| |
ٍ
بيوار إبراهيم
دهوك ! في رحاب المعرفة و الثقافة و في حضرة أئمة الشعر و
الكتابة ... ، أضفت الزمزم و الكوثر إلى مياه نهر جوارستون و
طهرت الحجلان التي قاست كثيراً من جوع الصيادين الذين يستغلون
قبقبة الحجلان الأسرى لجذب الأحرار منها , لكنك بإقامة مهرجان
للثقافة الكوردية نسفت هذه القاعدة الشاذة و السيئة و أطلقت
العنان للحجلان الأحرار حتى يطيروا في سماء كوردستان و يقبقبوا
بأعلى صوت كي تجذب الحجلان الأسرى نحو أرض الحرية .
دهوك ! القلم أخرس و أصم ... , لكنه أعقل و أنبل سفير للعقل و
هو الرسول الأنبل و الترجمان الأفضل لدمامل القلوب و أنات
الجروح ... و كنت يا زمردة بادينان الأنبل و الأعقل بجمعك
للأقلام العاقلة و النبيلة تحت ظل كوردستان و ظلك و مهرجانك
للثقافة أكبر تحدي للشتات و التنافر بين جغرافيا اللغة
الكوردية و ذلك عبر شعار / الكلمة الكوردية لا تعرف الحدود /
حضرت الأقلام الكوردية من مهاباد و من ديار بكر و ومن أوربا ,
أما قامشلو التي تصلي في محراب أجدادك فقد أغلقوا بوابات
العبور إليك أمامها و بالرغم من ذلك فتحت هذه المدينة العاشقة
للحب و السلام بوابات قلبها لكوردستان و رئيسها و شعبها ...,
كوردستان التي أنجبت الأبطال و شعبها الذي صمد و أبى الركوع
للذل و الاستبداد و رئيسها الذي حارب فانتصر و وعد فأوفى و
أقسم فأعدل .
دهوك ! أفسحي المجال لرياح أيلول حتى يهب بنسيمه على شجرة
أمنياتي و آمالي كي تتعرى من أوراقها أمام وطن ٍ تمنيته فكان و
أرض ٍٍ أملته فأتى .
أفسحي المجال لنسيم أيلول حتى يلعب بخصلات شعري أمام بوابة
كوردستان كي أنثر حروف شعري فوق ذرى تراب ٍ دفن أجداداً و آباء
ليمنح بيوتاً من أمان و سلام للأبناء , كوردستان التي تسكنني و
اسكنها مذ كنت نطفة في ظهر الغيب و تحولت إلى طفلة في رحم
الظلام و عندما ولدت رأيت الجبال أمي و النضال والدي .
دهوك ! أن نسكن الوجع و الجراح ... طبيعي , لكن ! محال أن
تسكننا هي , من الوقت تعلمنا أن الوقت عقدٌ نفيس إذا ضاعت منك
بعض لحظاته انفرطت حبات هذا العقد و ذهبت دون رجعة ... , و من
وجع كوردستان تعلمنا أن التجربة دربٌ وعر و الاستفادة منه شراب
من العلقم ... , لكننا مشينا الدرب الوعر و شربنا العلقم حتى
وصلنا إلى سفوح جبال شيرين و هندرين و بيره مكرون و زرعنا
بأيادٍ دامية شتلات الحرية و أعلام السلام .
دهوك ! ما زال قلبي ينذر شموعاً على شباط هولير , ما زالت
ستائر الهالات السوداء التي اجتمعت حول عيني خسرو بيربال
تخنقني , ما زالت أصابعي تحترق من سخونة لهيب مشاعري التي
حاورت مهدي خوشناو الشهيد الذي سيبقى في ذاكرة لحظاتي اليومية
لأنه ترك لي في ومضة تجربة كاملة داخل جملة : ( يا ابنتي ! نحن
بحاجة ماسة إلى قلوب ساخنة تحب و عقول باردة تفكر و ليس العكس
... ) , حاولت البحث عن طيفه و ملامحه بين جموع الحاضرين إلى
المهرجان لكنني ارتطمت بالسراب ..., أشياء أخرى حضرت منه و هي
أفكاره و آراءه القيمة التي لمحتها بين سطور الأوجاع و
الذكريات , بين الدمعة و الابتسامة التي جمعت كوردستان من زاخو
حتى خانقين على طاولة الأمل و العيش بسلام و أمان على أرض رمت
مواجهة الحماقات خارج المكان و تمسكت بلجام الحق و المساواة
...
دهوك ! انتفضت الأحلام الغافية فوق الكراسي بحضور الرئيس مسعود
البارزاني الذي اختصر الكلام من كل الكلام و أعلن بمانشيتات
عريضة قائلاً : ( اللغة هي الجبهة التي ساعدتنا في حماية
قوميتنا من الضياع ... و اليوم نفتخر بأننا لم نلجأ يوماً طيلة
سنوات نضالنا الذي خضناه للمطالبة بحقوقنا المشروعة إلى العنف
و الإرهاب .. ) بارتفاع صوت الرئيس بالحق ارتفعت الأقلام الحرة
عالياً و انتصبت بنادق البيشمركة فوق الأكتاف لكن ! هذه المرة
أخرجت الرصاص من رحمها و وضعت الورود في فوهاتها ... إجلالاً و
تحية للبيشمركة الأول و الرئيس البطل الذي لم يخذل نهج والده
البارزاني الخالد و لم يطعن في آمال شعبه الكوردي ... بل خطا
بثقة و جرأة مسيرة النضال , يرتل مع الأرض و الجبال نشيد
انتصار الأمل و الصمود و الإرادة على اليأس و الهزائم و
الانكسارات .
دهوك ! منذ أن تجزأ جسد كوردستان بسيوف و خناجر / جالديران / و
عيونها تبكي دماً ... , لم تكن مسألة اكتشافنا / نحن الكورد /
ضرورة استراتيجية للآخرين / الفرس و العرب و الترك / , الرنين
الجبار خرج من المشاهد المتلاطمة على حافات التلذذ بأشلاء وطن
أنسحق تحت جبروت الطغيان , وطن أراد لنفسه السلام على أرضه و
الأمان تحت سماءه و الحرية في بوحه و فكره و استقلاليته ,
لكنهم عبروا جسور المتن و الهوامش معاً و قطعوا هذا الوطن إلى
أشلاء مبعثرة تحت مخالب الظلم ..., و بعد رحلة شاقة لعقود
طويلة من النضال المستمر اخضرت حقول الشقاء و ازدهرت بسنابل
الحرية و تفجرت ينابيع العطاء من جبال الصبر الذي حمله
المناضلين فوق أكتافهم الأبية .
دهوك ! جمعت أوراق أيلول في سلال الخريف و فرشت الدرب أمام
الخطا حيث عبرت أول خطوة لجمع أشلاء الوطن الممزق عبر توحيد
اللغة و الثقافة و فتح الدروب و الآفاق أمام مشاريع تهدمت منذ
زمن و كم نرغب في بنائها من جديد , و المشروع الأهم الذي أنهدم
كان مشروع توحيد اللغة الذي بدأه الأمير جلادت بدرخان بمشاركة
و مساندة العلامة توفيق وهبي , و إذا تجدد مثل هذا المشروع
المهم و لبس روح التجدد المواكب لعصرنا سوف تلغى الحدود
الجغرافية بين الشعب الكوردي عبر توحيد اللغة و هذه الرغبة لن
تتحقق إلا إذا تعاونت المؤسسات الثقافية الرسمية في إقليم
كوردستان مثل المجمع اللغوي الكوردي و اتحاد الأدباء الكورد
بفروعها الثلاثة / دهوك و هولير و السليمانية / و في المهجر
مركز PEN الكوردي الذي انتعش من وهنه و وسنه بفضل الجهود
المضنية التي ابذلها د.زردشت حاجو بالتعاون مع خيرة الأدباء
الكورد بالمهجر في سبيل إنشاء هيئة رسمية دولية ترفع من شأن
اللغة الكوردية بين لغات العالم .
دهوك ! كم مرة أثبتنا أن الشام حلوة مثل السكر , لكن! الوطن
أحلى من طعم العسل , كم مرة مزقنا كتب التاريخ لأنها زيفت
التاريخ و كتبنا تاريخنا الحقيقي بدمنا و دموعنا و جوع أطفالنا
...
دعيني أقطف لك دمعة ثائرة لشجرة الغضب من دفتر الانتفاضة ,
دمعة هربت من عيني الطفلة
/ حلو / و تدحرجت حتى وصلت إلى نهر دم أمها كي تسرق قطعة خبز
محلى بالسكر لكن ! الدمعة ضاعت مع الخبز في نهر دم الأم , ابنك
البيشمركة الشاعر حسن سليفاني وضع البندقية جانباً و استند إلى
حضن الجبل و اسرد لنا قصة / حلو / , لكنه لم يكتفي اعتصم قلمه
بالبكاء فكتب :
الصبي
الذي يوصل الماء الآن
إلى البيشمركة
يتمنى ألا يقذفه لغم
إلى السماء
كما حدث لمن كان قبله .
لا بد أن هذا الطفل كبر الآن و يوصل الماء إلى ضيوف مهرجان
الثقافة و يتمنى أن يقذفه أحدٌ ما إلى سماء الأمنيات التي
تتحقق , كي يصبح مخرجاً أو شاعراً أو كاتباً أو حتى موظف
استعلامات في فندق جيان أو شيراتون هولير .
دهوك ! لن تهرب سنابل القمح التي بلون الذهب من حقول كوردستان
عبر الوديان و الحدود مرة أخرى , لأن الحرية أفرغت أكياس الرمل
التي كانت تخبأ الحرب وراءها و في خنادقها .., سيأتي التاريخ
إليك زاحفاً من المستقبل كي يكنس ما تبقى من الغبار الأحمق من
شوارع الضمير و مكاتب العقول و غرف القلوب , مع دم أيلول
الصافي تتفتح براعم ربيع النفوس , رنين الخريف يطرق بوابات
مشاعرنا كي نستريح قليلاً على شاطىء الأمان و السلام و لو
لبرهة من الزمن , نفتح أيدينا أمام بوابة السماء للدعاء و
الابتهال كي يمدنا الله قوة الإرادة في رفع القلم الحر عالياً
لأن القلم أحد اللسانين خطه يقرأ في كل مكان و زمان و يتكلم
بكل لسان و من أرفع درجات سمو كلام القلم نقاء الضمير , ملتقى
الأقلام الحرة لا تنتهي عند حدود اللقاء بل يدوم مع دوام
اللقاء .., لننشد معاً مع الشاعر ( بول ايلوار ) مقطوعته
الرائعة التي تحيي قمم سماء كل وطن في ملتقاها :
عندما تلتقي قمم سمائنا
سوف يكون لبيتي سقف .
بيوار إبراهيم
قامشلو 28/09/2005
|
|