Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

الشعر الكردي في القرن التاسع عشر في كردستان الجنوبية ( العراق )
ظهوره و تطوره
الحلقة الثانية
ظهور الحركة الأدبية وتطورها

برزو محمود

في مجرى هذا التطور الأقتصادي والإجتماعي والسياسي في بداية القرن التاسع عشر شهدت كردستان الجنوبية ، لاسيما في عهد الامارة البابانية ، نهوضا كبيرا في الثقافة الروحية نتج عنه نشؤ الوعي القومي في مجتمع كردستان . وقد أولى البابانيون اهتماما وتقديرا كبيرين بالمعارف والعلوم مما ساعد على نمو وازدهار الحياة الثقافية في الامارة ، فكانت مدينة السليمانية ، عاصمة الامارة، مركزا ثقافيا، يستقطب طلاب العلم ورجال الأدب والفكر من مختلف مناطق كردستان .
وجدير بالاشارة إلى أن الحركة الصوفية كانت قد بلغت ذروتها في تلك الفترة ، حيث كان الصراع محتدما بين الطريقة القادرية والطريقة النقشبندية وذلك من خلال المساجد والمدارس الدينية التي كانت منتشرة في عموم الامارات الكردية في كردستان . فعلى الرغم من الطابع الديني المسيطر على معظم هذه المراكز الدينية الا أنها كانت بمثابة دور لنشر التعليم، وتساهم في تطوير وتقدم المعارف والأداب في المجتمع الكردستاني كما أن البعض منها أثر بشكل واضح على الحياة الفكرية والثقافية للشعب الكردي . ونستطيع القول أن هذه المراكز التعليمية والدينية والثقافية كانت تعبر عن مظهر حضاري واكب تلك الفترة التاريخية من الحياة الروحية للشعب الكردي .
وتمخض عن تلك التحولات الجارية في المجتمع الكردستاني في النصف الأول من القرن التاسع عشر ظهور نشاط أدبي جديد نشرت نجومه النور في سماء الشعر الكردي لتضيئ الدرب وترسم خيوطا جديدة في مرحلة جديدة تستجيب لمتطلبات الواقع وتواكب العصر شكلا وروحا .
ويتمثل أقطاب هذه الحركة الأدبية الجديدة في مجموعة من شعراء ومفكرين مثل : نالي وسالم وكوردي وحاجي قادركوي و.. هؤلاء جميعا أرسو قواعد وتقاليد أدبية ، ولعبوا دوراً كبيراً من جوانب عديدة في الحياة القومية والفكرية والروحية للشعب الكردي ، أذ ساهموا في نشر التعليم والحفاظ على اللغة والأدب الكرديين ، كما ساهموا في نشر الوعي القومي الكردي حيث وحدوا اللهجات الكردية الأربعة ( سليماني ، سنة، صوران، موكريان ) في إطار لغة أدبية موحدة نشأت في منطقة السليمانية ، وتسمى باللهجة ( الكرمانجية الجنوبية )، والتي تعتبر بحد ذاتها ضرورة تاريخية ظهرت كنتيجة للعوامل والظروف الموضوعية المستجدة في مجتمع كردستان الجنوبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر. إن شعر هذه المدرسة الأدبية الجديدة التي تسمى بمدرسة ( نالي ) الأدبية، بما ينطوي عليه من مضامين اجتماعية وفلسفية وسياسية، سرعان ما ازدهر وانتشر في كردستان الجنوبية. وفي هذا الصدد يشير الدكتور عز الدين مصطفى رسول قائلا :
إن الشعراء حاجي قادر( 1815ـ 1897) وأختر( 1836ـ 1866) وكيفي جوانروي في منطقة سوران، ومجدي في أردلان ، ومجموعة من الشعراء في مناطق سنة وموكريان، هؤلاء جميعا كتبوا الشعر على ضوء أسلوب مدرسة (نالي) الأدبية. وقد قيم الدكتور معروف خزندار عاليا ابداع ( نالي ) في صنع وتطوير الأدب المرتبط لحركة التطور الاجتماعي والأدبي، واعتبره مؤسس الأدب الكردي الحديث، حيث أوجدت مدرسة نالي تقاليد أدبية شرقية ترسخت في الأدب الكردي، فأصبحت ، مصدرا لجميع التطورات التي طرأت على الأدب الكردي ودستورا للشعراء اللذين ظهروا في الأجيال القادمة وعكسوا آمال الشعب الكردي ونضاله في سبيل الحرية والحياة السعيدة . ومن ناحية أخرى فإن الشعر الكردي في القرن التاسع عشر انطوى على سمة وظيفية تعبر عن هدفية الأدب الكردي التي تقوم على أساس (الفن في خدمة المجتمع ). فجاء هذا الأدب يعبر عن مصالح الشعب إلى حد غير قليل، وكان صرخة احتجاج ضد الاستعباد والاستغلال، ضد الظلم القومي والاجتماعي، ليمهد الطريق أمام الاتجاه الواقعي في الأدب الكردي بالظهور، وساهم في زرع الروح الوطنية التي تتجسد بحب الوطن ، وإظهار المناظرالخلابة لطبيعة كردستان، وحب اللغة والثقافة والتراث القومي، وتبيان فظاظة وقساوة العدو المحتل والتعبير عن طموح وآمال الشعب من أجل الوحدة القومية والتحرر. فكان لشعر هذه المدرسة الأدبية دورا فعالا في إزكاء وتنمية ونشر الوعي القومي في مجتمع كردستان. لو ألقينا نظرة على تاريخ الأدب الكردي، سنلاحظ أن الإنتاج الشعري للشعراء الكلاسيكيين قد تركز منذ بدايته على بعض الميادين التي تسمى بأغراض المدرسة الكلاسيكية الكردية وهي:
المديح الديني،
الغزل،
التصوف،
الرثاء،
الوصف،
والمدح،
والتعبير عن أمور شخصية
والرسائل الشعرية .. ألخ ..
وكان التعبير في شعرهم يتم عن طريق فن البلاغة وعلم البديع والبيان والمعاني ، وايراد الجناس والتلميح والبديع والتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والاطناب والايجاز، بالإضافة إلى إستعمال العروض العربي. وجدير بالذكر أن اهتمام الشاعر كان يتركز بشكل كبير على الشكل والمظهر الخارجي للنتاج الأدبي، بحيث لم يلتفت إلى أنه قد أدخل كلمات عديدة من لغات غير كردية في شعره بصرف النظر ألى أن طبيعة العصر كانت تفرض نفسها على أسلوب الشاعر .
ويبقى الجانب الصوفي في الشعر الكردي الكلاسيكي السمة الرئيسية والمميزة للطابع الشعري نتيجة التأثير العميق والهائل للدين الاسلامي على الشعب الكردي، فكان الشعراء الكلاسيكيون ينغمسون في بحر التصوف والالهيات، والزهد والخلوة، والعشق الحقيقي لحياة الدروشة. ويجدر الاشارة إلى أن ديوان الجزيري يعد نموذجاً رائعأً للشعر الكردي الصوفي، حيث يعتبر الشاعر الملا أحمد الجزيري الذي عاش في القرن الخامس عشر رائدا للشعر الكردي الكلاسيكي إذ أرسى في حينه قواعد مدرسة شعرية كردية عرفت باسمه، كما أن الشعراء الذين جاءوا بعده ، اتبعوا نفس النهج لفترة طويلة من الزمن.
أما الشعر الغزلي فيحتل الجانب الأكبر في ميدان الشعر الكلاسيكي، حيث كان الشاعر أسير عشق الحبيبة التي تسمى ﺑ (ديلبر) بالكردية، ولهان بجمال الحسناء، نشوان بالعيون الجميلة مجنون بقامتها الطويلة الممشوقة بالاضافة إلى ان طبيعة كردستان الخلابة كانت مصدر إلهام الشعراء حيث المناظر الجميلة والصور البديعة، الألوان الزاهية في الربيع، شلالات الأنهار، خرير مياه الينابيع، زغردة العصافير، ونسيم الهواء العليل يلاطف الأعشاب الناعمة، كل هذا كان منبعا لحركة أحاسيس الشعراء وانعكاس في صورهم الشعرية. ويعتبر الشاعر(مولوي) على رأي دارسي الأدب، أول شاعر أبدع في وصف طبيعة كردستان. وكانت الغربة هي الحافز بالنسبة لحاجي قادر وغيره لتمجيد جمال الطبيعة في الطن. غير أن الوصف عند الكلاسيكيين كان يأخذ طابعا تجريديا، فالجمال، مثلا، يرى في الكلمات والتشابيه لافي الطبيعة المصورة نفسها.
إذا، مع اطلالة القرن التاسع عشر يزاح الستار عن عهد جديد في الأدب الكردي كما ونوعا وذلك في منطقة شهرزور بالسليمانية عاصمة الحكم الباباني، حيث ظهرت فيها حركة أدبية وضع نواتها الشاعر الكردي الكبير(نالي) بمساهمة من رفيقيه الشاعرين (سالم) و(كوردي) سميت هذه الحركة الأدبية الجديدة بالمثلث الباباني ( نالي ـ سالم ـ كوردي ) لوجود التشابه في الأسلوب والمضامين الشعرية ونظرا للطابع الكلاسيكي المهيمن على قصائدهم. لم تنشر هذه الحركة خيوطها الشعرية في حدود إمارة بابان فقط، بل امتدت إلى الامارات الكردية المجاورة مثل إمارة أردلان في سنندج ، وامارة سوران في أربيل ، وامارة موكريان في مهاباد. وبظهور هذه الحركة الأدبية أخذت لغة الأدب في كردستان الجنوبية تتحول من اللهجة الهورامانية، التي كانت تسود الأدب الكردي حتى ذلك الحين، إلى اللهجة السورانية ( الكورمانجية الجنوبية ).


 

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE