|
الديمقراطية في سوريا والرسملة!
غسان
المفلح
ربما من باب المقاربة الإجرائية
التحدث بمشروع رأسمالي بعدما كانت
هذه المقاربة مفتاحا مفاهيميا من
مفاتيح الفكر الماركسي خصوصا
واليساري عموما لقراءة حركية
الصراع العالمي منذ مجيء ماركس
وحتى سقوط السوفييت. رغم غنى
وتنوع المدارس الفكرية والسياسية
التي نتجت عن حركية الفكر
الماركسي في العالم..والسؤال : هل
لازالت هذه المقاربة المفاهيمية
على المستوى الإجرائي صالحة كي
ندخل بها كفهم مسبق للاجتياح ـ
الذي يتم الآن في مراحله الأخيرة
ـ للعالم من قبل ما يسمى عند بعض
المفكرين المشروع الغربي بوصفه
مشروعا لحضارة بشرية واحدة فيها
طبقية وفيها غالب ومغلوب وفيها
دماء تجري لازالت البشرية غير
قادرة على حقنها وخصوصا في منطقة
الشرق الأوسط والمناطق المحاذية
لها في آسيا وأفريقيا؟
أظن أنها في جانب من موضوعنا تصلح
كمقاربة إجرائية خصوصا إذا أخذنا
بعين الاعتبار المعركة الدائرة
الآن بين تيارات الفكر الليبرالي
العربي والفكر القومي العربي أو
الوطني الديمقراطي والذي يمثله في
أحد أهم منجزاته الأيديولوجية
باحثنا الدكتور برهان غليون.
لسنا هنا في إطار التنظير المجرد
بقدر ما نريد الدخول على الوضع
السوري خصوصا لأنه هو بيت القصيد
فيما يجري الآن من تحولات داخل
الشرق العربي.
كي نبعد المفارقة الخليجية عن
الموضوع لأنها تبدو مبتعدة عن هذه
المقاربة لأنها تمتلك موردا نفطيا
هائلا لتمويل أشكال هذه السلطات
العربية وإعادة انتاج سيطرتها
وأشكال هذه السيطرة على مجتمعاتها
وبغض النظر عن مدى التقدم الذي
أحرزته على صعيد عملية اللبرلة
خصوصا في المجال الاقتصادي
فالكثير من الكتاب الخليجيين
تناولوا هذه المواضيع ولازالوا
باستفاضة. وتبقى هذه البذرة في
الفصام داخل المشروع الليبرالي
قائمة بين الليبرالية الاقتصادية
والليبرالية السياسية سببها
بالتأكيد وجود هذا المورد النفطي
الذي يمنع اللبرلة السياسية.
في التنظير الماركسي واليساري
عموما في سوريا نجد أن الجميع
يلتقي على نقطة واحدة وهي سيطرة
السلطة على حركية المجتمع وعلى
كافة المستويات ومنها المستوى
الاقتصادي ـ برجوازية دولة
أوبيرقراطية..الخ من اشتقاقات
أيديولوجية لا تفتقد لقيمتها
المعرفية حتى هذه اللحظة حيث
لازالت السلطة تمنع قيام سوق
قومية ـ وطنية ـ حرة. فمصرف سوريا
المركزي لايتحرك بفعل حركية السوق
السورية بل بفعل حركية السلطة
السورية والسياسية تحديدا في كل
تعاملاته الداخلية والخارجية
والتي لها اعتبارات وحركية مختلفة
عما يمكن تسميته سوقا حرة ـ ليس
التسمية التي تخص السيد رامي
مخلوف والذي استولى من خلال
علاقاته السلطوية على المورد
الوحيد في البيع السوري بالعملات
الأجنبية والتي لا ضرائب عليها.
حتى هذا المنفذ هو في صميمه بات
سلطويا بغض النظر عن الأرباح التي
يجنيها أو الطريقة التي يدار فيها
هذا السوق في كل المعابر السورية
مطارات وطرق برية. ولم يكن دور
القطاع الخاص في سوريا منذ
السبعينيات سوى دور تبييض أموال
الفساد والنهب السلطوي وليس دورا
قائدا. لأن حركيته المالية مسيطر
عليه عبر عدة طرق بيروقراطية وغير
بيروقراطية مثال ـ تدخل الجهات
الأمنية بطرقها اللاقانونية من
أجل العمولات والحفاظ على أمن
البلد اقتصاديا!!! في هذه
الإجراءات البسيطة كما تبدو يتم
تمرير أكبر عملية توزيع للثروة
الاجتماعية في سوريا بطريقة تصب
في نهاية الأمر في قنوات هذه
السلطة. وهذه الطرق وغيرها الكثير
لا يمكن لها أن تقبل التعايش مع
السوق المحلية التنافسية الحرة
وعلاقتها المباشرة مع السوق
العالمية تنافسيا واحتكاريا والتي
ينظمها قانون استثمار ومصارف
وحركية أموال حرة..الخ
فإذا كان الراحل حافظ الأسد قد
استند في صياغة نظامه على مجموعة
من العوامل ولكن أهمها هو :
1ـ المورد النفطي الذي تصرف به
بشكل مطلق وكما يريد لسلطته أن
تنبني.
2ـ الزبائنية في جلب الأموال
الخليجية بحجج شتى تارة إيران
وتارة قوات الردع التي دخلت إلى
لبنان والأهم اعتبار سوريا دولة
مواجهة مع إسرائيل وما ترتب على
ذلك من سحب أموال الخليج وليبيا
لمصلحة إعادة تجديد بنى السلطة
بالدرجة الأولى.
3ـ الحرب الباردة وفتح السوفييت
لخزينة الدولة السوفييتة لأمدادات
الجيش السوري بدليل أن انهيار
السوفييت كشف عن قروض بأكثر من
إثني عشر مليار دولار للسوفييت
على سوريا وهذا غير المساعدات
الكثيرة.
كلها كانت تنتج ريعا مجانيا
للسلطة استطاعت من خلاله أن تهضم
فائض اقتصادي يغطي كل مصاريف
الاستبداد وإعادة تجديده ويغطي
النهب الذي كان يتم في طريقة
توزيع الثروة القومية في سوريا.
4ـ دخوله إلى لبنان وما ترتب على
ذلك من أرباح أضافية لهذه السلطة
وتخلص من يد عاملة تشكل أزمة
للاقتصاد السوري لولا هذه المنافذ
التشغيلية وفتح أبواب الرزق أمام
السوريين وخصوصا العسكر من أجل
ألا يكونوا عبئا على الميزانية
الداخلية.
وعوامل غيرها كثيرة.. كل هذه
العوامل الآن افتقدتها سلطة
الرئيس بشار الأسد..مع العلم أن
سوريا بلد غني بموارده المتعددة.
لهذا يتبجح رئيس الوزراء السوري
أن سوريا فيها أمنا غذائيا
بالسبانخ والبندورة والباذنجان [
على أساس هي من حكمة السياسة
الاقتصادية للنهب وللفساد وليس
بسبب غنى سوريا الزراعي ]؟
كل هذا يشير أن الدولة
الاستبدادية باتت في طريق مسدود
في سوريا على الصعيد الاقتصادي.
إذا لم نضف مجمل عوامل أخرى كثيرة
ليس آخرها هذه السياسة الخارجية
العبقرية والتي أدخلت سوريا في
حالة مع المجتمع الدولي لا يعرف
أحد أين ستصل نتائجها.
هذا ما كان يقوي نظام الراحل حافظ
الأسد على المجتمع السوري ومن
ضمنه عدم وجود سوق وطنية خارج
سيطرة آليات الاستبداد ووفق حماية
دولة القانون والمؤسسات وحرية
الاستثمار وتنقل الأموال..الخ
هذه الحاجة للسوق الوطنية خارج
سيطرة السلطة السياسية هو ما
يحتاج إلى دولة قانون وليس سلطة
اللاقانون وفق أبجديات حالة
الطوارئ المفروضة على سوريا والتي
بوسع هذه السلطة التدخل من خلالها
وبشكل لاقانوني في كل مجالات
الحياة السورية.
وهذا ما نحاول إضاءته من خلال
التعرض لموضوع الدولة السورية
وعلاقتها بهذه السلطة. وقراءة
الحاجة للديمقراطية وفق الحاجة
للمشروع الرأسمالي التقليدي والذي
هو مشروع الحضارة حتى هذه اللحظة
وأبجدياته باتت معروفة للقاصي
والداني إلا بعض النظم المستبدة،
تعرف ولا تريد تحرير سوقا وطنية.
|