
حسين
حبش شاعر سوري مقيم في بون ـ ألمانية ولد عام 1970 في قرية كردية اسمها
شيخ الحديد التابعة لمنطقة عفرين.
أصدر
عمله الشعري الأول "غرق في الورد" 02، وفيه يهدي كلماته ورداً لعابري
السبيل، ثم "هاربون عبر نهر إفروس" 04، حيث القصائد المهمومة والمثقلة
بألم الإنسان الذي أضاع زمن طفولته وأحلامه. في هذا اللقاء يفتح حسين
حبش أزرار قميص تجربته، وكانت هذه الدردشة:
ـ
ماذا يعني كونك شاعراً؟
كوني
شاعراً يعني أن أنثر جمرة قلبي فوق قباب الخيال الشاهقة التي تتلذذ
بخلق العوالم الباهرة من المستحيل والخارق والفريد. أن أحفر في جسد
الكلمات لأغوص إلى هاويتي وحدي، أستدرج إليها جوهر المحال.. وبالتالي
أن أصنع محال قصائدي. أن أحكم على نفسي وكتاباتي بالتيه في البراري
المتوحشة التي لم يطأها قدما أحد وأن أتوائم فيها مع شهوة الضوء
والحرية والمغامرة والغليان. أن أهوى المناطق الخطرة والوعرة واللجج
العليا وأن أصنع شرخاً موالياً للجنون والجنوح والجموح والحمحمة.
أن
أخلق ملحمة بحجم الحب والأمل والكبرياء، كحب وأمل وكبرياء كُردستان،
وطني.
ـ
ماالذي يدعوك الى
بناء نص جديد؟
هو
هذا اللهب والإحتراق الداخلي، لأكون مخلصاً لمكنوناتي العميقة
والمضطرمة والمضطربة دائماً وأبداً، وكذلك تلك الرغبة المتأججة لقول ما
لم يقله غيري في مملكة الخلق والكتابة. أن أخلق حبراً يشبه بصمة اصبعي
وخطوط يديّ. أن أرسم درباً شعرياً متعرجاً وشارداً وأن أطوي الزمن في
حقيبة قصيدة ثم أضحي بسلامتي اللغوية لأجترح لغة أقلية سامقة وناسفة
لها خصوصية الريح وغرائب الأمكنة البعيدة والغامضة والمجهولة. أن أخلق
زهرتي الفريدة والمدهشة وأن أصنع أعجوبتي الدموية.
ـ
بعض قصائد
"هاربون
عبر نهر إفروس"،
طفولة عثر عليها ثانية، مارأيك؟
ربما
يكون ذلك صحيحاً، في بعض القصائد هناك انبهار بالطفولة وفضاءتها
المتنوعة، خاصة قصيدتيّ "دموع هيفا" و"داناني..داناني.." فيهما إحتفاء
خاص بالطفولة وبهيفا، إبنتي، التي جعلت من دموعها أزهاراً ومن هدهدتها
براءة لا متناهية. وتبعاً لذلك يمكن القول، ربما هناك طفولة ثانية عثر
عليها في قصائد هذه المجموعة كما أشرت أنتَ إلى ذلك... كانت مفقودة
ومنقوصة وما زالت، وتود أن تتكامل من خلال هذا الاحتفاء.
وما
الشاعر في النهاية، إلا طفلاً ضل الطريق وفقد الصواب، وما الشعر إلا
طفولة أبدية.
ـ
تتناص قصائدك مع الأساطير
والقصص الكردية،
فما قصتك مع هذا التناص؟
تستفيد قصائدي وكتاباتي من مجمل التراث والثقافة الكُردية، بأساطيرها
وخرافاتها وقصصها وتاريخها ورموزها وإشاراتها ومجمل مخاضاتها وعلاقاتها
المتعددة والمعقدة، لما تعرضت لها هذه الثقافة إلى التشويه والطمس
والحذف والإغتيال من قبل غاصبي أرض كردستان. هي استفادة جوهرية، خلاقة
وممتعة... يعود سبب ذلك كله إلى انتمائي الكلي لهذه الأم الثقافية
والحضارية التي هي منطلقي وركيزتي الأساسية إلى العالم والكون بكل
ثقافاته الغنية والمتنوعة.
ـ
يلاحظ احتفاء قصائدك
بنفس الهايكو. . بم
تفسر ذلك؟
في
الحقيقة هناك هايكوات (إن صح الجمع) قليلة كتبتها وضممتها مع نصوصي
وخاصة في كتابي "غرق في الورد"، وفي جل ما أكتب لا أميل إلى الاستجابة
لهذا النوع من القصائد على أهميتها البالغة وأشدد على كلمة أهميتها
البالغة. لكن كما قلت في حوار سابق فأن أحاسيسي وهواجسي وأحلامي وجنوني
وقلقي.. أكبر من أن تتضمنها قصيدة تتألف من أربع أو خمس كلمات، جملة أو
جملتين. رغم هذا أعود إليها بين كل فينة وأخرى.
أقول
صراحة فأنا أميل إلى الكتابة المركبة، ذات البنية الغامضة والفسيحة
والتي تتخذ من الجملة الطويلة والنفس الملحمي عمقاً لها بحيث تأخذ مني
جهداً ووقتاً مضاعفاً.
إذ لا
استعجال ولا سهولة ولا مرور كرام فيما أكتب.
ـ
اختيار العناوين
لايخلو من قلق،
أنت ما هي علاقتك بالعنوان؟
نعم
اختيار العنوان لا يخلو من قلق، كلامك صحيح. فالعنوان برأيي هو رأس
الأفعى، إذا اتَّقد، اتَّقد باقي الجسد بانسيابية حتى آخر الذيل، وإذا
أصابته علة، اعتل باقي الجسد، والأمر نسبي في كلتا الحالتين.
أحاول
أن أختار عنوان قصيدتي بما ينسجم مع مضمونها، والأمر ليس بتلك السهولة
التي يتخيلها المرء.
أحياناً أحتار في وضع العنوان وأتركه ريثما يبرق ويظهر من تلقاء نفسه،
وأحياناً يظهر من دون عناء، وأحياناً أخرى استشير الأصدقاء في ذلك...
لكن
الأهم من كل ذلك هو أنه لا عنوان لدي قبل كتابة النص.. هو يأتي في
الأخير دائماً، ينبثق من النص أو من خارجه ومن ثم يتربع في القمة
كتاج.. الأهم هو أن ينسجم ويندغم ويتماهى مع باقي الجسد.
ـ
أين المرأة منك؟
هي
الأقرب من القلب مني. هي أمي أولاً، ورفيقة دربي، المرأة التي أتجدد
بها دائماً.
هي كل
الضفاف المقدسة التي تستحق الصلاة والإنحناء والتبجيل.
تبعاً
لها نستحق الحياة.
ـ
كيف تقيم صلة الناقد
بحسين حبش؟
برأيي
أن الناقد الجاد والحقيقي هو ذلك الذي
يغور إلى عمق النص ويشكله من جديد على هيئة قمر أو زهرة
مضيئة... مستكشفاً ما خفي في ثنايا الكلمات والجمل حتى بالنسبة لمبدع
النص ذاته، مقيماً علاقة ودٍّ متينة مع عصيان الكلمات وما غمض من
أسرارها ومفاتنها...
الناقد الذي أود دخوله إلى نصي ووجوده فيه هو ذلك الذي لا يتخذ من
المساطر والبساطير والغايات المسبقة أدوات له، بل يتخذ من المعرفة
والحب والحرية وكذلك الحس الجمالي مفاتيح له لولوج عالم النص ومهما كان
رأيه بعد ذلك سيكون موضع إحترام وتقدير.
هناك
كتابات نقدية تعاملت مع نصوصي بحس جمالي مرهف وبرؤية ثاقبة، تجدر
الاشارة إليها،
منها
كتابات الدكتور عدنان الظاهر والشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح
والأستاذ زهير كاظم عبود وصديقي المغربي عبد الحق ميفراني وكذلك إضاءات
كل من الشعراء علي سفر وفرزند عمر وبدل رفو المزوري وآخرون...
كلها
أغنت تجربتي بألفتها وحميميتها ومقارباتها الدافئة لنصوصي.
ـ
هل تتوقع أن للاغتراب
الجغرافي أثراً
في طبيعة
الشعر؟
بالتأكيد يبقى الشعر هو الشعر في كل زمان ومكان ولا يستطيع أي شيء أن
يغير من طبيعته لكونه شعراً. لكن الإغتراب والبعد عن المكان الأول
والاحتكاك مع ثقافات أخرى وأناس آخرين بعاداتهم وتقاليدهم وطريقة
تفكيرهم...هذا كله يوسع بالتأكيد من أفق الشاعر ومداركه ويخلق لديه
حساسية مختلفة تجاه ذاته والعالم من خلال تملكه لخبرات وتجارب ومفاجاءت
جديدة، وهذا ينعكس بالضرورة على ما يكتب ويبدع فتتغير المواضيع وتتغير
لغة التعبير وتتغير طريقة المعالجة والنظرة إلى الأمور من كافة الجوانب
والأوجه..
