّ بدفع الجزية في ظل الدستور الاسلاموي. وما على اليزيديين الاّ بهجرة البلاد أو اعتناق الاسلام, والاّ فحكم الكافر معروف. وما على الدروز والعلويين والمرشديين والاسماعيليين الاّ باتباع التقية, والاّ فحكم ابن تيمية معروف. وما على المسلمين السنة الاّ بالانضمام الى الاخوان, لأن معارضة قيادة هذا التنظيم(اولي الأمر) قد يخلق الفتنة, ويضعف الأمة.
وعلى العلمانيين والملحدين والليبراليين السوريين, من النساء والرجال, البحث عن حلول عملية, والاّ فالسيد القرضاوي المصري لن يكون راضياً عنهم, وخاصة قد سبق لهذا الأخير وأن حسم الأمر وصادق على مشروع الاخوان "لسورية المستقبل".
أمّا عن القضايا الاقتصادية التي تواجه البلاد, فهي أقل أهمية الآن بالنسبة للحكومة المشغولة بمؤتمر حزبها. وكذلك الأمرعلى مايبدوعند اللاهثين وراء الاستيلاء على السلطة. ولينخر الفقر عظم المواطن الشريف, وكفاه دعاءً على ما ابتلي به من قادة.
اليوم, لازال السلاح في يد السلطة, لكن لم تعد السلطة حرة طليقة في استخدام هذا السلاح الذي أمّن لها استقراراً طويلاً. وهناك بعض الاشارات التي تدل على عدم قدرة دعاة الاصلاح من داخل النظام على ايجاد الصيغة الأنسب في اجراء بعض الاصلاحات على طريق الديموقراطية " حسب المعايير المتعارف عليها في الغرب" .
و على ما يبدو أن أغلبية المتنفذين في معسكر السلطة تتردد في الاقدام على مثل هذه الاجراءات التي تهدد مواقعها بشكل مباشر, فضلاً عن التخوف من الوقوع في حالة الفوضى ومخاطر الانتقامات. وتسارع التطورات المحلية والاقليمية والدولية لاتسهل مهمة أنصار الاصلاحات والتحولات التدريجية.
فما هو النظام السياسي الأمثل للحالة السورية؟ وماهي الوسائل الاجرائية التي تضمن اشادة مثل هذا النظام؟ وبأية ضمانات؟ وهل يحتاج السورييون فعلاً الى وصي أو راع ليختار لهم النظام السياسي لبلادهم؟
وتجاه خطورة الموقف الوطني, نلاحظ أن الاجتهادات النظرية والبرنامجية لم ترتق بعد الى مستوى ضرورات المرحلة. فكل البرامج المطروحة والمعلنة من قبل القوى الفاعلة في البلاد لاتبحث في ايجاد نظام سياسي جديد يسمح لكل السوريين, بكل انتماءاتهم, أن يشعروا بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات تجاه هذا الوطن. هذا هو عهد قحط الساسة وبؤس السياسة في سورية, والأسباب معروفة لدى اولي الألباب.







 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE