Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

أوجلان وكردستان الأوروبية

هوشنك أوسي

حلم تأسيس الدولة القومية لم يفارق المخيلة السَّياسية والثقافية والشَّعبية الكردية، ولا زال يراودها حتى اللحظة، ما أنعكس بشكل واضح على غالبية التجارب والمحطات النضالية التحررية للشعب الكردي منذ مطلع القرن المنصرم وحتى نهايته. وذلك، بأن كان تحقيق هدف الدولة القومية هو البوصلة الرئيسة الموجَّهة لتفاصيل الحراك النضالي الكردستاني، إلى درجة بات فيه الحياد عن مطلب الدولة القومية الموحِّدة والحاضنة لكل الكرد الموزَّعين على تركيا وسوريا والعراق وإيران والمهجر، ضرب من الخيانة في العُرفين السَّياسي والثقافي الكرديين. ربما لأن الشعب الكردي الذي يربو تعداده على أكثر من أربعين مليون نسمة، هو الشعب الوحيد الذي بقي محروماً من تواجده ضمن كيان قومي سياسي مستقل، أسوة بجيرانه والشعوب الأخرى. في حين اعتبر الكرد أنه لا ضير من تحقيق الحكم الذَّاتي أو الفدرالية كتكتيك أو كمرحلة انتقالية وصولاً للاستقلال التَّام الذي يشكَّل الهدف الاستراتيجي المتَّفق عليه بين غالبية أطياف المشهد السَّياسي الكردي.
فعلى مدى أكثر من عقدين، خاض الزعيم الكردي عبد الله أوجلان كفاحاً سياسياً ومسلحاً مريراً ضدَّ الدولة التركية، تحت شعار "كردستان حرَّة مستقلة موحَّدة". ومنذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، بدأت تتشكَّل لدى أوجلان إرهاصات قناعة تشي بأن الحرب التي يخوضها ضدَّ تركيا قد دخلت في نفق مظلم. وينبغي إجراء نقلة نوعية في مجمل المفاهيم الأيديولوجية والسَّياسية التقليدية التي بنى عليها حزبه وحربه. فحزب العمال الكردستاني الذي أسَّسه ولا زال يتزَّعمه أوجلان، كان محكوماً بعقيدتين متطرفتين، قومية كردية، ويسارية ماركسية. فعلى الرغم من احتواء الحزب الكردستاني على أتراك وعرب وسريان وأرمن وتركمان وأقليات أخرى إلى جانب الأكراد ضمن صفوفه، إلا أنه كان أنموذجاً للأحزاب القومية المتشدِّدة في تبنِّيه وطرحه للأهداف القومية، والسعي نحو تحقيقها عبر الوسائل العنفية.

وبغية إجراء تلك النقلة النوعية الآنفة الذكر، بدأ أوجلان بالتأسيس لمفاهيم الحل السلمي ضمن خطابه الأيديولوجي داخل وخارج الحزب، بعد أن كان قد رسَّخ منطق أو استراتيجية "الحرب الشعبية الطويلة الأمد" ضمن حزبه، مستفيداً من التجارب التحررية العالمية، خاصة الفيتنامية والصينية. ما جعل الحرب هي فلسفة الحزب، على اعتبارها الوسيلة الوحيدة الناجعة التي يمكن بها إجبار الأعداء على الانسحاب من كردستان. ففي بدايات هذا الحزب وحتى مطلع التسعينات، كان الجهد الأيديولوجي الأوجلاني منصبَّاً على تغذية وتطوير منطق الحرب ضمن الحزب، وتوسع رقعتها ضدَّ تركيا، وصولاً لجعلها نمطاً للحياة الحزبية، إلى درجة ربطه للحرب بقيم الحب والجمال حين كان يقول: "من يحارب سيتحرر، ومن يتحرر يصبح جميلاً، والإنسان الجميل يصبح منبعاً ومدعاة للحب...". وعليه، شاع ضمن حركة أوجلان مفردات ومفاهيم الحل السلمي الديمقراطي، على حساب تراجع منطق الحرب كاستراتيجية وحيدة إلى تكتيك مرحلي لخدمة أهداف سياسية. وقد تبلور هذا التوجُّه لدى أوجلان سنة 1993 عقب وقفه لإطلاق النار من جانب واحد، بعد أن كلَّف الرئيس التركي الراحل توغورت أوزال السيد جلال الطالباني كوسيط بينه وبين أوجلان. من ثم تتالت محاولات أوجلان جرَّ تركيا وحزبه للحل السلمي، عبر وقف إطلاق النار بشكل متكرر. وكان أوجلان في كل مرَّة يلاقي ممانعة داخلية من حزبه، ناهيكم عن عدم تجاوب تركيا لمساعيه. وخلال النصف الثاني من عقد التسعينات وحتى الآن، كان أوجلان مركزاً على تقليص وتخفيف الصبغة اليسارية التي كانت طاغية على حزبه، إلى جانب خفض سقف مطاليبه القومية من دولة حرَّة مستقلة موحَّدة إلى فدرالية ثم حكم ذاتي ثم الحقوق الديمقراطية ضمن دولة وطنية.

وخلال الماراتون الأوجلاني المليء بالانعطافات والاهتزازات الفكرية والأيديولوجية والسَّياسية الحادَّة، والذي استقرَّ على أطروحاته الأخيرة في الدولة الديمقراطية، السؤال البديهي الذي يقفز بنفسه على مائدة الطرح: لماذا، وكيف حدث هذا الانقلاب في التوجُّه الأوجلاني لحل القضية الكردية...؟!!. هل فعلاً كان هذا التوجُّه الجديد في التعاطي الأوجلاني مع القضية الكردية ناجماً عن عجز أو استسلام أو إفلاس، حسب خصومه الذين كانوا يكيلون له الاتهامات إلى درجة التخوين، أم أن هذا التوجُّه نجم عن قراءة دقيقة معمَّقة لوقائع التاريخ ومعطيات العصر والتوازنات الدولية وتعقيداتها...؟!. أعتقد أن أوجلان قد تنبَّه_ ولو بشكل متأخِّر_ لاستحالة إقامة دولة قومية كردية في الشرق الأوسط على المدى القريب. فلكي يقيم أوجلان دولة قومية للأكراد، ينبغي عليه أن يعادي دول المحيطة به وشعوبها، هذا إن استطاع كسب ود ورضا القوة الدولية الفاعلة. فضلاً عن عدم وجود أية منافذ بحرية لهذه الدولة "المفترضة" تكون متنفساً استراتيجياً تطل بها على العالم الخارجي. فما جدوى دولة محاطة بالأعداء، فضلاً عن تعقيدات الخصومة السَّياسية بين الزعامات الكردية الرئيسة، وصراعاتها المعروفة على القيادة، حتى قبل تأسيس الدولة. يعني، من الصعب جداً أن يقبل البارزاني أن يكون تحت قيادة الطالباني، ومن المستحيل أن يقبل الآخَرَين أن يكونا تحت قيادة أوجلان، والعكس صحيح. والتاريخ السَّياسي الكردي زاخر بالاقتتال الكردي_الكردي على الزعامة، خاصة في كردستان العراق. وبالتالي، فكل الظروف والمؤشرات الذاتية والموضوعية الداخلية والخارجية تشير إلى صعوبة قيام دولة كردية مستقلة في المدى القريب، على أقل تقدير.

لقد حاول أوجلان قبل اعتقاله إيصال أفكاره وطروحاته الجديدة لحل القضية الكردية للسلطات التركية، إلا أن الأخيرة كانت ومازالت تعي خطورة وحساسية الرؤى الأوجلانية على مستقبل تركيا وكينونتها. ولا يأتِ رفض تركيا القاطع لطروحات أوجلان من باب أنها صادرة من عدو لدود حارب تركيا، وفشلت الأخيرة في تصفيته عسكرياً، بل لأن أوجلان بطروحاته الجديدة، قد نقل وصعَّد حربه_ من معتقله في جزيرة إمرالي_ على النظام التركي لجبهة سياسية جديدة بالغة الإرباك والأهمية والتأثير على تركيا. فخطاب أوجلان بات متوافقاً والرؤى الأوروبية والأمريكية لحل القضية الكردية في تركيا، إلى درجة التطابق. والفارق بين الطرح الأوجلاني من جهة، والأوروبي والأمريكي لحل القضية الكردية في تركيا من جهة أخرى، أن أوجلان لم يتخلَّ عن الخيار المسلح، ولم يحلّ حزبه بشكل مجَّاني، دون ضمانات دستورية تركية، وسياسية أوروأمريكية. بل أبقى على الجناح المسلح لحزبه كقوة ردع استراتيجي للدفاع المشروع عن النفس، ريثما تتوفَّر الشروط والضمانات اللازمة للحل السَّياسي من كافة الأطراف المعنية.

الأكراد ثقافياً ولغوياً ونفسياً هم أقرب للنسق الأوروبي منه للنسق الشرق أوسطي العربي، فضلاً عن أنهم من حيث العِرق والجذور، من أصول أوروبية "آرية _ هندجرمانية". وقد أثبتت الكشوف والدراسات والأبحاث الأركولوجية على ذلك. فمجرَّد الحديث عن دولة كردية في المنطقة، يخلق ردَّة فعل عكسية ممانعة رافضة حتى الصعيد الشعبي. وعليه، حتى ولو تأسست دولة مستقلة في المنطقة، فإلى أية كتلة سياسية اقتصادية بشرية مجاورة لها سوف تنتمي..؟!. لا الجامعة العربية ستقبلها، ولا رابطة دول آسيا الوسطى التي كانت ضمن الاتحاد السُّوفيتي السَّابق، ولا الاتحاد الأوروبي سيقبله كعضو أو كشريك، لأن الأكراد ليسوا عرباً، ولا من شعوب القفقاس، وليس مدرجاً على خطَّة توسيع الاتحاد الأوروبي ضم دول جديدة، على شاكلة الدولة الكردية، فضلاً عن كون هذه الدولة ليست من دول حوض البحر الابيض المتوسط، حتى يتفر فيها شرط الشراكة الاوروبية مع الاتحاد الأوروبي. وتالياً، فإن الدولة الكردية سوف تكون نكرة ممنوعة من الصرف السَّياسي على الخارطة الجيواستراتيجية للمنطقة، هذا، في حال قبول القوة الفاعلة دولياً وإقليمياً قيام هذه الدولة. وما أعتقده أن هذا التصوّر ، هو ما دفع أوجلان إلى استبدال طرح الدولة القومية التي قاتل لأجلها بالدولة الوطنية الديمقراطية التي بدأ يقاتل لأجلها. فهذا المطلب لا يشكِّل أي عسر هضم سياسي تركياً وإقليمياً ودولياً، بالإضافة إلى معقولة تحققه قياساً بالدولة القومية المستقلة عن تركيا. وعلى فرض تحقق الطرح الأوجلاني_الأوروبي بتحوّل تركيا إلى دولة ديمقراطية كاملة، ولن يتحقق ذلك إلا بإيجاد حل عادل للقضية الكردية، لأن حل هذه القضية هو المعبر الوحيد لتركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، في حال تحقق هذا الطرح، يحصل المواطن الكردي في أقصى مناطق الرِّيف الكردي النائية في تركيا على حقوق تماثل حقوق المواطن الفرنسي أو الإنكليزي أو الألماني...الخ، بموجب الدستور والقانون الأوروبي. وتتحوَّل الجغرافية الطبيعية والبشرية في تركيا إلى جزء لا يتجزَّأ من أوروبا. وسوف يترتَّب على ذلك جملة من الإجراءات والتحولات الجذرية في مسار القضية الكردية عموماً وفي تركيا خصوصاً،ربماً أبرزها، تحوّل القضية الكردية إلى قضية أوروبية، وتخرج من كونها شأن داخلي تركي. فضلاً عن التبعات الجد هامة الناجمة عن عمليات وبرامج ومشاريع الإصلاح والتنمية السَّياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ستشهدها المناطق الكردية الأوروبية في تركيا. ومن شأن هذا أن يلقي بظلاله على الأجزاء الأخرى من كردستان الموزَّعة على العراق وإيران وسوريا. فكما هو معروف أنه سيكون لتركيا_ في حال انضمامها للاتحاد الأوروبي_ ممثيلن ونواباً في البرلمان الأوروبي والمؤسسات الأوروبية الأخرى ذات الصِّلة، وفق عدد سكان تركيا. وكما هو معروف أيضاً أن الأكراد في تركيا يشكِّلون حوالي 30% من إجمالي عدد سكان تركيا. وعليه، فسيكون حصَّتهم حوالي ثلث حصَّة تركيا من النوَّاب في البرلمان الأوروبي. وبالتالي، ستتشكل كتلة نيابية كردية في البرلمان الأوروبي، تكون مؤيّدة للمطالب الكردية داخل وخارج تركيا. فلكما اقتربت تركيا من أوروبا حضارياً وقانونياً، فإنها تبتعد عن الإرث الأتاتوركي القوموي البوليسي، وكلما أصبحت تركيا أكثر أوروبياً وديمقراطيةً، تقترب الأحلام والطموحات الكردية من التحقق. ومن يدري، فقد يُعرض مستقبل تركيا للاستفتاء على شعوبها، وتتحوَّل تركيا إلى دولة اتحادية فدرالية، أحد أقاليمها هو كردستان. طبعاً، هذه مسألة متروكة برسم المستقبل الكردي_التركي الذي أراد له أوجلان أن يكون أوروبياً.

أعتقد أن الأتراك يعون أكثر من الأكراد، حتى أكثر من رفاق أوجلان، التبعات المستقبلية العميقة لطروحاته السلمية لحل القضية الكردية ضمن تركيا ديمقراطية أوروبية. فالمناطق الكردية في تركيا هي الأكبر في معدَّلات الولادة والزّيادة السُّكانية، بحيث تبلغ أضغاف معدَّلاتها في المناطق التركية. وخلال عقد أو عقدين من الزمن، قد ترتفع نسبة الأكراد في تركيا لتبلغ حوالي 50% من إجمالي عدد السُّكان. وإن جرت انتخابات ديمقراطية نزيهة، بعيداً عن ضغوطات العسكر، قد ينال حزب أوجلان، أو أي حزب كردي آخر مقرَّب منه، الغالبية، وتسند له مهمَّة تشكيل الحكومة في تركيا. وهذا ما يفسِّر الاستماتة الشديدة من قبل العسكر التركي وبيادقه السَّياسية إلى جرّ أوجلان وحركته إلى خنادقه السَّابقة، عبر التمشيطات العسكرية الواسعة النطاق في المناطق الجبلية الكردية، والرَّامية إلى سحق حركته ومقاتليه. فالحشود العسكرية الجرارة للجيش التركي على الحدود التركية العراقية الإيرانية مؤخَّراً، ورغبتها في اجتياح كردستان العراق، بالتنسيق مع النظام الإيراني وبعض القوة الإقليمية والدولية، هي المحاولة أو الفرصة الأخيرة الممنوحة للجيش التركي، بغية تصفية حركة أوجلان عسكرياً، دون أن تعي بأن حركة أوجلان قد تجاوزت كونها ظاهرة سياسية تنظيمية أيديولوجية تقليدية، وصارت حالة متجذِّرة في الوجدان والوعي السَّياسي والثقافي الكردي في تركيا. فضلاً عن أن طروحات أوجلان باتت تضيّق الخناق على تركيا وتلقى استجابة من القوة الديمقراطية التركية والأوروبية. وأعتقد أن أوجلان الذي بات بيده مفاتيح مستقبل تركيا، رأى أن كردستان أوروبية مفتوحة ومنفتحة على النهضة الحضارية الاقتصادية السَّياسية الاجتماعية الثقافية...الخ المتنامية، أفضل منها أسيوية محاطة بالأعداء، وتنوء تحت أعباء التخلُّف الاقتصادي والسَّياسي والاجتامعي، فضلاً عن ويلات وكوارث وآثار الحروب.








 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE