أي ضمير اجتماعي يرافق الكاتب الكردي، في تناوله لموضوع ما؟
يحال الضمير كقيمة اجتماعية إلى الآخر، إلى المنظومة الخلقية التي
يعيشها
الكاتب، أي كاتب، والكردي هنا ضمناً، وهو يتعرض لموضوع ما، اعتماداً
على اسلوب
معين، ليكون الآخر مجتمعاً بشرياً مراقباً لما يعيش ويكتب، وهو مجتمع
يتوضع في
زمان ومكان معلومين، ويتميز بمستوى ثقافي محدد بالمقابل.
لا كاتب يكتب في الحالة هذه، دون مرجعية اجتماعية معينة، بوصفها ضميراً
مقتضى
بأمره نوعاً ما.
لا كاتب يتفكر موضوعاً أو يثيره إلا في ظل اعتبارات اجتماعية محددة
كذلك،
يتمثلها الضمير السابق ذكره.
لا كاتب يتقدم بموضوعه، إلا وثمة من يرافقه، أو يعززه، أو يقرأ له،
ويقيمه
قريباً منه أو بعيداً.
لا كاتب إلا ويضع نفسه في مكان/ موقع رمزي، يبرز فيه أثراً، وبلورة
صورة
اعتبارية له.
في الحيّز الكردي، كيف هو وضع الضمير الاجتماعي ذاك الذي يتجسده الكاتب
الكردي؟
تلك هي ورقة أخرى، تميز الكاتب الكردي، من خلال مناخات ومشاهد لا
تخطئها العين
هنا وهناك.
لا تصنيف أحادياً في الحالة هذه، لابد من ممارسة فرزية، بين كاتب وآخر.
سأغامر بالقول والكتابة، مشدداً على أن الغالبية( وهذه المفردة ليست
مجرد صنعة
أداتية إنشائية أو بلاغية أو مقاضاتية، إنما تستند إلى متابع ٍ لمجمل
ما يُطرح
محلياً على الأقل بوصفه نتاج الكاتب الكردي)، تعيش هاجس/ سلطة الضمير
الشقي!
إنه ضمير ارتزاقي، لصوصي، تكسبي، مساوماتي، زُلَفي، وجاهاتي، استقوائي،
تكتلي...الخ، إنه الضمير: الجنس في سلبية حضوره، بأنواعه الكثيرة من
خلال
الأمثلة المذكورة آنفاً.
في الكثير من النصوص المقروءة ورقياً بصورة أقل، والضوئية أنترنتياً
بصورة
أكثر، بسبب تنامي وتداول الضمير( الضامر) في أكثر تهافتاته وأدائه لما
يتصوره
كتابة ً في الظل، لا حضور لذلك الضمير الاجتماعي الذي يضمن تجلي كتابة
مدموغة
بروح مسؤولية الكاتب المقتدر، الكاتب الذي يكتب وهو يتلفت يميناً
ويساراً، كما
لو أن هناك ملايين الأعين تترصده، أو تتابعه فيما ينشغل به. هذه الأعين
لا
تتوضع في إطار الرقابة الضاغطة عليه، بغية تقزيم الروح الكتابية عنده،
وإنما
بوصفها متلهفة للحظة التي يختتم فيها نصه، ويدعها للقراءة، باعتبارها
ساكنة
كينونته بطريقة ما، في الوقت الذي يعرّف بنفسه في فضاء من العلاقات
الاجتماعية،
داخل نسيج هائل من صلات الوصل النفسية، داخل شبكة ضخمة من العلاقات
الاجتماعية:
الواقعية والمتخيلة.
لا بأس من التذكير بأسماء تضفي قيمة معرفية جلية المعالم على مقول قوله،
لا بأس
من الاستشهاد بكلمات لها وقعها النفسي، بجمل أو حتى مقاطع لذوي الفضل
المعرفي:
الفلسفي أو سواه، إبرازاً لذات واعية لمهمتها الثقافية، متبصرة للمدى
المجدي
لكل كلمة تتفوه بها، أو تسطرها، ولدلالاتها المحيطية كذلك، وتأكيداً
لحضورها
الفكري، لا بأس لكل ذلك لتفعيل بأسها المزعوم، وهي تعلن عن موقعها في
المواقف
التي تكسبها قيمة ذاتية في غير محلها، لأن الحضور الثقافي يتجاوز
الحالة، إنه
مؤكّد حقيقته في أكثر اللحظات تفعيلاً للذات المجتمعية ليس إلا.
الدفع به خارجاً أو داخلاً، الإيحاء الذاتي إليه بمؤثر جانبي، الاعتماد
الطفيلي
النصبي أوالتحايلي على هذا أو ذاك، الشحادة الجملية من هذا النص أو ذاك،
السطو
على هذه الفكرة أو تلك،التحرك في ظل من يفتقد الظل الجدير باسمه صراحةَ،
ممارسة
إغوائية معينة لهذا أو ذاك، ليكون صاحب اسم، مهما كانت النتائج، مخادعة
الذات
بتضخيم جمل، أو التعبير عن ذات لا وجود لها، ذات فاعلة في محيطها الضيق،
ذات
تحمل وزر صاحبها، في تطفله على المحيطين به، التقدم متراساً لا نبراساً
لسواه،
والتهاون في الكتابة عبر استسهال شأنها، إيهام القارىء، بدءاً من شخصه
كقارىء
مرافق له، أن ما يكتبه يمثله فعلاً، استخدام مفردات لافتة لا تخلو من
ريبة أو
شبهة المقصود بها، الصوت المتحدث بها يثير ظنون أقرب المقربين إليه، إذ
أنه
يبتغي استفزازاً، لفتَ نظر منتظراً، أو مأمولاً ليؤكد أنه كاتب كغيره،
كون
الكتابة عنده ، هي كيف يمكن لك أن تستثير الآخرين من حولك، بأكثر
المفردات
فظاظة وغرابة وترقيعاً، كما لو أن الكاتب صاحب تجربة فعلية في ميدانه،
معايش
الكلمة على وجوهها، معانق ذاتها في تنوع أحوالها ومناخاتها، يعني ما
يقول في
الصميم، وفي تنوع المواقف، وأكثرها خطورة نتائج.
يتعمد الكثير من الكتاب الكرد كيفية إثارة الآخرين، بوصفهم أمناء سر
الكلمة،
ذوي مقامات لا تخطئها العين، وهم قابعون في أقبيتهم الروحية، لا يجرؤون
على
الحضور حيث يستوجب الحضور الثقافي الفعلي، يكرهون التعبير بأسمائهم
الصريحة،
لأنهم أبعد ما يكونون عن علاقة القربى القائمة بين الاسم والمسمى،
والتعبير عما
يريدون صراحة، والإفصاح عن حقيقة ما هم عليه، واختيار الموقف الدقيق
الذي يحدد
فيهم الموقع الاجتماعي، أي باختصار: يتجردون من الضمير الاجتماعي الذي
يمنحهم
فرصة الاستمرار كتاباً، لأنهم منزوعو الرصيد الاجتماعي الفعلي، في
مواجهة
المواقف التي تثبت وجود الرصيد القيمي المذكور.
أي قيمة لضمير مهدور ذاتياً، حين يتقدم باسم هو خلافه/ زيفه المعاش،
إلا في
حلقة ضيقة ضيق أفق المعني به، يمارس ذكورة خجولة هنا وهناك، هنا أو
هناك، دون
أن يكون حقيقةً في أي منهما، بينما لا يجد غضاضة في أن يتقدم في هيئة
أنثى هي
لذة للقارىء، لتكون في الحد الأقصى من الزيف في الاسم، أو خلاف الأنثى
دون أي
ضرورة، إبعاداً لأي تخمين قريب، دون إدراك مدى الخسارة المعنوية
الباهظة في
ضياع أو فقدان نوع الجنس: ذكر أم أنثى، أم مخنث أم خنثى، أم هلامي، كما
هي حال
الكتابة التي تلي الاسم اللااسم؟
كيف يرتسم الضمير الخارج عن ذات خرائبية لا يجرؤ صاحبها على تسميتها،
فيكون
خسرانه المبين بما لا يعين؟
أي نوع من الضمير هذا الذي يتوزع بين كاتب دعوي يفوّض سواه بصورة ما،
وكاتب
مدَّع يقوض حقيقة كونه اسماً علماً وحقيقة ما يريد توضيحه وهو الموغل
في خواء
اللامسمى، وكاتب يُقض مضجعه بذاته، لأنه عاجز عن مواجهة ما يقوم به،
طالما لا
أرضية مادية تنتشله من عماء آخذ به في مجموعه، مخذولاً من لدنه بالذات؟
يمكن لهذا وأمثاله أن ينتشروا هنا وهناك في المجتمع، كما هي أي عدوى،
جائحة،
وباء، بالمعنى القيمي، أن يتم تبادل الأنخاب، الممادحة الطرفينية،
الاستمرار في
التبويق والتصفيق والتخريق التبادلي، ليعزز كل منهم ثقته بنفسه أكثر من
ذي قبل،
ويمنح نفسه، مثلما يمنح مقابله مضاء عزيمة مزيفة للبقاء في خانة الكاتب.
ألسنا بصدد وجه سافر من وجوه الحمى الاستعراضية للكاتب الكردي، وهو
يريد
التعريف بنفسه دون أن يكونها، أن يؤكد فعله الكتابي في فاعله المحوَّر،
أن يكون
صاحب صوت، وهو المجرّد الذاتي لصوته من كل خصوصية؟
إنها مكاشفة من نوع مختلف لأوراق اعتماد الكاتب الكردي، تلك تفتقد أي
قيمة
رمزية لاعتباره كاتباً.
لا مخرج من هذا الحضيض القيمي، أو بؤس الإرادة الكتابية، سوى بمواجهة
الذات،
وزنامة تصوراتها، في الخروج إلى واضحة النهار، حيث تكون الكتابة فعل
اختبار
لمصداقية مدعيها، كما تؤكد مستجدات الواقع المعاش، وليس التحايل على
الذات هنا
وهناك.
الذين يعتبرون أنفسهم كتاباً فعليين، ثمة كثير منهم يستلطفون وجود
أولئك بينهم،
يستأنسون بهم، يعززون تواجدهم، لأنهم يتلمسون فيهم الكثير مما يتمنون
قوله
مباشرة، فهم يتحملون المسؤولية الكبرى لهذا/ ذاك الوباء العددي
المتنامي هنا
وهناك، طالما أنهم يريدون حضوراً ثقافياً فاعلاً اعتماداً عليهم.
الكثير من المواقع/ القواقع العنترنتية الكردية، ضالعة في الإثم، إنها
تشهد على
مدى النخر الثقافي، وتراجع الحقيقي فيه/ كما هو ضلال الاسم الحركي
غالباً، وهو
يستنقع ذاتاً على ذات.
الكاتب هو من يمضي حتى النهاية، مأخوذاً باستقامة الذات الفاعلة فيه
ورحابة
أفقها، وفي المواقف التي تتطلب مكاشفة المصير، لتتأصل أخلاقيته المثاب
عليها.
ليكشف الكاتب الكردي الحق عن أوراقه إذاً