|
صبحي درويش
حينما هممت بكتابة هذا المقال كادت بعض الأفكار والخواطر أن
تمنعني من الكتابة لولا أني رأيت أن الواجب يملي على أن أكتب
ويدفعني دفعا قويا لا بل شديدا إلى كتابة هذا المقال إن
الكثيرين من شبابنا من الذين لم يبلوا العيش أطواره ولم يحلبوا
الدهر أشطره ولم يقرأوا إلا في كتب قليلة وفي مواضيع شتى تراهم
يبرزون بأقلامهم ويكتبون وكأن كل واحد منهم قد أصبح فريد دهره
ووحيد عصره وهذا هو البلاء الذي لا شفاء منه.
يعتبر نعوم تشومسكي أن المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة.
والمثقف هو من غادر حقل الاختصاص. وفي الكتاب أن من يكتم
الحقيقة يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون. وسر الديمقراطية
في المعارضة. ولا معارضة بدون فكر مستقل. ولا استقلالية في
التفكير بدون حرية فكر. ولا قيمة لحرية التفكير بدون تعبير.
والتفكير بدون تعبير يشبه الكمبيوتر بدون شاشة. وخياطو الفكر
في مجتمعاتنا اليوم موزعون بين أصناف؛ فمنهم من يرى التفكير
حراماً وخطيراً. ومنهم من يرى أنه لا غبار على (التفكير)
بحدود، أما ) التعبير) فيجب أن يمر من قناة أمنية أو فقهية على
المقاس. وعلى (التعبير) أن ينسجم مع أنغام الجوقة. وعلى المفكر
أو الكاتب أن يقول قولاً لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً..
التنظيم السياسي المستقل خارج إرادة الأنظمة الشمولية يشبه من
يقدم التعازي في حفلة عرس، أو من يدخل نادي القصابين يتشفع في
حياة أرنب، أو سلحفاة تحاول المشي بالعرض في طريق سريع مزدحم
بالسيارات. بكلمة ثانية إن (التنظيم) في وجود (تنظيم) لا يسمح
(بأي تنظيم) يشبه من يذهب إلى مونت كارلو ويطالب بإغلاق نوادي
القمار في دولة تعيش على القمار، أو يذهب إلى الصين ويطالب
بإنزال صور ماوتسي تونغ، أو يذهب إلى حي هارلم في نيويورك
ويحمل لافتة مكتوبا عليها: أكره السود.
أخوف ما تخاف منه الأنظمة الشمولية أن تتشكل في وجهها نواة
معارضة ولو كانت مثقال حبة من خردل، لأن هذا يعني أمرين
خطيرين: إن هناك ما هو خارج تنظيمها، وانه يحمل بذرة فناء
النظام ولو بعد حين. فهذه أبجديات وبديهيات لأي نظام شمولي وصل
إلى السلطة بقوة السلاح وتسلط على رقاب العباد باللاشرعية
ويحافظ على وجوده بالسيف، ويحرس الأوضاع بعيون لا تنام، ويعلم
ما توسوس به نفس كل مواطن. وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب
عتيد.
يمتاز النظام الشمولي بثلاث صفات: (أولا) إن كل الأمة منظمة
ضمن تنظيمه، وفي مجال مرسوم بالنانومتر، ومحصي بدقة تفوق
الانترنت، ضمن ما يرى ويسمع ويشم ويحس ولو كان دبيب نملة أو
طنين نحلة.
ويمتاز (ثانيا) إن كل معارضة وأي معارضة هي خيانة وهرطقة وحرام
وعيب وخارج تقليد البلد وكل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء
الشعب.
ولكن من هم أعداء الشعب؟... إنها كلمة ملغومة يمكن أن تتحول ضد
كل الشعب في أي لحظة.
وسبب هذا الخوف الهائل عند النظام الشمولي إن المعارضة تعني
عمل (العقل) و(الاستقلالية). وإنها نوع من الدعاية الخفية إن
هناك ثغرة في الأوضاع قصر فيها النظام الشمولي. ولكن هذا يمثل
خللا خطيرا بقدسية النظام الشمولي لأنه نظام لا يقترب منه
الخطأ، أو يعتريه النقص، أو يمازجه الهرم، أو يصيبه المرض، ولا
تأخذه سنة ولا نوم، ومتى مرضت الأنظمة الشمولية أو اعتراها
الضعف والنقص أو ارتكبت الخطأ؟
وهذا ينعكس بشكل واضح في رأس النظام الطاغية والرهط المفسدين
من حوله والنخبة التي تمثل الحلقة الثالثة في تركيبة
الديكتاتورية. فالزعيم ملهم ومقدس. كلماته وحي. وشعره خالد.
وخطبه معلقات. وأقواله مأثورات تعلق في لوحات مضاءة لتثقيف
مواطن غبي جاهل. ولذا ارتفعت صوره في كل ساحة. ووضعت تماثيله
في كل ركن. وحفظت أساطيره في الإذاعة والتلفزيون كخزان للطاقة
والاستلهام العبقري. من رحم أمة عقيم، فلم تنجب ولن تنجب سواه
إلى يوم الدين.
ويمتاز (ثالثا) إن أي تنظيم يجب أن يعرف فوراً ويسحق من ساعته،
لأن خلية سرطانية واحدة كافية لتدمير بدن عظيم مكون من 70
مليون مليون خلية. ولذا فمن يفكر بأن يقوم بإنشاء تنظيم تحت
مظلة نظام شمولي يكون واحداً من ثلاثة: إما مغفل مسكين، أو
افاك أثيم، أو عميل للسلطة تظاهر بالتقوى كما فعل القرد الناسك
الذي التهم جبنة القطين المتخاصمين.
إن الأنظمة الشمولية سرطان خبيث والسرطان لا يرحم. ومن ينازعها
الحكم يجب أن تنزع منه الروح. كما كان يقول ماوتسي تونغ عندما
كان يصفي بقايا الكومنتانغ إلى درجة القرابة سبعة، إنها مسألة
حياة وموت.
ولكن المشكلة في الجدل الإنساني إن الحياة أقوى من الموت فهذه
مشكلة لا حل لها عند الطغاة، لأنها تستمد قوتها من الحي الذي
لا يموت، بل ان الموت موظف في خدمة الحياة، فالموت يكنس
الجبارين ويخرج من رحم الأرض نسلا أكثر وعيا.
والجدل الإنساني ثانيا محير فهو يتمرد على كل القيود ويجد متعة
في المغامرة ومن يخوض غمار هذه المقحمة هم الشباب بالدرجة
الأولى والجدل الإنساني ثالثا يشق طريقه مثل الماء فيتصدع
الحجر وان من الحجارة لما يتشقق من خشية الله.
إن النظام الشمولي وبسخرية يخلق بيديه من يقتله وينهي وجوده من
حيث لا يشعر. فالكون مبني بالعدل والحق.
إن الأنظمة الشمولية تسمح بوجود (ديكورات) سياسية في عالم
منفتح على بعض ينتقل فيه الخبر والصورة بسرعة الضوء فمن العيب
أن لا يكون في البلد نظام حزبي تعددي. وإذا كان في أمريكا
حزبان جمهوري وديمقراطي ففي بعض بلدان العالم العربي السبع
المثاني من الأحزاب الديمقراطية العريقة. إنها نكتة كبيرة ولكن
لا يضحك لها أحد.
إن الموت قادم للأنظمة الشمولية حسب القانون الثاني في
الديناميكا الحرارية فالكون يتشيخ والأنظمة تمرض والبناء يتآكل
والعضوية تتفسخ ولن تشذ الديكتاتورية عن هذا القانون. فيكون
لسقوطها دوي عظيم. وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال
والإكرام.
ولكن (المجتمع) ليس جبلاً تعريه عوامل الطبيعة، بل يغير من
خلال العمل الإنساني في ضوء وعي القوانين التي تسخر المجتمعات.
وإذا تركت الأمور لشأنها احتاجت قرونا ولكن التدخل الإنساني
يغيرها في سنوات. والسؤال متى هو، قل عسى أن يكون قريباً.
|