يقول
ريلكه: "ابتغاء أن ينظم المرء قصيدة واحدة يحتاج إلى أن يرى مدناً
كثيرة، وأناساً كثيرين، وأشياء كثيرة. يحتاج إلى أن يتعرف إلى
الحيوانات، وطيران الطيور، والإيماءات التي تلوح بها الأزهار الصغيرة
وهي تتفتح عند الصباح...". صدق ريلكه طبعاً.
ـ
ماالذي تجد انك لم
تعبر عنه، وتتطلع
إلى التعبير عنه؟
أشياء
كثيرة بحاجة أن نمنحها ذواتنا وقدراتنا وأحلامنا. خاصة إذا كنا على
عتبة الشعر الأولى.
لكن
ما يشغلني، هو أن أكتب نصاً أوديسياً طويلاً أضع فيه كل تجاربي وخبراتي
الكتابية. نصاً يرفع حزن وطني إلى مرتبة القداسة. نصاً على غرار "مضيق
الفراشات" ملحمة شيركو بيكس الكردية التي جمع في بوتقتها بأسلوب بارع
كل كبيرة وصغيرة من آهاته وأحزانه وآلامه فيما يخص ذاته ووطنه وعالمه.
ـ
أود أن أسالك عن
المعاني التي تركتها لديك الكلمات التالية:
هيفا، إفروس، عفرين،
حلب، الحديقة اليابانية، جبل أغري، بون، حامد بدر خان.
ـ
هيفا:
بيانو متنقل في البيت، معجزة صغيرة تلبي كل إغراءات العناد والشقاوة،
شريرة كزهرة ولذيذة إلى أبعد حد. قبل أيام احتفلنا بعيد ميلادها
الثالث.
ـ إفروس:
نهر يقع بين تركيا واليونان، إنه هاوية الموت لقوارب الفارين من طغيان
الشرق، لذلك سميته نهر الموت والمشنقة. يذكرني دائماً بقوارب الموت
الأفريقية التي تعبر البحر المتوسط إلى إسبانيا.
كنت
قد وضعت تعريفاً به في "هاربون عبر نهر إفروس" كتابي، لكني لا أدري إلى
الآن لماذا قام الناشر بحذفه؟!
ـ
عفرين:
مدينة تقع على كتف قلبي، سأعاقبها بالحب مدى الحياة. إنها مدللة الكُرد
الصغيرة كما سميتها ذات اشتياق.
ـ
حلب:
مدينة الذكريات والطرف الأغر من المقبرة الكاثوليكية التي كنت أسكر
فيها بصحبة أصدقاء السوء. مدينة الشالات السوداء التي تغطي مباجل
الرخام بلا رحمة. مدينة التأوهات الليلية والفوانيس الحمراء. حلب مدينة
مشرنقة بإمتياز.
ـ
الحديقة اليابانية:
قصيدة خضراء لي.. مسلة لباشو وشهقة يوكو ميشيما الأخيرة في عراء مدينة
أوربية.
ـ
جبل آغري:
أوار دائم، فوهة لهيب كلما ثار، تعالى شموخ كردستان.. توأمه يلماز
كوناي الذي صفع وجه الذئب السلجوقي الأغبر ومات تحت ثقل السرطان،
منفياً فوق ضفائر السين. آغري يعني النار بالكُردية.
ـ
بون:
هواء مصطنع في رئتي، مدينة الروتين والقوانين التي تثبط وحشيتي.
ـ
حامد بدرخان:
"المعلم الأول" هو. قبل موته كان يسكن جرف الله في الأعالي، أما الآن
فهو يرقد تحت الريح.. أعلى السماق على كتف جبل "حسي خدر" في قريتي.
شاعرٌ
هو.
ـ
كيف تلقيت
خبر رحيل
ممدوح عدوان؟
ممدوح
عدوان كان علماً بارزاً من أعلام الثقافة السورية. رحيله كان خسارة
كبيرة، ذكّرني برحيل سعد الله ونوس من قبله، فكلاهما انحنيا أمام لعنة
السرطان، كلاهما ماتا بزهوره السامة في عزِّ الحب والعطاء.
ممدوح
عدوان كان زوربا الثقافة السورية الذي لا يتعب، لا يكل ولا يمل أبداً.
شكراً له لأنه دافع عن الجنون حتى الرمق الأخير من حياته.
رحيله
آلمني حقاً.
ـ
كلمة أخيرة؟
لنقل
بأن "خلاصنا معلق بصرخة حب".
ملحوظة: نشر هذا الحوار في الملحق الثقافي لجريدة العلم المغربية