|
الحركة
الكوردية في سوريا :
الضياع بين القومية الكوردية و
الوطنية السورية
زيبار عمر
بلجيكا
ثمة شبه إجماع في الشارع الكوردي
مفاده , ان الحركة السياسية
الكوردية في سوريا تمر, منذ
تاسيسها في 1957, بازمة حقيقية.
فالانشقاقات المتتالية في صفوفها
, و التناقضات التي تميز مواقفها
, و الفجوة التي تفصل بين
شعاراتها و طموحات الشعب الكوردي
, خير دليل على ذلك. حيث كتب و
قيل في هذه الأزمة الكثير من
الاقاويل و التفسيرات , و اختلفت
الاراء حول طبيعتها و اسبابها , و
مع هذا فإن معظم المتابعين للشأن
الكوردي في سوريا وصفوها بأزمة
الشخصيات والتكتلات داخل احزاب
الحركة الكوردية, حتى ذهب البعض
الى استخدام مصطلح القبلية
السياسية لوصف حالة التشرذم التي
تعيشها الحركة الكوردية . و اذا
اعتمدنا على المواقف المتناقضة
التي اتخذتها الحركة الكوردية في
مختلف المناسبات , و التفاوت في
وجهات النظر بين قيادتها من جهة و
قواعدها في الداخل و منظماتها في
الخارج من جهة الاخرى , سوف نجد
ان الازمة التي تمر بها الحركة
الكوردية, في حقيقتها , اعمق من
ان تكون ازمة قيادات.
في اعتقادي هذه الازمة في جوهرها
هي ازمة ضياع الحركة الكوردية بين
هويتين, ما بين الهوية القومية
الكوردية و الهوية الوطنية
السورية . و لعل من الضروري هنا ,
استخدام مصطلح طبي في علم النفس
لوصف هذه الازمة و هو مرض "
الانفصام " , و اهم اعراضه
التناقض بين المواقف و الاراء , و
التردد في اتخاذ القرارات و الفشل
في التواصل مع العالم الحقيقي و
عدم المقدرة على وضع مقياس موزون
بين الطموحات من جهة, و معطيات و
امكانيات العالم المادي من جهة
أخرى.
في سياق النص , سوف نجد ان اعراض
هذا المرض مطابق, الى حد كبير ,
لحالة الحركة الكوردية. هذا
الانفصام السياسي لم يكن حديث
العهد , و إنما يمتد جذوره الى
السنوات الاولى من تاسيس الحزب
الديمقراطي الكوردي في سوريا,
الحزب الام لمعظم الاحزاب
الكوردية في سوريا, وخاصة أثناء
النقاشات التي تمت في المعتقل بين
مجموعتين من قيادة الحزب. جوهر
الخلاف كان يتمثل في كيفية تعريف
القضية الكوردية و وجود الكورد في
سوريا , اثناء المرافعة امام
المحكمة , أي : هل هي قضية مواطنة
أم قضية قومية بإمتياز ؟ , و
بالرغم الجدل و النقاش لم يتوصل
الطرفان الى اتفاق و لم يستطيعا
وضع النقاط على الحروف في مسائل
حيوية تمس جوهر القضية الكوردية
في سوريا . و على العكس من ذلك
فقد تطور الخلاف بينهما الى حد
القطيعة و تحول الخلاف , من خلاف
ايديولوجي , الى خلافات شخصية ,
الأمر الذي أدى الى ظهور
الإنشقاقات و حالة التشرزم في
الحركة الكوردية , مما أدى الى
فقدان الآمل لدى الشارع الكوردي
في حركته السياسية , و تحول
انظاره الى الاجزاء الاخرى من
كوردستان.
اما على مستوى العمل السياسي ,
فقد تمحورت جهود الاحزاب الكوردية
على المنافسة فيما بينها و خلق
الحزازات فيما بينها , و بدلاً من
طرح القضية الكوردية تحت شعار
مطلبي موحد , عملت على العكس على
طرح القضية الكوردية تحت شعارات
متعددة , مختلفة فيما بينها ,
بالشكل و المضمون . بيد أن حالة
الانفصام التي بدات في المرحلة
الاولى من تاسيس الحركة الكوردية
, سرعان ما , ظهر من جديد و بشكل
قوي على الساحة الكوردية , عقب
انتفاضة الثاني عشر من اذار في
2004, عندما اكد الشارع الكوردي
في سوريا بشدة على جوهر قضيته من
منطلق كونه قضية أرض و شعب , في
الدرجة الأولى , قبل أن تكون قضية
وطنية سورية . و خير دليل نستدل
به على هذا التوجه , هي الشعارات
القومية التي رفعت و رددت في
أثناء الإنتفاضة مثل " عاشت كورد
و كوردستان " , فضلا عن رفع اعلام
كوردستان و صور رموز الامة
الكوردية.
وبالرغم من الموقف الواضح من قبل
الشارع الكوردي, اختارت الحركة
الكوردية , استراتيجية مغايرة و
انتهجت سياسة أخرى تتمثل في البحث
عن سبل تحقيق المساواة في
المواطنة , بدلاً عن البحث , عن
الوطن. في هذا الاطار, حاولت
الحركة الكوردية التقرب من
المعارضة السياسية السورية و نمت
لديها رغبة شديدة , في أن تصبح
جزءا اساسيا من المعارضة العامة ,
و ذو مكانة حقيقية على ساحة العمل
السياسي في سوريا. و في هذا
السياق , وقعت احزاب الحركة
الكوردية على الكثير من البيانات
مع اطراف المعارضة التي قبلت
القضية الكوردية على أساس حق
الكورد في المساواة . هذه
الاستراتيجية لم تحسن من وضع
الحركة الكوردية, وإنما عمقت
ازمته من خلال نظر الكثيرين من
اطراف المعارضة اليها بعين الشك و
اتهموها بالتعصب القومي و رفضوا
بشكل القاطع التسميات من قبيل "
كوردستان سورية " و"انتفاضة 12
اذار ".
انطلاقا من هذه المعطيات التي
ذكرناها سابقا استطيع القول ان
مرض الانفصام اصبح سببا اساسيا و
عائقا حيويا امام تطور الحركة
الكوردية على الصعيدين, الكوردي و
السوري. و لم تستطع ان تصبح حركة
كوردية حقيقية ذات برنامج سياسي
واضح الملامح و نابعة من طموحات
الشعب الكوردي في سوريا . التحدي
الحقيقي للحركة الكوردية في سوريا
هو ليس الاختيار بين الهويتين, و
انما طرح مشروع وطني متكامل , يتم
فيه إزالة جميع التناقضات بين
البعد القومي للمسألة الكوردية
ودورها الوطني في سوريا . هنا
تستطيع الحركة الكوردية الاستفادة
من تجارب الاحزاب الكوردستانية في
الاجزاء الاخرى من كوردستان لا
سيما في العراق و ايران , عندما
رفعت الحركة الكوردية, هناك ,
شعار, الحكم الذاتي لكوردستان و
الديمقراطية للبلاد , و استطاعت
ان تجد نوعا من الربط بين مفهومي
: القومية و الوطنية , الأمر الذي
جعل من الحركة الكوردية , حركة
تحرر قومي , و في نفس الوقت ,
حركة وطنية ديمقراطية . لهذا على
الحركة الكوردية أن تدرك أن وضعها
الحالي غير مقبول و الظروف
السائدة في البلاد و المنطقة
مساعدة لتخليص نفسها من هذه
المعضلة من خلال ايجاد تسوية
توافقية بين القومية الكوردية و
الوطنية السورية.
زيبار عمر
بلجيكا
|