قيس قره داغي
عندما ذهب الرئيس مسعود بارزاني الى بغداد مفوضا من قبل برلمان
كوردستان ، صرح لوكالات الانباء انه يحمل في جعبته مطاليب الكورد و
من ضمنها خطوط حمراء لايمكن التنازل عنها ، ومن بين الخطوط الحمراء
تلك مسألة بقاء قوات البيشمركة التي يعتز بها كل كوردي في كوردستان
، وقد علقنا آمالنا كاملة بسفرة الرئيس الذي صرح مرارا وتكرارا بان
أكبر منصب يعتز به في حياته هو منصبه كبيشمركة ، ومن يقرأ كتابه (
البارزاني والحركة التحررية الكوردية ) سيطلع على قصة انخراطه في
قوات البيشمركة عام 1962 وكيف وسّط هذا الشاب ابن الخمسة عشر ربيعا
شقيقه الشهيد ادريس بارزاني لدى عمه الشيخ بابو كي يعلن الاخير
بأعتباره عميدا للاسرة موافقته على التحاق أبن أخيه بوالده قائد
الثورة البارزاني الكبير ، وثم يصف فرحته وهو يستلم من والده (
كبير البيشمركة ) اول بندقية ليكون بيشمركة يقاتل من اجل تحرير
كوردستان الذي اصبح بعد مضي ثلاثة واربعين سنة قضاها وهو يحمل هذا
الشرف الكبير رئيسا منتخبا لكوردستان .
ليس البارزاني وحده الذي يفتخر بهذه الكلمة الشرف ( البيشمركة ) ،
فكل من خدم يوما واحدا في هذه القوة المقدسة يعتبر نفسه قد اوفى
جزءا من دين الوطن ، ويمكن اعتبار اداء الخدمة في قوات البيشمركة
شبيها باداء الخدمة الالزامية مقارنة مع اداء الخدمة العسكرية في
الدولة مع وجود عدد من الفروق الايجابية لصالح البيشمركة ، مثلا ان
المتمكن ماديا بامكانه تقديم مبلغ من المال للدولة تسمى بدل الخدمة
ولكن في حالة البيشمركة يحدث العكس ، فقد الفينا آلافا من الكورد
يتطوعون في صفوف البيشمركة باسلحتهم الشخصية التي اقتنوها بحُر
أموالهم ، يسلك المكلف للخدمة العسكرية الف درب ودرب شائك لكي
يتملص من أداء الخدمة العسكرية سواء عن طريق تقديم الرشاوي الى
اللجان الطبية لترتيب تقرير طبي يضمن تسريحه من الخدمة أو وسائل
أخرى للعراقيين فيها خبرات متراكمة وبامكاننا شرحها بأسهاب في
مناسبة أخرى ، لكن العكس يحدث مع من يريد خدمة البيشمركة حيث يلتجئ
الى المنظمات الحزبية داخل المدن كي ينظموا له رسالة تزكية لقبوله
كبيشمركة أو يحاول ممارسة الضغط على ذويه كي يحصل على موافقتهم كما
حدث مع الرئيس مسعود بارزاني مثلما اسلفنا أعلاه ، أثناء الحروب
والاضطرابات يعمل المكلف لاداء الخدمة العسكرية المستحيل لكي يتجنب
المشاركة أو يحاول أداء الخدمة في الوحدات الخلفية او الوحدات
الادارية داخل المدن ، لكن البيشمركة يشعر بأهانة كبيرة عندما
يُطلب منه أداء الخدمة في تشكيلات إدارية كائنة في المناطق المحررة
التي قلما تتعرض الى خطورة المواجهة المباشرة مع العدو .
صحيح ان مسودة الدستور الدائم لم تلغ تشكيلات البيشمركة بصورة
مباشرة ، لكنها أوصت في بند خاص على حلها في تشكيلات جديدة تحمل
اسم حراس الحدود أو حراس الاقليم ، وبهذا البند يمكن لمن شارك من
الكورد في مداولات كتابة المسودة ان يدافع عن احد الخطوط الحمراء
قائلا اننا أوفينا على بقاء البيشمركة كقوة لحماية أقليم كوردستان
تحت أسم آخر وهو صادق بإدعائه هذا ، ولكن في نفس الوقت يمكن لمعترض
هذا الادعاء ان يقول إن البيشمركة ، هذه المفردة التي أصبحت مصطلحا
عالميا متداولا في الوكالات الاعلامية العالمية والقواميس السياسية
قد عهدت أمرها الى متحف التأريخ من دون وجهة حق ، ولهذا المعترض
الحق فيما يقول ، لان المفردة هذه قد تجذرت في الموروث السياسي و
الثقافي والادبي الكوردي من أوسع أبوابه ، فكيف لا ، وللبيشمركة
سجل يضم أسماء أكثر من مئة ألف شهيد منذ أندلاع الثورات الكوردية
ولحد الآن ، وللبيشمركة نقابات واتحادات تنظم أمورهم وتدافع عن
حقوقهم ، فأولئك الشهداء قد خلفوا عوائل هم بأمس الحاجة الى أستلام
حقوقهم التقاعدية المنظمة والثابتة حسب قوانين يجب أن تنظم من قبل
الدولة ، أفتح باب الشعر الكوردي ستجد دواوينا من الشعر لكبار
شعراء الكورد كتبت لاجلهم ، أدخل التراث والفولكلور الكوردي ستضيع
بين آلاف الابيات الفولكلورية والاغاني و الملامح قيلت كلها بحق
أمجاد البيشمركة ، أطرق باب القصة والروايات الكوردية ستجد
للبيشمركة حضورا متميزا في أحداثها ، ورغم كسل البعض ممن قضوا معظم
سنين عمرهم وهم يخدمون في صفوف البيشمركة فأمكان المرأ مطالعة
العشرات من كتب المذكرات ، كتبها البعض من خدموا سنين طوال
كبيشمركة ، أذهب الى أي مكان في أرض كوردستان ستحكي لك الاحجار
والاشجار والجبال والوديان والسهول والهضاب والكهوف عن بطولات
وصمود البيشمركة وقد نجد الصورة أكثر تجسيدا في صورة شعرية للشاعر
الكوردي الكبير عبدالله بشيو مثلا عندما يوصي زائر كوردستان الحامل
لاكليل الورد كي يضعه على مقام الجندي المجهول فيقول الشاعر للزائر
ان لا يحير في أمره ، فليتوكل وينحني قليلا وليضع أكليله في اية
بقعة يقف فيه من ارض كوردستان فلابد ان يكون قبر مجهول لبيشمركة
ضحى من أجل وطنه ، فأي متحف يا ترى ستستقبل أدوات البشمركة ،
بنادقهم البدائية ، ملابسهم الكاكية ، لفائف الخصر باطوالها ،
مشاجب الظهر الجلدية ومحتوياتها ، لفائف الساق المحاكة من شعر
الماعز الجبلي ، اليشماغ الكوردي ......الخ .
سننظم على مضض الى الفريق الكوردي الذي ساهم في كتابة مسودة
الدستور الدائم وندعي صحة إدعائهم بصدد خط البيشمركة الاحمر الذي
قيل بأنه أجتيازه غير جائز ، ولكننا ندعوهم أن يتفضلوا بمحاورتنا
حول ما يراودنا من أفكار وما يساورنا من شكوك لعلهم بحكمتهم يبددون
شكوكنا ، نقول ، إذا كانت اللغة الكوردية قد ثبتت كلغة رسمية في
مسودة الدستور شأنها شأن اللغة العربية في بند دستوري واضح ، فما
كان ضير بقاء مفردة البيشمركة كمفردة كردية في النص الدستوري وقد
أجبرنا على أستعمال عشرات المصطلحات العربية ، نسأل ومن حقنا أن
نسال :
ألم يكن في الإمكان إدخال مصطلح ( بيشمركة حدود العراق ) أو (
بيشمركة حدود أقليم كوردستان ) أو أي تعبير أصطلاحي يضمن بقاء
المفردة كنوع من أحترام مشاعر الشعب الكوردي الذي يعتز أما أعتزاز
بتلك المفردة ؟
فنحن لا نجد أي مبرر لأعتراض الآخرين على بقاء هذه المفردة في
تشكيلات الجيش العراقي في أقليم كوردستان ، فمثلما نحترم نحن
مقدسات الآخرين فلندع الآخرين أن يحترموا مقدساتنا ، فليقدم الأخوة
والأخوات في الائتلاف الشيعي على تسمية أحد فيالق الجيش العراقي في
اقليم الجنوب أو اقليم الوسط بفيلق بدر ، لا أعتقد ان ذلك يثير
حساسيتنا نحن الكورد ، طالما هنالك قسم من اهلنا في تلك المنطقة
يفتخرون بتلك التسمية ، ولا اعتقد انهم يسمحون لنا ان نعترض على
تلك التسمية الافتراضية .
من بديهيات الممارسة الديمقراطية ان نعلن عن آرائنا بكل حرية ، ومن
واجب مسؤولينا أن لا يغضوا الطرف عن آراء الناس وأفكارهم وهم
يمثلونهم في مجالس صنع الدستور والقرار ، لكي لا تذهب رجاء الناس
أدراج الرياح ، وليعرف زعمائنا أنهم يقودون شعبا تبلغ درجة
الانقياد بهم الى الذروة وهم يطيعونهم قياما وقعودا غير آبهين بأي
شئ ، فقد قالوا أنتفضوا فانتفض الشعب ، ثم لوحوا الى الهجرة
الجماعية فبدأ الشعب مسيرتهم المليونية تاركين ورائهم كل ما يملكون
في وطن جرداء الا من النهابين البعث ، ثم قالوا هيا الى انتخاب
برلمان وحكومة لكوردستان فخرج الشعب المحاصر بالاعداء من كل جانب
الى كرنفال أنتخابي قل نظيره في العالم ، تحالفتم مع من دفع ثورة
أيلول الى اكبر أنتكاسة في التاريخ فصفق الشعب لكم ورفع أعلام
الدول المتحالفة إياكم في كل زقاق وشارع كوردستاني ، ثم قلتم هيا
الى أنتخابات الجمعية الوطنية العراقية فألفيتم شعبكم يتقدمون الى
صناديق الاقتراع داخل الوطن وخارجه أفرادا وجماعات وهم يحملون
صوركم في قلوبهم .
احرسوا خطوطنا الحمراء حرسكم من في السماء .