|
أعياد النوروز في
الشرق الأوسط (4-1)
النوروز في دمشق
سيامند
إبراهيم
النيروز هو العيد الأسمى الذي
تربع على أثير قلبي من بين
الأعياد قاطبة, هو العيد الذي يهب
على عيد شغاف قلبي, يسرح في نوافذ
الحب, يرقص رقص السماح, يترنم مع
الشادي الكردي, لا بل هو تاج
الربيع في أحلى طلله, هو ذالك
الشهر الذي يسحر قلوب الظامئين
لقطرات الحب السرمدي, الحب الذي
يذوب مع نسمات آذار الكردي الحر,
آذار الذي يرمي خلفه اكفهرار
الشتاء المقيت, يهلل فرحاً مع
البلابل يشدو بأجمل سيمفونيات
السحر الأخاذ, حيث ينزل كاوا
الحداد فرحاً بالتخلص من الضحاك
الذي أذاق الشعوب الإيرانية مرارة
الظلم, والاضطهاد, ذاك هو النوروز
الكردي الذي يلبس أجمل فساتين
الدنيا يزركش روحه وفؤاده بالأحمر
والأصفر و الأخضر, تلك الألوان
الربانية التي أسبغها الله على كل
شيء حتى في جنة الخلود.
وقد قال الشاعر الفارسي عمر
الخيام عن النوروز:
ولما بدا نوروز والأنس طل...
وورد النوروز في شعر الجز يري
عندما قال:
newroz u sersala dile gava
hilbit ew sirac
وقد عرف عيد النوروز عند العرب,
وقد عبر عنه الشاعر الكبير
البحتري حيث قال:
وقد نبه النوروز في غسق الدجى
أوائل وردكن بلأ مس نوما
وقد ربط الباحث الكردي (عبد
الباسط سيدا) بين سقوط (نينوى)
الآشورية, وعيد النيروز عندما
انتصر عليهم الميدين والبابليين
بقيادة الملك الميدي (كيخسرو)
وحرق نينوى, إلا أنني أظن أن
تاريخ النوروز أبعد تاريخياً من
612 قبل الميلاد.
عندما نجحت الثورة الإسلامية في
إيران وجاء دور البحث في موضوع
الأعياد, أمر الإمام الخميني بمنع
جميع الأعياد وحافظ على الأعياد
الشيعية الخاصة بهم ووقف ملياً
عندما طلبوا منه منع عيد النوروز
ففكر ملياً ورفض طلبهم, وقال إن
عيد النوروز هو من أعياد الشعوب
الإيرانية ولن أمنعه, واستند على
قاعدة فقهية, ألا وهي عرف وعادات
المجتمع الجيدة منها لا تلغى بأي
شكل من الأشكال, وأصبح الاحتفال
بعيد النوروز يمتد إلى ثلاثة
أيام, ويروى أنه كان في قديم
الزمان وحتى مائة سنة خلت يحتفل
به لمدة سبعة أيام.
جميع الشعوب الأرية تحتفل بمهابة
واعتزاز كبير بهذا العيد الربيعي
حيث كانوا يلبسون الأبيض, ويشربون
الحليب, ويأكلون البيض, ويخرجون
للطبيعة الجميلة حيث يغنون
ويمرحون ويحتفلون به طوال اليوم.
لكن العيد منذ الخمسينات أي في
فترة استلام مقاليد الحكم في
سورية الناصريين ثم البعث, كان
وأصبح للنيروز شكل آخر ومسار آخر
في حياة الشعب الكردي في سورية,
ففي ليلة النوروز كانت
الاستعدادات على قدم وساق, حيث
كان الشباب يتأهبون بحماسة بالغة,
للقيام بواجب هذا الضيف الأذاري
الرائع, لنيروز حي الأكراد طعم
آخر من الروعى ولشكل آخر من
الاستعدادات, كانت ثلة خاصة من
الشباب تقوم بالتحضير لدعوة أنظف
ناس وأكثرهم تحمساً لقضيتهم
الكردية, وكانت مجموعة أخرى تقوم
بشراء الشموع والكاتو والشراب من
الأسواق وتحضر إلى البيت المقرر
في الاحتفال, البيت يجب أن يكون
بعيداً عن عيون الأمن خوفاً من
الدهم, السرية هي العنوان الأبرز
في كل المسارات, لا أحد يدري في
أي منزل سيكون مكان الاحتفال إلا
قلة منهم, هل كان ينطبق على
الشباب الحديث النبوي الشريف "
واقضوا حوائجكم بالكتمان" العمل
السري هو السمة الميزة والعلامة
الفارقة في حياة الكردي منذ بدأ
الخليقة وحتى يومنا هذا, العيش
بخوف هي إحدى سمات حياتنا
التراجيدية, تتالى قرون الزمان
وتمضي الخليقة في تبديل كل شيء,
إلا الكردي, محظور عليه كل شيء,
القمع, الإقصاء, الظلم هي مفردات
حياته التراجيدية, وتمضي وأذكر
أنه كان شباب حي الأكراد في
الستينات يحتفلون بالنيروز في حي
الصالحية المجاور لحي الأكراد,
وكان ينشد النشيد الكردي "أي
رقيب" وتغنى بعض الأغاني القومية
والعاطفية بصوت منخفض. خوفاً من
أن يكون بعض الجيران من العملاء,
ويخبر السلطة, استمرت إحياء
الاحتفالات بهذا الشكل حتى بداية
الثمانينات حيث أرخت السلطة بعضاً
من الهامش الديمقراطي على ليل
الأكراد المعتم, لكن المراقبة
الأمنية تتصاعد والمصادمات قوية
وأحياناً عنيفة وكانت هدف السلطة
تحجيم وتقزيم الاحتفالات, أجل
إنني لازمت وشاهدت كل الاحتفالات
منذ بداية الثمانينات, وكانت لهذه
الاحتفالات طعماً آخر من البهرجة
والاحتفالات الكرنفالية الأنيقة.
أحد طقوس عيد النوروز هو إشعال
النار في أعالي جبل قاسيون المشرف
على مدينة دمشق, وكان الشباب
المكلفين بنقل الدواليب قبل 21
آذار بعشرة أيام لكي لا تقوم
الدوريات الأمنية بمصادرة
الدواليب ليلة الاحتفال, وما إن
يبدأ سويعات الغروب بالرحيل حتى
يبدأ طقس آخر, يتقد حماسة وتتجه
أنظار الأكراد المقيمين في حي
الأكراد, وجميع ضواحيها إلى جبل
قاسيون حيث ستشتعل نار كاوا ويضيء
سماء دمشق الفيحاء, عشرات من
الإطارات المطاطية تشتعل, نار
النوروز تسبغ رونقاً خاصاً على
مدينة دمشق, يشعر جميع سكان دمشق
بأن غداً هو عيد الربيع, عيد
النوروز, في الحي جميع الشباب
ينتظرون بشوق وتلهف لرؤية لحظات
اشتعال الدواليب, وما إن تبدأ
النيران بالاشتعال حتى تعقد حلقات
الدبكة والرقص الفلكلوري الكردي
في كل مكان..يتبع في حلقات أخرى..
|