rojava@rojava.net
قراءة شعرية في نصوص قصصية حول مجموعة- ليلة المطر- للقاص حسن سليفاني
rojava.net 28.11.2005
محمد بدر الدين البدري الأدباء والفنانون هم أول من يتحسس مكامن الجمال والقبح، مناطق الاثارة والخطورة، هم الذين يشيرون الى جميع مفاصل الحياة ويلمسون المتغيرات قبل حدوثها لذلك تراهم غير طبيعيين مقارنة بردود الفعل الطبيعية للآخرين، كما أن صفة المزاجية كثيراً ما تطلق عليهم ذلك أنهم محكومون بقوانين خاصة وليسوا متذبذبين حين ينتقلون من موقف لآخر بل هم في سعيهم الدائب للكمال والسمو، فلا عجب أن يشدهم منظر ما أو جملة ما في وقت ما وقد لا يلفت انتباههم عمل مهم يشغل حيزاً كبيراً في ذهن الناس لذلك فهم يشكلون المحرار الأول في تأثير معظم المتغيرات ليأتي بعدهم التنظير من قبل المفكرين وبعد ذلك تأتي المقاييس والمعايير والقوانين من قبل العلماء التجريبيين أو علماء النفس والأجتماع وبهذا التفسير وبتعبير موجز ترى لدى كل منهم مثالاً لكل حالة، وفي السابق كانت رؤيتهم تجاه الكون والحياة يطلق عليها المدينة الفاضلة وقد افتقدنا هذه المدينة الآن بسبب من التشعب والتطور اللذين غيّرا طبيعة الحياة لا بل حصل تغيّر في بعض المفاهيم وبذلك اتجه الفن والأدب نحو الحلم الذي بات هو المعبّر الأول عن وجهة نظر الأدباء والفنانين حيث أصبح الحلم هو الذي يغلّف أعمالهم لا بل يشكّك فضاءها الذي تسبح فيه تعبيراتهم والوانهم الأخرى المباشرة، فالحلم إذن هو الحالة المفقودة التي يسعى الأديب والفنان الأمساك بقلبها وأطرافها محاولة منه لغرسها في أرض الواقع- الواقع مؤلم لأنه لم ولن يشكل حالة الكمال بالنسبة للأديب والفنان- ومن هذه الثنائية المتناقضة بين الواقع والمثال بين الوضع الآني والطموح بين المعتاد والشاذ بين المألوف والمتطرف بأية نسبة كانت ينتج عن هذه الثنائية شحنة وجدانية عميقة التأثير لدى متلقي الأعمال التي تعبر بصدق فتجعل المتضادات والتباينات تظهر بجلاء لتثير اللذة في نفس هذا المتلقي وهذه الشحنة التي تثير اللذة تمنح صفة الشعرية على ذلك العمل- وهي ليست بكائية ناتجة عن رومانسية-.. ومن هذا التفسير نستطيع أن نبرر سبب احساسنا بالحالة الشعرية التي ترافق قصص مجموعة ليلة المطر للاديب حسن سليفاني (دهوك في 1997) خاصة وان القاص ابتعد تماماً عن التعبيرات أو الجمل ذات التراكيب الشعرية وكانت الجمل المستخدمة في الوصف ذات تراكيب نثرية بينما يسعى قاصون عديدون الى استخدام اللغة الشعرية في كتابة قصصهم لمنحها صفة الشعرية التي تجعل إعادة قراءتها مستساغة لعدة مرات، كما أنّ إبتعاد القصص عن الواقعية عبر تخليص الحدث من زمكانيته واطلاقه في فضاء استمراري ليكون ذا بعد إنساني فيتوغل عميقاً لدى الملتقي ويتفاعل مع أحاسيسه وبذلك تخلصت القصص من عملية المباشرة والتأرخة واكتسبت اطارها الأدبي بعد أن مرّ كتاب القصة القصيرة لفترة من الزمن بتسجيل الأحداث وكأنها مؤرخون، ومما تجدر الإشارة اليه أن القاص استخدم الرمزية في عدة قصص وكان يمنح المتلقي مفتاح الحل لهذه الرموز ففي قصص (غداً يبتسم الربيع، هيهات، من تكون، زمن الدجل، القبض على حلم آذاري) كانت هذه القصص ترمز الى قضية الكاتب الذي يمثل الراوي بعد تبنيه للوعي الجمعي للشعب والأمة التي ينتمي إليها (كوردستان) فالحيادية والموضوعية التي تقمصها الراوي من خلال وعي القاص بالتخلص من الأنا وتبني رؤية الآخر للأشياء، الآخر الذي سينتصر حتماً لأنه يمثل الذات المشتركة منذ النشوء الأول الى الآن وحتى النهاية، الآخر المندمج في الأنا حينما تكون القضية انسانية وعادلة ولن نتطرق الى التفسيرات والتأويلات ولن نفك الرموز لتحتفظ القصص بعذرية كل قراءة لها. ونعود الى القصص لنكتشف الآلية التي كان القاص يرسل عن طريقها وعبر تقنياتها بفضاءين أو عالمين أو حالتين ليخلق منطقة للقلق أو الاضراب أو السأم، منطقة للترقب أو التوقع، منطقة لمعايشة الصراع، منطقة للجذب والانشداد، لنشعر أننا نطوف في عالم شعري، ففي قصص (خبز محلى بالسكر، زه ري، صبى الثلج، من تكون) يكون لعالم الطفولة وفق معرفتنا ومرجعيتنا عنه تأثير بالغ في خلق حالة الصدمة نتيجة ما تعرض له وما سيتعرض له هذا العالم من تهشيم.. وفي قصص (رحيل شامخ، زمن الدجل، ليلة المطر) تبقى عملية الاضطهاد لحرية التعبير هي المحرك الأول لاستفزاز المتلقي، استفزاز لتكوينه ولانسانيته وما يترتب عن هذا الاستفزاز يوقعنا في الكمين الشعري.. وهنالك الاحداث الحتمية في الحياة والتي تحمل معها احتمالاتها فيكون الترقب هو العامل الاساسي في مسألة شد المتلقي والتفاعل حتى النهاية، ففي قصة (غداً يبتسم الربيع) احتمالات الولادة وما يرافقها بعد ان يبلغ عملنا مدة العقم التي سبقت حالة الحمل وهنا تاخذ الولادة احتمالات عدة وأغلبها غير مضمونة النتائج على الرغم من أن القاص قد سلمنا نتيجة الحدث في العنوان.. أما في قصة (القبض على حلم آذاري) والذي يحمل احتمالاًَ واحداً هو أن يؤدي هذا النوع من الأحلام الى حالة من الارتياح الغريزي إلا أن عملية الاستيقاظ من النوم حرمتنا من النتيجة وبذلك تميزت هذه القصة عن اخواتها في المجموعة بأنها ذات نهاية مفتوحة فمعاودة بطل القصة- الراوي ذاته- للنوم لن توصله الى ذات النهاية المتوقعة لاحتمال عدم معاودة الحلم أو الاستيقاظ ثانية وهذه القصة المكتوبة في عام 1995 والتي حملت المغايرة والتفرد تعتبر مؤشراً جديداً في تجربة القاص وكان الاجدر لو قام احد النقاد أو دارسي الادب الكردي بالتطرق الى هذه المجموعة بلغتها الاصلية لتكون المقارنة صائبة واكثر دقة إذ لا يجوز لي معاينتها مع لغة ترجمت اليها المجموعة ففي ذلك ظلم كبير للقاص ولتجربته القصصية.. وفي قصة (ساعة في حضرة طبيب السعادة) نعيش حالة الافتراق إذ نكتشف أن لا وجود للسعادة، وهذه التعرية الفاضحة للواقع تجعلنا نتعاطف مع البطل نظراً لأحساس القارئ بأنه هو البطل.. أما قصة (زيارة) فالقاص يشير الى تغيير في الموقف ازاء الاضطهاد والمصادرة يرافق مجيء الموظفة الجديدة مع بقاء صفة العنجهية والأستبداد على الطرف الآخر، وقد عبر القاص عن كل هذا بلغة هادئة تتناسب وصلابة الموقف الجديد، وهذه القصة تناقض رؤية الراوي في قصة (قطار القلب) حينما كان يداعب حلماً جميلاً في الانطلاق والتفاعل مع الحياة لكن عدم تحقق الحلم وعودة القطار التي تؤشر العودة الى ذات الواقع بمعنى عدم التغيير في الموقف ويبرر ذلك الاطلاع على تاريخ كتابة القصتين فنرى تطابقاً إذ لم يحدث أي تغيير في موضوعة الراوي- قضيته- لبضع سنوات، وبين قصتي (زيارة وقطار القلب) تقع قصة (الابريق) وكأنها وضعت بقصدية عالية لتفضح الذين تخلوا عن قضيتهم ففقدوا خواصهم الانسانية لذلك اضطر الراوي أن يتدخل بصورة مباشرة حينما تساءل "-أ حقاً هؤلاء ايضاً رجال؟".. اما قصة (هيهات) فتتفق مع قصة (زيارة) إذ يشير موقف الطفل من اسمه الذي يعني "هيهات أن تنالوا ما تبغون" إلى موقف الموظفة الجديدة في قصة زيارة في تبني المواجهة في الصراع وهذا الموقف من قبل طفل وانثى يبعث على التفاعل مع هاتين القصتين.. أما أكثر القصص تقارباً مع الحالة الشعرية قصة (هي والقلب) إذ قام القاص بنفي بديهية ثابتة على لسان بطله حينما نفى وجود قلبه في صدره وأسس له وجوداً ثانياً فوق قمة جبل كوردستاني فهذه البنية الصادمة قذفت بنا نحو المنطقةالشعرية وبذلك يكون القاص قد حقق تفاعلاً كبيراً مع متلقيه مكنّه من ذلك وعيه بعملية الايصال ومعرفته الدقيقة بكيفية بناء الجسور بينه وبين المتلقي.
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE