Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

المدنية والتدافع الاجتماعي

صبحي درويش

ليس هنالك في الكون شيء خير كله أو شر كله، وليس في الدنيا خير يخلو من شر. يقول (آينشتاين): «إن كشف الحقيقة مرة واحدة لا يكفي. إن الحقيقة تشبه تمثال الرخام المنصوب في صحراء تضرب فيها عواصف الرمل، وهو مهدد بالاختفاء في كل لحظة، والأيدي الماهرة التي تنفض عنه الرمال باستمرار هي التي تحافظ على لمعانه تحت ضوء الشمس».والإنسان مقودٌ باللذة ومدفوعٌ بالألم، ولكل شيء ثمن، والمدنية لها ثمن باهظ فهي ربح من ناحية وخسارة من ناحية أخرى. ويرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه القيم مهزلة العقل البشري:"أن التماسك الاجتماعي والجمود توأمان يولدان معا.ومن النادر أن نجد مجتمعا متماسكا ومتطورا في آن واحد" فالمدنية والقلق صنوان لا يفترقان وان الأساس الذي تقوم عليه المدنية كما يقول توينبي هو الكدح والشقاء والمعاناة.والمجتمع المتحرك في نظر الوردي هو الذي يحتوي في داخله على جبهتين متضادتين على الأقل حيث تدعو كل جبهة إلى نوع من المبادئ مخالف لما تدعو إليه الجبهة الأخرى. وبهذا تنكسر كعكة التقاليد على حد تعبير بيجهوت ويأخذ المجتمع إذ ذاك بالتحرك إلى الأمام.. وحسب الوردي فإن المجتمع المتماسك يشبه الإنسان الذي يربط إحدى قدميه إلى الأخرى فلا يقدر على السير.والرباط الاجتماعي مؤلف من التقاليد القديمة فإذا ضعفت هذه التقاليد وبدأ التنازع الفكري والاجتماعي استطاع المجتمع أن يحرك قدميه بهما في سبيل التطور الذي لا يقف عند حد. يروي المؤرخ البريطاني توينبي تحت قانون الأقلية والأكثرية أن الحضارات تبدأ بآلية التقليد من أكثرية تتهادى خلف أقلية مبدعة تقودها على أنغام مزمار الراعي. وتنهار الحضارات حينما تتحول الأقلية إلى عصابة مسيطرة تسوق الناس بسوط الإكراه . وقانون التاريخ يمشي وفق نظمه أكثر من رغباتنا ومخاوفنا فهو يمضي إلى أجل مسمى وفق قانون الصيرورة وتبادل الأدوار. والواقع لم تستطع أن تنهض أوروبا هذه النهضة الباهرة والاستثنائية حتى أعادت الاعتبار الكامل للنزعة الفردية واستثمرت ما في الأفراد من اختلاف وتنوع وثراء وقد عبّر عن هذا التحول الجذري الفيلسوف الألماني كانط حين أطلق صيحته الشهيرة منادياً كل فرد بقوله: " اجرؤ على استخدام فهمك الخاص" وهو بذلك يلخّص فلسفة الأنوار التي انتشلت أوروبا من الاستسلام الأبله والتقليد الأعمى للأسلاف والآباء ودفعتها إلى البحث في الآفاق والأنفس وفتحت للناس آفاق التنوّع والتعدُّد وشجعَّتهم على جرأة التفكير المستقل وهيأت العقول لقبول الاختلاف الذي يؤدي إلى ثراء الفكر والعلم والحياة.لقد أدركت أوروبا بعد طول غياب للنزعة الفردية خلال العصور الوسطى بأن هذه النزعة هي التي تحقق التكامل بين قدرات الناس وتوسع آفاق الفكر الإنساني وتقلّل من التماثل والتكرار.. يتساءل كانط: ماذا تعني الأنوار...؟ فيجيب: " إنها تجاوز الإنسان لقصوره ذلك القصور الذي يعد هو ذاته مسؤولاً عنه وأنا أعني بالقصور عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين إن شعار الأنوار يتلخّص في هذه العبارة: اجرؤ على استخدام فهمك الخاص". ويرى المؤرخ الحجة البريطاني أن الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الإبداع. فالحياة البدائية يسودها التقليد بينما الإبداع يسود حياة المدنية ويأتي توينبي بفلسفة ساخرة حول طبيعة المدنية حيث يقول:" إن المدنية مسرح الشيطان ومجاله الذي تخصص فيه". ثم يقول:" إن الحكاية التي تذكرها التوراة حول إغراء الشيطان لآدم وإخراجه من الجنة هي في الواقع أقصوصة رمزية تشير إلى ظهور المدنية وخروج الإنسان من طور الحياة البدائية إلى طور المدينة". ويذهب (ابن خلدون) في مقدمته إلى أن «الاجتماع الإنساني ضروري وأن الإنسان مدني بالطبع» وينطلق في نظريته هذه من ضرورة الاجتماع الإنساني بأمرين: «الحماية» و«الغذاء»، فلا يمكن للفرد الواحد أن يطعم نفسه كسرة خبز بدون اجتماع الأيادي والعديد من الصناعات. جاء في المقدمة أنه حتى: «قوت يوم من الحنطة لا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الأعمال يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة».
يقول الوردي:" خلق الله آدم ثم سلط عليه إبليس قصدا وعمدا.فجعل الخير والشر متصارعين إلى يوم يبعثون.فما هو السر في هذه المفارقة المقلقة؟".فالشر في نظر بعض المتصوفة ضروري لوجود الخير .والإنسان لا يدرك الخير إلا إذا كان الشر مقابلا له كما أنه لا يفهم النور إلا إذا كان وراءه ظلام.وابن خلدون يقول في مسألة الشر" قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت بذلك على ما ينطوي عليه من الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم...". وأجمل ما في فلسفة الفيلسوف الرواقي ابكتيتوس قوله "ليس هناك من شر في العالم. هات لي أي شيء وسوف أحوله لك بعصا هرمز إلى خير. كل ما في العالم خير بما فيه الفقر والمرض والعوز والألم والموت".ويمكن تطبيق هذا القانون على كل شيء بما فيه المدنية. والضوء ليس أسودا وأبيضا بل هو طيف متدرج من الألوان بين الأحمر والأزرق استطاع نيوتن تحليله بموشور زجاجي.والشر ليس قيمة موضوعية كما يرى عالم النفس (هادفيلد) في كتابه (علم النفس والأخلاق)بل (وظيفة خاطئة). والوظيفة (الشريرة) "هي استعمال اندفاع (خيّر) في وقت خاطئ في مكان خاطئ نحو غاية خاطئة". ويذهب القرآن إلى عدم اعتبار الشر شراً بل قد يكون خيراً"لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم"..."فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيرا كثيرا".
قال أرسطوطاليس:" الإنسان مدني بالطبع". والصحيح: أن الإنسان وحشي بالطبع ومدني بالتطبع. لقد شغل الفلاسفة القدماء المجتمع الطوبائي الذي يحلمون به ونسوا المجتمع الواقعي الذي يعيشون فيه ولم يظهر بين القدماء إلا مفكر واحد هو ابن خلدون الذي درس المجتمع دراسة واقعية وبحث فيه كما هو دون استهجان أو حط من قيمته. يقول ابن خلدون :إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية.فكل إنسان يحب الرئاسة وهو لا يتردد عن التنازع والتنافس في سبيلها إذا وجد في نفسه القدرة على ذلك.ويقول فيلسوف الوجودية جان بول سارتر: " إن التنازع هو جوهر العلاقات الإنسانية". يقول البليهي: لقد كان الفيلسوف برتراند راسل واحداً من الذين اهتموا بهذه القضية الأساسية وأفرد لها كتاباً كاملاً بعنوان (السلطان) وهو يرى أن رغبة الإنسان في السلطة بمعناها الواسع هي أقوى رغباته وأنها رغبة فظيعة الشراهة وأنه لا يمكن إشباعها فهي تتلهف دوماً إلى المزيد فالرغبة بالسلطة كما يقول راسل: "لا حد لها ولا حصر ولا سبيل لإشباعها إشباعا كاملاً وهذه الظاهرة على الرغم من تفاوت درجاتها فهي موجودة عند الجميع.." ويقول: "يخطئ الذين لا يملكون إلاّ القليل من السلطة إذا فكروا بأن مجرد حصولهم على المزيد منها قد يرضيهم فهذه الرغبات من النوع الذي لا يشبع والذي لا حدود له فهي من أكثر الرغبات الإنسانية انطلاقاً عن الحدود" ويشير إلى أن الإنسان بين الكائنات ينفرد بالشراهة إلى السلطة ولا يغنيه عنها المال ولا غيره من متع الحياة فالتقاتل على النفوذ من أبرز خصائص الإنسان لأن الحيوانات لا تسعى لغير الحاجات الأولية اللازمة لبقائها وتوالدها فإذا ملأت بطونها أخلدت إلى الراحة ولا تنهض مرة أخرى حتى تجوع بخلاف الإنسان الذي يضطرم بداخله سعار لا يهدأ من التلهف إلى السلطة من أدنى الرتب إلى أعلى المناصب ويقول راسل: "بينما تكتفي الحيوانات بالوجود والتوالد يتشوق الناس إلى التوسع والتمدد ولا حدود لهذه الرغبات إلاّ ضمن ما يحدده الخيال فكل إنسان يود أن يكون فوق الجميع متى أمكنه ذلك وهذا هو الذي يجعل التعاون الاجتماعي أمراً شاقاً" لذلك يرى راسل بأن: السلطة هي المفهوم المحوري في العلوم الاجتماعية وأنه لا يمكن فهم حركة المجتمعات وإدراك أسباب تقدمها أو تخلفها إلاّ بردها إلى هذا المحرك الجوهري.
يصف صموئيل بتلر الحياة الاجتماعية بأنها عبارة عن خيط وسكين.فالخيط يربط الناس بعضهم ببعض والسكين تقطع الرباط بينهم.
إن التنازع والتعاون هما دعامتا الاجتماع البشري ويرى علماء النفس أن الحب والبغض متلازمان في النفس كتلازم التعاون والتنازع في المجتمع. إن التنازع البشري له أنواع كثيرة ويتخذ كل نوع صورا شتى و وحسب الوردي فان البروفسور كارفر يرى أن التنازع صفة أساسية في الطبيعة البشرية والتعاون في رأيه ما هو إلا صورة من صور التنازع.فالإنسان يتعاون مع بعض الناس لكي يكون أقدر على التنازع ضد البعض الآخر.وكارفر يرجع التنازع البشري إلى سببين ويقول إنهما طبيعيان في الإنسان وهما:
1-استحالة إشباع الحاجات البشرية كلها.
2-حب الإنسان نفسه وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها.
والظاهر أن هذين السببين وجهان لحقيقة واحدة. والحضارة التي اقتنع أفرادها جميعا بما هم فيه ويقولون القناعة كنز لا يفنى لا تستحق اسم الحضارة.وفي القرآن"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين". ولم تنبثق الحضارات إلا في جو التحدي، كما وضع المؤرخ البريطاني (توينبي) نظريته في قانون التحدي والاستجابة، وفي علم النفس يرى العالم (هادفيلد) أن الإرادة تتحفز مع وجود المثل الأعلى، كما تتحرض الخلايا العصبية بالضوء والصوت. إن المجتمع الإنساني لم يتقدم بدون التجديد الدائم مثل فصل الربيع في الطبيعة والاخضرار في الشجرة، وكل فكرة ثورية جديدة عانت وكانت المكابدة بقدر هجومها على الجذور.وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.




 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE