الكتاب: <<عاش باكراً>>
الكاتب:
دلدار فلمز
الناشر:
<<عبد المنعم ناشرون>>
من موضوعة
الحب يكتب الشاعر الكردي السوري دلدار فلمز. من عاطفة الحب يكتب
فلمز، ومن إيمانه بحقيقة الحب، وبأنه وسيلتنا الوحيدة للإمعان في
هذا العالم، وللهرب منه في آن. <<أسقط أنا في قميص روحك>> <<أقبل
شعرك في شغف>>. <<وردة من ظلال الألم البرّاق>> <<وردة محفوفة
بأبيض وساتان، على المرمر>> <<في ظلي أرى عصفورة نهديك>>... الخ.
المرأة مجمل قوله، وهي خيط السريالية في قصائده وفي حياته، وهي
التي تحرض نشاطه الشعري، حين يستحضرها في هذيان حلمي، وقصائد ليست
قاصرة عن تعبيرها الشعري.
في مجموعة
دلدار فلمز <<عاش باكراً>> صادرة عن دار <<عبد المنعم ناشرون>> في
حلب، نلحظ تيمتها الواحدة التي ترفعها الى مصاف الشعر الخالص، من
موسيقيتها التي تحدث رعشاتها في الموسيقى، رغم خلوها من الخبر
والحكاية والفلسفة. اذ يبتعد فلمز بقدر عن السردية التي لا تتوافق
مع حجم قصائده الصغيرة.
في قصيدة
<<لكِ>> يقول فلمز:
هذا الأسود/
يليق بك/ يستحق/عبوري/ كل ثانية
?
تمضين في
الأزقة/وتجف مياه قديمة/تحت قدميك/تموت العصافير/على سياج
داركم/تمضي روحك/وحيدة أيضاً/تترك شيئاً/من عطركِ
قصائد دلدار
فلمز تتميز بقدرتها على النقل وتوصيل دواخلها، إذ تبدو كل قصيدة
على حدة، تجربة مهمتها ان تبلغ من الشاعر إلى المتلقي. وفيما تبدو
بعض القصائد ذات اثر فني غامض ومغلق، يفصح مناخ الشاعر العام عن
تناول رقيق لأحوال عاشق تصطرع عنده تنافرات الحياة بقسوتها، فيعمد
إلى الشعر معيداً خلقها من خلاله، موازناً تناقضاتها ومشذباً
قسوتها. ثمة يأس ذاتي كامن في القصائد، يبدده الحب الذي يصنع نصر
القصيدة ويدفعها إلى الفيض بنوره.
يحتاج شعر
دلدار فلمز إلى نظرة شمولية على أجوائه. ذلك ان منظاراً فاحصاً
اكاديمياً إلى جزئياته سوف يبين خللاً غنائياً، او ايقاعياً اذا صح
التعبير، في مواضع من القصائد ذات السطور المتشابهة، الثقيلة في
تكرارها وفي ابتعادها عن تقنية السبك واللعب الفني. النقص في
الايقاع يتضح اكثر في بعض خواتيم القصائد المتروكة لمزاج الشاعر من
دون تدخل البناء الكامل الذي يأخذ بيد القصيدة حتى منتهاها.
إن الترابط
او <<الهارموني>> بين استهلال القصيدة الذي يبدو قوياً عند فلمز،
وبين نهايتها، يعاني عدم التحقق في مواضع قليلة: <<على الطاولة
الصغيرة/ في غرفتي البائسة>> او: <<في مرآة مؤطرة/ بالفضة
والعاج>>. او: <<وتخربين نظام الصوت والمياه/ ثم تسقطين قديسة
مدينتهم>>.
خيال
ما يعوض هذا
التسيّب في خواتيم بعض القصائد، هو عمل الخيال المدهش في استحضار
الصور، الذي يعزز قوة خلق القصيدة الكاملة، رغم انشغالاتها
المزاجية. اذ يمتلك الشاعر فلمز تلك القوة السحرية التركيبية التي
تجعل للقصيدة حياة ناجزة، تظهر في التوفيق بين الخصائص المتنافرة
للصور، وإسباغ الجدة على ما هو مألوف، والملاءمة بين غير المترابط،
ليبدو نظام القصيدة واحداً في خلق التوازن والاعتدال.
كتابة
محمومة قلقة، وسوداوية احياناً برغم الهدوء الظاهري الذي يشوبها.
وفيها ذلك الجزع من خوف التلاشي والفناء، من دون ان يكون الحب قد
تحقق، ومن دون ان يكون الوطن قد تحقق، ومن دون ان يكون <<اللقاء>>
بكل شيء، قد تحقق فعلاً.
في قصائد
دلدار فلمز نلحظ ايضا ذاتيتها واقتصارها على عالمها الخاص، ونأيها
عن صخب الحياة الخارجي. أيضا إيجازها وتصويريتها: أقيس العالم
بدخان سيجارتي/ حينما تبدأ القبلة تكون الحقيقة واضحة/ كل ما يصدر
عن دمي هو رماد الغد/ لون الاشجار هنا، يذكرني بلون صوتك/ أمسكني
المساء من يدي، ووضعني على تاج الصباح.
إلى الحب
الذي يشكل متنا عاما لإصدار دلدار فلمز <<عاش باكراً>> هنالك اللغة
الطيعة الناهضة بالقلق الوجودي الكامن خلف القصائد، إلى غربة
الشاعر التي تلوح مقيمة، عن كل محيطه وأرضه وناسه، وتتمثل في تلك
البروق التي يرسلها إلى احبة بعيدين تختصرهم الأم. فيما الرغبة
والشهوة تفصيلان واهيان، يتبعان الحب ولا ينفصلان عنه. فلا حسيّة
باذخة ومجردة عند فلمز، سوى أخيلتها التي تسعف الشعور العاطفي في
القصيدة، ولا تتفوق عليه.
عن
السفير