Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

الحرية الفكرية والتعبير

صبحي درويش

هناك من يظن أن الحرية الفكرية تتناقض مع الإيمان،وأن العقل البشري محدود الطاقة. وهناك طائفة ترى أن كل الخطر في تلقي العلوم الإنسانية من الغرب في الفلسفة والتاريخ وعلم النفس والاجتماع. وترى طائفة أخرى أن الثقافة الغربية خطر على الدين والقيم والتراث. وهناك من يعتبر التفكير حراماً وخطيراً. و يرى آخرون أنه لا غبار على التفكير بحدود، أما التعبير فيجب أن يمر من قناة أمنية أو فقهية على المقاس. وعلى التعبير أن ينسجم مع أنغام الجوقة. وعلى المفكر أو الكاتب أن يقول قولاً لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً. في الواقع ان أنظمة الحكم في مجتمعاتنا بالغة السوء وكلما عدنا إلى التاريخ وأوغلنا في الماضي لن تقع عيوننا إلا على نظم اشد سوءا، ولن نجد مرحلة استطاع فيها المواطن أن يقول بالفم الملآن هذه بلادي وأنا انعم فيها بإنسانيتي وكرامتي، وأتمتع بجميع حقوقي، وعلى رأسها حرية الفكر والتعبير والمشاركة في الحكم وصنع القرار السياسي. يقول (الصادق النيهوم) في كتابه (محنة ثقافة مزورة) أنه: (طوال الفترة الواقعة بين عصر سومر وحتى ظهور الإسلام كانت الثقافة سلاحاً مهمته تجهيل الناس، وليس تثقيفهم ،تستخدمه الدولة والكنيسة علنا، في مؤامرة أدت إلى توطيد فواحش أخلاقية رهيبة في تاريخ الثقافات، منها تزوير الشرائع الإنسانية، الذي تكفل بتحويل الثقافة إلى عالم السحرة والمعجزات، وأخرج الدين من واقع الناس، وأفقده مهمته ومعناه معا.ولهذا السبب سكتت جميع الثقافات عن قضايا الإنسان، وفشلت في تطوير مجتمعات حقيقية محررة من الرق والربا و عبادة الأصنام الحية والميتة). ويرى عالم الاجتماع (علي الوردي) في كتابه (وعاظ السلاطين) أن: (البلاء يعم حين يحف بالحاكم مرتزقة من رجال الدين فهؤلاء يجعلونه ظل اللّه في أرضه ويأتون بالملائكة والأنبياء ليؤيدوه في حكمه الخبيث وبهذا يمسي الحاكم ذئباً في صورة حمل وديع). وعند غياب ضمانة المجتمع لحرية الفكر والحوار والجدل تصبح الثقافة كما كانت قديما في إدارة فرعون.والثقافة من دون الحرية الفكرية لا تستطيع أن تكون ثقافة إنسانية ولن تدافع عن عالم الناس وقضايا المجتمع وترتدي قناعا إنسانيا مزورا لافتعال عاصفة داخل فنجان وتقول كلاما كبيرا على لسان مثقف في حجم فأر على حد تعبير النيهوم. عندما زار المتنبي مصر في عصر كافور الأخشيدي وهو شاعر من أشهر شعراء العرب في كل العصور، لم يلتفت أبو الطيب المتنبي إلى فقر وبؤس الناس، وتشرد الأطفال والمتسولين في الطرقات،لم يشغله عذاب الناس وما يعاني أهل مصر من شظف العيش، لم يلفت اهتمامه ونظره
سوى كافور الأخشيدي شخصيا وكان يمدحه لنيل العطايا بأشعار تافهة منها قوله:
مولاي هل في الكأس فضل أناله فاني أغني منذ حين وتشرب
وبعد المدح هجا كافور بأشعار مسطحة كقوله: لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس منا كيد
لا نرى في هذا الشعر إلا خدمة أفكار قبيحة، وغير إنسانية، وغير لائقة بروح الشعر، فلا التسول حرفة إنسانية، ولا دعوة النخاسين لضرب المستعبدين بالعصي وصية تحتاج إلى شعر الشعراء.هذا الموقف المنحرف لم يكن عند المتنبي وحده، بل في الأدب العربي القديم كله.فالأدب لم يكن مسخرا لخدمة الناس ولم يولد لتغيير الواقع كما يقول أهل الأدب بل ولد لتبريره من وجهة نظر الملوك والسلاطين والإقطاع، بموجب أساطير لاعلاقة لها بالواقع.فالشعر العربي لايخاطب الناس إنما يحدثهم عن كرم الخليفة ومجالسه وحبه للشعر ولا يحفل بما يعانيه الناس في حياتهم.ورغم المنجزات الأدبية لم يترك الأدباء نصا واحدا ينادي بتحرير الرقيق أو توفير الضمان الاجتماعي للمواطنين أو مكافحة الاستبداد وإنهاء عصر الإقطاع.ولم تولد أول قصيدة تخاطب الأمة إلا على يد أحمد شوقي.ولا يزال المواطن اليوم محاصر في مثلث من المحرمات بين الدين والسياسة والجنس.وعندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم فالأزمة الحضارية التي نعاني منها هي أزمة فكر أولا وقبل كل شيء.يعتبر الفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن مئة دماغ في التاريخ تزيد وتنقص كانت خلف أسرار النهضة في أوربا ولو أجهضت بشكل أو آخر لسارت أوربا قرونا أخرى في ظل محاكم التفتيش حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وأوروبا لم تنهض إلا عندما حطمت قوتي الإقطاع والكنيسة لينهض مركب جديد متوازن من رأس المال والعمال وامتدادهما من النقابات والصحافة والأحزاب. وفي قناعتي لا حدود للحرية الفكرية ولا حدود للبحث العلمي و يجب تحريض التفكير وإطلاق التعبير بدون حدود وبدون خوف من المساءلة، لأن وظيفة الدماغ التفكير مثلما هي وظيفة القلب ضخ الدم والتنفس للرئتين. فمع خسوف شمس الفكر يشتد التعصب ،وينمو التطرف ،وينفجر وباء العنف وتكبر شجرة الديكتاتورية فيصل سعفها إلى أعلى من شجرة نخلة باسقة طلعها كأنه رؤوس الشياطين . ومع قدح زناد الفكر يشرق نور الوعي ويتأسس الإيمان، وتسمو الأخلاق، ويفشو السلام، وتزدهر شجرة الديمقراطية. هناك علاقة جدلية بين التفكير والتعبير.التفكير يقود آلياً إلى التعبير ما لم يصد بآليات الإرهاب الفكري والاستبداد السياسي أو السخرية والتكذيب والتعبير يؤثر في التفكير فينميه ويصححه ويعمق مجراه. ومن هنا يجب علينا إرساء قواعد حرية الفكر والتعبير والنشر التي تغذي روح الإبداع لدى الكاتب والمفكر وتحوله من مفكر وكاتب مقلد إلي إنسان مبدع يساهم في نهضة الحياة الفكرية.
لقد بني الكون على التعددية والتنوع من البشر والأنعام والجبال والطير والورد( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم)،و سمح الله للكافر بالبقاء على قيد الحياة وشمسه تشرق على الأبرار والأشرار، ومنح الخيار أمام الضمير (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) .ومن يؤمن ثم يكفر فحكمه إلى الله في الآخرة ولا يقتل في الدنيا من أجل تغيير رأيه أياً كان و حرية الاعتقاد مضمونة دخولا وخروجا واعتناقا وتبديلا وتغييرا.والمختلف لا يزيد عن مخطئ ضل طريقه إلى الحقيقة فيمكن أن يستفاد منه بالحوار والجدل بالتي هي أحسن. والأفكار يحكمها قانون (الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض)، فإذا كانت الأفكار زبداً ستذهب جفاء غير مأسوف عليها، وإن كانت صحيحة وصالحة وتنفع الناس فستمكث في الأرض وستظهر.وقصة التعايش مع الرأي الآخر والسماح للمخالف بالبقاء اعتبرها المؤرخ (توينبي) فضيلة للإسلام.. وسمح بسب الرسول والنطق بالكفر عند الخوف على الحياة (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). والله غني عن إيماننا وكفرنا، ومع الإكراه لا يبقى الإيمان إيمانا ولا الكفر كفرا. أعظم آية في كتاب الله ، آية الكرسي، التي هي في تعظيم الله وتنزيهه، وبعد هذه الآية تأتي مباشرة آية الرشد التي هي أعظم تكريم للإنسان خليفة الله في الأرض، والمنفوخ فيه من روحه، روح المعرفة والعلم والتسخير، تقول آية الرشد (لا إكراه في الدين ـ قد تبين الرشد من الغي ـ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ـ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها).
ومن المعلوم أن عليا (ر) حينما قاتل الخوارج لم يقاتلهم لأنهم غيَّروا رأيهم وبدَّلوا دينهم، وعندما سُئِل عنهم: أكفارٌ هم؟ أجاب: من الكفر فروا. قالوا سائلين: يا أمير المؤمنين: أو منافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله كثيرا!! كرروا سائلين: فما تقول فيهم إذاً؟ أجاب في قولته الشهيرة التي تعتبر من درر الحكم وقواعد التعامل الإنساني في قانونٍ مزلزلٍ في العلاقات: ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه!!. وكذلك لم يُنقل عن رسول الله (ص) أنه قتل مرتدا لأنه غيَّر رأيه فقط، كما لم يرسل أحداً يغتال الآخرين لمجرد آرائهم تبديلا وتحريفا، بل كان يقاتل من رَفع السيف على الناس لفرض الرأي بالقوة المسلحة، وتآمر وظاهر على الإجرام..(إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم وأخرجوكم من دياركم).
إذن من أين جاء حكم قتل المرتد؟ هل هو حكم فقهي فعلاً ؟ أم لعبة سياسية لتصفية كل لون من ألوان المعارضة الفكرية؟ هل هو من القرآن أم من كتاب أم من كتاب السيوطي (بلوغ المآرب في أخبار العقارب) ؟
في الواقع إنه حكم من جيوب فقهاء العصر المملوكي و سلاح سياسي خطير، من أجل أن يتخلص الحاكم من المعارضة ولكن بفتوى شرعية. وحين يتربع الدين على عرش الإرهاب فهو وراء كل إرهاب وما الاستبداد السياسي إلا تلميذ متواضع في مدرسته. ومنه حاجة العالم الإسلامي إلى (مارتن لوثر) إسلامي.
ولما سأل مندوب الإذاعة البريطانية المفكر (جمال البنا) عما إذا كان من حق فرد ما أن يغير دينه من الإسلام إلى أي ديانة أخرى. قال:( قلت له هل سألت أحدا قبلي من الأئمة الأعلام؟ قال سألت الدكتور عبد الصبور شاهين فقال إن من حقه أن يتنصر على ألا يجاهر بهذا، أي أن يبقى الأمر فيما بينه وبين نفسه. وقال سألت كذلك الدكتور عبد المعطي بيومي فقال لي إن حديث "من بدل دينه فاقتلوه عموم" يحكمه خصوص أحاديث أخرى تربط ما بين الردة ومفارقة الجماعة، التي كانت تعني وقتئذ "الخيانة العظمي" كما يقولون. وسألني المذيع رأيي؟ قلت له إن كلام الدكتور عبد الصبور شاهين لا معني له، فلا يمكن لأحد أن يعتنق دينا ويتكتم ذلك ولكل دينه شعائره التي يعد أداؤها إعلانا عنه ولا يمكن إلزام أحد بالتكتم على دينه، فضلا عن أن هذا يناقض "حق التعبير" الذي يعد تصديقا عمليا لحق حرية الاعتقاد كما أن كلام الدكتور عبد المعطي هو كلام بعض الفقهاء الذي لا يسلم به فقهاء آخرون، إن لم يرفضوا مبدأ تخصيص العام أصلا.. وبالتالي فلا يكون حلا. وفضلا عن هذا كله فإن الفقهاء لم يقنعوا بحديث "من بدل دينه فاقتلوه" (وبالمناسبة فإن الحديث وإن جاء في البخاري إلا أن الإمام مسلم يدخل رفض أن يدخر صحيحه أي حديث عن عكرمة ـ الذي روي هذا الحديث) فأبدعوا صيغة "من جحد معلوما من الدين بالضرورة يعد مرتدا ويطبق عليه حد الردة ويمكن للمحكمة باستجواب المتهم أن تجد مائة قضية تعد جحدا للمعلوم.والحقيقة التي يجب على الجميع أن يعلمونها ويسلموا بها تسليما أن حرية الاعتقاد مقررة في الإسلام ومفتوح بابها على مصراعيه "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" "لا إكراه في الدين" وقد ذكر القرآن الردة صراحة مرارا ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية ولاحظ ذلك الدكتور شلتوت رحمة الله عليه، والاحتجاج بحرب الردة في عهد أبي بكر مردود، فإن كثيرا من المرتدين كانوا مسلمين يؤدون الصلوات، ولكنهم رفضوا الخلافة المركزية أرادوا العودة مرة أخري إلى الأعراف القبلية ورفضوا دفع الزكاة فالقضية سياسية واقتصادية وليست عقيدية وقد أعلن ذلك أبو بكر عندما قال "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه للرسول لقاتلتهم عليه"، أما الأحاديث فالمفروض ألا يناقض أي حديث صريح القرآن).ولكن من نشأ في الاستعباد يشبه من اعتاد شرب السموم فلا يؤثر فيه لدغ الثعابين، ومن ولد في الـظلام يفاجأ بسطوع ضوء الشمس ويظن كما يحصل لحيوان الخلد أن الظلام هو أصل الأشياء.
وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في عام1948
المادة18
لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حده
المادة19
لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
وخلاصة القول إن حرية التفكير والتعبير هي البوابة الحقيقية لكل تغيير، فمنها وتحت رايتها تبدأ عمليات مكافحة الاستعباد وكشف الفساد ومراقبة الحكام وتفكيك سيطرة التخلف والكبت والتزمت على المجتمعات المتخلفة التي حرمها الاستبداد طويلا من ممارسة هذا الحق الطبيعي الذي نادت به الفلسفات الكبرى ونصت عليه المواثيق الدولية والقوانين..







 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE