Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

أزمة المعارضة ومأزق الحركة الكردية

شمس الدين حمو
*

إن النظام الأمني الشمولي الحاكم في سوريا غيٌب الوعي الاجتماعي والسياسي للشعب السوري من خلال سلب الحريات و الحقوق , و سلخ عن الشعب ثقته بذاته كمجتمع قادر على إدارة نفسه بنفسه وذلك من خلال إنتاج وعي مشوه يرتكز إلى الخوف و الرعب و التبخيس الذاتي , مما أدى إلى فقدان النخب السياسية و الثقافية لتوازنها المعرفي متسبباً بإحداث شلل اجتماعي يحول دون وعيها لطبيعة المرحلة الراهنة ومتغيراتها التاريخية والعالمية فهذه النخب لا تزال تحاكم واقعها بناءً على وعي تم إنتاجه في ثمانينيات القرن الماضي الذي تكوٌن في ظل سيطرة مفهوم البقاء للأقوى والأقدر على ممارسة العنف . ولما كانت السلطة أكثر قدرة على ممارسة القوة القاهرة وتمتلك آلة قتل أكثر قوة و إرهاباً من معارضيها آنذاك , فاستمدت شرعيتها من قوة قهرها و مارست قوتها إلى أقصى مدى لآلتها مكرسةً شرعية القوة بدل شرعية الحق و القانون, فأصبحت معها الذهنية العامة عاجزةً عن إدراك واقعها خارج علاقة القوة والضعف , فلا السلطة قادرة على التخلي عن معادلة القوة ولا المعارضة قادرة على تخطيها , فالسلطة لا تزال تعمل على تكريس ذهنية الخوف من خلال تشديد قبضتها الأمنية وإطلاق يد أجهزتها التي لا تؤمن إلا بكم الأفواه وحجز الحريات وتبخيس الفكر و اعتقال المفكرين و المتنورين.
و المعارضة من جانبها لا تزال تتأرجح بين سياسة وقائية ترمي إلى درء خطر الأجهزة تلك من خلال عدم تبني
مشروع ديمقراطي حقيقي وتحاشيها لأية ممارسة سياسية تعبوية تعبئ الشارع من أجل تغيير حقيقي يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة , وبين رغبتها الخجولة في إحداث ذلك التغيير.
إن الموقف المتردد للمعارضة السورية أبعدها عن شارعها وحال دون امتلاكها قدرات تؤهلها لأن تتحول إلى معارضة حقيقية ذات وزن على المستويين الداخلي والخارجي . وهي في الوقت ذاته عاجزة عن الاستمرار في خطابها المبهم المتذبذب بين اللاموالاة واللامعارضة وهي تدرك أن سياسة المواربة التي مورست عبر عقود من الزمن لم تعد قادرة على تبرير انهزاميتها وعدم تصديها لللاستحقاقان الوطنية الملقاة على عاتقها كمعارضة وطنية منوط بها مهمة الدفاع عن المواطن والحقوق المجتمعية التي استبيحت من قبل النظام . فلا مناهضتها للعولمة ولا شتائمها للإمبريالية وغزوها الثقافي ولا تبجيلها للعمليات الإرهابية باسم المقاومة قادرة على تغطية تقاعسها تجاه مهامها الوطنية الديمقراطية .
إن المعارضة السورية إذا ما أرادت الخروج من شرنقتها وإذا ما أرادت أن تكون قوة اجتماعية حقيقية عليها أن تتغلب على ذاتها وتزيل التكلس من مفاصلها من خلال إعادة النظر في خطابها السياسي الذي لم يعد يتماشى مع طبيعة العصر , وعليها أن تنطلق من حقائق الواقع بعقلية متفتحة وآفاق رحبة تنطلق من الواقع الاجتماعي بحيث تأخذ بعين الاعتبار كامل مكونات الشعب السوري , والإيمان بقدرة الشعب على إحداث التغيير إذا ما استنهضت قواه الحقيقية , وعليها أن تعيد النظر في طبيعة فهمها لقضية الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية كشريك حقيقي وأساسي للشعب العربي والمكونات الأخرى والعمل على إنجاز مشروع حقيقي للتغيير يهدف إلى حفظ الحقوق والحريات الجماعية والفردية .
إن التردد في موقف المعارضة السورية يضع الحركة الكردية في مأزق الخيارات السياسية , فلا هي قادرة أن تطرح لذاتها مشروعاً مستقلاً عن المعارضة , وهي التي مارست سياسةً وقائية طيلة العقود الماضية ليس فقط لدرء شراسة النظام القمعي وإرهابه بل أيضاً لدرء تهديدات الحركة الوطنية وارهابها الفكري الذي مارسته بحماس أكبر بكثير من حماسها للدفاع عن الحقوق والمواطنة , وهي لا تزال تمارس لهجتها تلك من خلال اتهام الحركة الكردية بنعوت الانفصالية والاستقواء بالخارج , حتى الفصيل المتقدم في طرحه حزب العمل الشيوعي الذي تبنى شعار حق تقرير المصير للأمة الكردية منذ سبعينيات القرن الماضي لم يعد متمسكاً بشعاره بل بات يميل إلى المصالحة مع مواقف الأطراف الأخرى , وكأن سقوط الإتحاد السوفييتي أسقط المبادئ التي حملها الماركسيون أو أن ذلك الشعار كان مزاودة على الحركة الكردية آنذاك .
إن أزمة الحركة الوطنية السورية تتجلى على شكل مأزق تاريخي تعيشها الحركة التحررية الكردية في سوريا فهي تعيش حالة انفصام بين ما تمليها متغيرات الواقع من استحقاقات توجب التغيير في الخطاب السياسي الكردي وفي بنيان الحركة الكردية من جهة , ومن جهة أخرى عجزها عن تخطي العقلية التي هيمنت نتيجة الإدمان على الخوف وممارسة السياسة الوقائية طيلة العقود الماضية , هي تعيش حالة التذبذب بين الالتحاق بجماهيرها التي لم تعد تنطلي عليها محاولات الالتفاف على قضيتها عبر التلاعب بالألفاظ والمصطلحات والتمترس خلف شعارات السياسة الواقعية والحكيمة التي اتبعتها القيادات الحكيمة طيلة نصف قرن من الزمان وبين الاحتفاظ بإرثها الذي لم يكن يوماً بمستوى تطلعات الشعب الكردي وأن تجتر مقولاتها المهترئة وتعيد سياساتها الانهزامية التي تقزم من قضية شعبنا الذي يعيش على أرض آبائه وأجداده منذ آلاف السنين , والذي لم يعد يقبل أن يكون أقل شأناً من جيرانه من الشعوب التي وفدت إلى المنطقة في مراحل لاحقة من وجود الشعب الكردي ولم تعد تخدعه أحابيل الآخرين ومبررات غزوهم واستيلائهم على المنطقة , فقد ولّى عصر الاحتيال على الشعوب .
إن الحركة الكردية أمام خيارين لا ثالث لهما , إمّا أن تتبوأ مكانها اللائق بها في مقدمة شعبها لتقوده إلى الحرية والخلاص أو أن يتجاوزها شعبها ويلقي بها في زوايا الإهمال والانقراض .


*عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE