|
ْالطبل*
بير رستم
أسوأ ما في الأمر أن لا يفهمك
الآخر، وذلك عندما تتناول موضوع
ما وتحاول أن تبحث في جذور المشكل
العلاقة بين ما هو راهن وواقع
تعيشه وبين أسس وبنى هذه
الإشكاليات - الضاربة بجذورها في
عمق التاريخ والنصوص المقدسة -
والتي نعاني منها؛ إن كان على
المستوى النصي أو على مستوى
العلاقات الإنسانية الإنسانية
وفي كل الجوانب والنواحي، إن كانت
اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية
(ثقافية معرفية). فعندها تكون
الكارثة الكبرى، والقطيعة
والأحكام المسبقة هي سيدة الموقف.
فعندما تناولنا موضوع السيد نوري
بريمو؛ عضو اللجنة السياسية في
حزب الوحدة الديموقراطي الكردي
يكيتي عرفنا إننا بصدد موضوع جد
حساس وذلك لأسباب عدة، لسنا بصدد
بحثها ودراستها. ولذلك توخينا
الحذر بأن نكون موضوعيين ومنصفين
قدر ما يمكن، هذه من جهة أما من
الجهة الأخرى فإننا بحثنا وكما
أسلفنا في جذر المشكل العلاقة
وذلك لكي نبتعد، وأيضاً قدر
المستطاع، عن المسائل والحساسيات
الشخصية، ولكن يبدو أن هناك من
يحاول دائماً أن يشخصن الأمور
والمسائل الإشكالية وأن يجعلنا
طبولاً للآخرين؛ وها هو أحدهم
يحاول أن يجرنا إلى هكذا مواقع.
بداية لا أعلم لما يطلب هؤلاء
السادة منا أن نكون بطيئين
وبليدين، وذلك في عصر السرعة
وثورة المعلوماتية، وهم يقولون
ويكررون هذه العبارة؛ "مهلاً أيها
السادة"، بل ها هو الأخير يكتب
"ألهذه الدرجة كنت على عجلة من
أمرك، كي تنشر مقالك بعد يومين من
صدور بيان نوري بريمو!؟". لا نعلم
ما هو الغريب أن ننشر مقالنا بعد
يومين من بيان نوري بريمو، أكان
علينا الانتظار لتبيان مواقف
"القيادات" الكوردية ومن ثم ندلي
بدلونا وبالتالي نكون طبولاً
لغيرنا، أم ليس لديه القدرة بعد
على أن المعلومة لا تحتاج إلى
الحمام الزاجل لتصل إلينا بعد
أشهر وأيام، مع العلم أنه هو
الآخر قد رد علينا بعد يومين وهذا
ليس بغريب في زمن الانترنت.
إن هذا السيد قد وقف عند مجموعة
نقاط سماها هو مغالطات وسوف
نتناولها الواحدة تلو الأخرى.
أولى هذه النقاط أو المغالطات حسب
رأيه هو؛ "المقارنة الغير موفقة
والمجحفة ما بين خدام ونوري
بريمو". عندما قرأنا هذه الجملة
قلنا للرجل بعض الحق، فكل من
هؤلاء السادة ينتمي إلى ضفة
أيديولوجية مختلفة وهنا يكمن بعض
الإجحاف عندما نقوم بالمقارنة بين
الاثنين، على الرغم إننا نوهنا في
مقالنا ذاك؛ "زمن الانقلابات بين
خدام وبريمو" إننا ندرس العقلية
الكامنة وراء هذه الانقلابات وليس
الحالة الراهنة. لكن وبعد أن
أكملنا الجملة، اكتشفنا أن الرجل
لا يعطي لهذه النقطة أية أهمية بل
كان جل اهتمامه واستغرابه؛ إننا
جعلنا سنوات السيدين نوري بريمو و
عبد الحليم خدام في القيادة
متساويتين وهذا ما استنكره علينا
ولذلك كتب؛ "يبدو لي أن هناك
احتمالين وراء كلامه هذا. الأول:
إما أن بير رستم ليس على اطلاع
تام على الحياة السياسية للمناضل
نوري بريمو مع أن هذا الأخير ابن
منطقته، فسنين بريمو في قيادة حزب
الوحدة لا تتعدى عدد الأصبع
الواحدة، فمن الذي هوس في إذنه
وقال له بأن بريمو قيادي منذ ما
يقارب 35 سنة؟ الاحتمال الثاني:
أنه وضع عمداً أمام كل سنة من
سنين وجوده في قيادة حزب الوحدة
نقطة (.) فأصبحت كل سنة عشر
سنين".
لنلاحظ أولاً هوس هؤلاء بمفاهيم
الخيانة والإدانة والتجسس؛ لا يا
"سيدي" لم يهمس وليس يـ"هوس"
أحد في أذننا بأن عدد سنين نوري
بريمو هي ثلاثة عقود ونيف بل هو
الذي قال في بيانه؛ "وبعد أن خضت
تجربة نضالية غنية تمتد إلى أكثر
من ثلاثة عقود زمنية من العمل
المتواصل في صفوف الحركة الكوردية
(إبتداءً من البارتي ـ مروراً
بحزب العمل ـ وصولاً إلى
اليكيتي)". فالذي يمضي كل هذه
السنوات من عمره في الحركة
السياسية الكوردية وخاصة عندما
يكون أحد رموز الانشقاق سوف يحتل
المراكز القيادية ومنذ البداية،
وكوننا أبناء منطقة واحدة كما
نوهت أنت فإننا نعلم جيداً بأن
الأخ نوري بريمو ومنذ انشقاق حزب
العمل عن البارتي هو أحد قياداته،
وبالتالي فسنواته في القيادة
تتجاوز أصابع اليد الواحدة بكثير
وليس عدد الأصبع الواحدة كما
قلت ولعلمك إن عضو اللجنة
المنطقية يعتبر من القياديين وليس
فقط عضو اللجنة السياسية كما فهمت
معنى القيادة.
الملاحظة أو "المغالطة" الثانية
والتي يأخذها علينا هي؛ "ترى عن
أية موازين وأية أعراف
وبروتوكولات وقرارات حزبية يتكلم
كاتبنا؟ وهو الذي خارج الحركة
القومية الكردية برمتها! فهو طيلة
سنوات عمره التي تتجاوز الخمس
والأربعين لم يدخل خيمة الحركة
القومية الكردية ( وهو حر بطبيعة
الحال ) إلا بضعة أشهر عندما كان
طالباً في الصف الثاني عشر، لا بل
والحق يجب أن يقال أنه في الوقت
الذي كان بريمو ورفاق حزبه ومجموع
أعضاء فصائل الحركة القومية
الكردية يقارعون أعداء القضية
الكردية في الجزء الكردستاني
الملحق بسوريا كان كاتبنا يشرب
الخمر و... ". إنه هنا لا يخرج عن
مبادئ الآداب فقط وإنما يتجنى على
الحقائق والتاريخ؛ فمن جهة
ولعلمك، الحركة القومية الكوردية
لا تعني فقط الأحزاب والحركة
السياسية وإنما هي مجموع
الفعاليات والقوى التي تكون مجموع
الحراك الشعبي الجماهيري؛ من
قوى وفعاليات اقتصادية، سياسية،
ثقافية ومعرفية ومنظمات مدنية
حقوقية والمهتمة بالبيئة والحيوان
و.. الخ. أي كل القوى التي تحرك
التاريخ البشري لمجموعة عرقية ما،
تعتبر الحركة القومية لها، ومن
جهة أخرى إنك تتجنى على تاريخنا
الشخصي، ولن ندخل معك أو غيرك في
مزاودة على بطولاتنا النضالية،
فلقد تركنا لك ولأمثالك هذه
البطولات، ولكن - وعلى الأقل -
كان الأجدر أن تقول الحقائق كما
هي؛ "فدخولنا تحت خيمة الحركة
القومية الكردية" كما تفهمها
أنت أكثر من ذاك التاريخ الذي
ذكرته بكثير، بل هي بسنوات يا
"سيد" وليس بأشهر كما أدعيت. أما
مسألة شربنا "للخمر و.. " فإننا
نترفع عن الرد عليه.
وأما ما يتعلق بـ"المغالطة
الثالثة" فسوف نكتفي بالاقتباس من
مقالنا السابق وما كتبناه بصدد
إدارة الصراع والخلاف مع الآخر
والحلول المطروحة للخروج من هكذا
أزمات وما يقوَلنا هذا الرجل بعد
أن يجزأ النص ويلعب بالتراكيب
بحيث يتغير المعنى والمراد. إننا
كتبنا في مقالنا "زمن الانقلابات"
بهذا الصدد ما يلي؛ (وأخيراً
نتساءل مع المتصوفة والتائهين
والمشردين، على أبواب الجنة
والجحيم، ما الحل؟ وذلك قبل أن
نقول ما العمل؟. هل هو في تبديل
إله بإله آخر وبالتالي أن نحطم
جموع الأصنام هذه كما فعل محمد
عندما دخل مكة؛ "بيت الله" ورأى
جموع الأصنام الآلهة، فأخذ
بعصاه وبدأ بتحطيمهم وهو يقول:
"جاء الحق وزهق الباطل" إلى أن
أبقى على إله أبيه؛ "الله" وجعله
إلهاً واحداً أحد لا شريك له،
وكان الاستبداد والرأي الواحد
والحزب الواحد والقائد الأوحد. أم
أن نتمرد على طريقة "إبليس" ويكون
مصيرك كمصيره الطرد من الجنة، من
الحزب لتقوم بتشكيل حزبك الجديد،
لتقوم أنت الآخر بطرد غيرك من
الحزب - الجنة التي أوجدتها على
مقاسك، وهكذا تستمر دورة العنف
والإقصاء ونفي الآخر، كما في
الحالة الأولى وإن كانت بأوجه
وزعامات أخرى. أو تكون خانعاً
خاضعاً على طريقة آدم وبنيه
لتستمر في تفريخ المدجنين
والمصفقين بحياة الملك. وهناك
أيضاً كهوف أو أبراج الكهنة
والعلماء والمثقفين المتصوفة
والاعتكاف فيه وأنت تفلسف الحياة
عوضاً عن أن تعيشه وهذه تؤدي بك
إما إلى الجنون أو الكفر والإلحاد
بكل شيء).
هذا ما قلنا وهي حالة عمومية لا
تقتصر على السيد نوري بريمو
وغيره، بل نحن نناقش بنية الأزمة
الفكرية في مجتمعاتنا ذات الصفة
الشمولية لكن نعتقد إن هذا
الرجل يحتاج إلى الكثير الكثير
لإدراك المعنى من تحليلنا السابق
له. نعم كان ذاك ما قلناه، أما ما
يورده على لساننا بخصوص هذه
المسألة، بعد أن يحرفها، فها هو؛
" المغالطة الثالثة: التي أوقع
نفسه فيها تكمن في الاتهام المسبق
لبريمو، وذلك عندما يقول: ((....
لتقوم بتشكيل حزب جديد ويصبح هو
الرئيس ويقوم بدره بطرد غيره ...
ويستمر في تفريغ المدجنين
والمصفقين بحياة الملك... )).
تصور بير رستم في مخيلته بأن
بريمو شق حزب الوحدة لكي يصبح هو
الآخر زعيمه الأوحد، بل
وديكتاتوره". وهنا نترك القارئ
الكريم ليقارن بين النصين ويحكم
بنفسه.
أما ما يتعلق بالموضوعية والإنصاف
أو ما كتبه في "المغالطة الرابعة"
فنقول إننا حاولنا قدر الإمكان أن
نكون منصفين وموضوعيين ولم نخوًن
أو قمنا بشتم أحد كما فعل غيرنا،
بل هم حاولوا أن ينالوا من
الخصوصيات الشخصية لنا. وإذا كنت
تأخذ علينا؛ على أننا لم نذكر
النقاط الإيجابية في بيان السيد
نوري بريمو، كأساس لعدم الموضوعية
والإنصاف، مع إننا لم نقم بفك
وتحليل البنية النصية والدلالية
للبيان المذكور وإنما وكما نوهنا،
حللنا الذهنية والعقلية
الاستبدادية في الشرق، فها أنت
أيضاً تأخذ "المغالطات"، والتي
أخذتها علينا، وتقوم بشرحها وذلك
دون أن تذكر وتحلل نقاط الالتقاء
معنا. وهذه ليست أولى تناقضات
المفهوم والنص لديك ولا آخرها،
وعلى سبيل الذكر نقول: إنك تورد
ومن خلال ردك؛ "فعندما اعتذر
إسماعيل عمر عن ترشحه لمنصب
السكرتير مرة أخرى، رشح شيخ آلي
نفسه ونجح، لكن المؤتمرين لم
يقبلوا سكرتيرية شيخ آلي للحزب،
فضغطوا على إسماعيل عمر أن يرشح
نفسه لمنصب رئاسة الحزب، وهذا ما
حدث، وهذا دليل آخر على عدم ثقة
رفاق حزب الوحدة بسكرتيرهم
الجديد". لا نعلم كيف استقام
الأمر عندكم؛ فمن جهة يرشح السيد
شيخ آلي نفسه في المؤتمر وينجح
ومن جهة أخرى لا يقبل به
المؤتمرون، فمن الذي أنجح السيد
شيخ آلي إذاً، هذا ما لا نفهمه.
وبالمناسبة لسنا ممن يدفعون عن
هذا الشيخ أو ذاك الزعيم، بل نريد
أن نحلل الوقائع بعقلية باردة ومن
دون انفعالات حماسية، وهكذا يتبين
من منا هو الانتهازي ويحمل الحقد
والضغينة تجاه الآخر المخالف
والمغاير، وأيضاً تعلم جيداً إننا
كنا وما زلنا على خلاف مع أكثرية
القيادات الكوردية، في حين كان
غيرنا يتسولون على أبوابهم والآن
غيروا أسهم بوصلاتهم باتجاهات
أخرى، ومنها هذه القيادة التي
تحاول أن تغمز من قناتنا به؛
بأننا نحاول أن نسترضيها ونكسب
عطاياها.
وبالنسبة إلى "المغالطة الخامسة"
والأخيرة والتي نفتخر بها ونود أن
تصبح واحدة من الحقائق وإن
اعتبرتها "مغالطة"؛ فهي ما تتعلق
بـ (يريد أن يخلق من نفسه صادق
جلال العظمة " الكردي").
بالمناسبة أسمه صادق جلال العظم
وليس "العظمة"، وإننا نحترم جل
كتابات هذا المفكر السوري ولا
نخفي إعجابنا ببعض كتاباته ومنها
تحليله الرائع "لمأساة إبليس" وهو
شرف لنا أن نكون "صادق جلال
العظم" الكوردي، مع التأكيد على
أننا نريد أن يكون لنا شخصيتنا
وخصوصيتنا المعرفية والفكرية ولا
نريد أن نكون طبلاً له أو لغيره،
نكرر مقولاته السابقة، هذا ما
نحاوله وذلك عندما نتناول الفكر
الأسطوري الديني، و لربما ننجح
أو نفشل في محاولتنا هذه، وهذه
نتركها للتاريخ والأجيال القادمة.
وأخيراً وللحقيقة نقول: إننا
عندما أرسلنا مقالنا موضع الإشكال
إلى الأخ عارف جابو؛ المشرف على
إدارة القسم العربي في موقع عفرين
نت، كان جوابه وكما جائنا من
خلال الإيميل ما يلي: مرحبا ايها
العزيز دائما. تحياتي والشكر
الجزيل لك.. سلمت يداك على المقال
الجميل الذي سينشر الليلة في
عفرين نت... إنني أشاطرك الرأي
تماما واشد على يدك والآخرين...
كنت قد قررت أن ابتعد تماما عن
هذه الأزمة الجديدة وبالتالي ألا
ننشر أي شيء في الموقع حول
الموضوع بدءا من البيان العسكري
رقم واحد وما سيأتينا من ردود
عليه أو تأييد له، ولكن المقال
الجميل وموضوعيتك قد جعلتني أعيد
التفكير والرجوع عن القرار ونشر
المقال... هذا والسبب في قرارا
عدم الخوض في الموضوع هو الخشية
من دخول البعض من الازلام على
الخط وفتح باب المهاترات والسباب
وغير ذلك من افرازات ثقافة النفي
والشتيمة... مرة أخرى لك الشكر
والتحية. عارف". لقد صدقت يا
عزيزي؛ فيبدو أننا لن ننتهي من
ذيلية "الأزلام" أبداً، وسوف
نكتفي بإجابة الأخ عارف جابو على
هؤلاء وهو الذي نشر لأحد هؤلاء
"الأزلام" رده علينا سوياً.
.......................................................................................................
(*) الطبل
: عبارة عن أداة موسيقية شعبية
فلكلورية وتصنع من جلود الحيوانات
بعد أن تشد ومن الجهتين على خشبة
اسطوانية ويضرب عليها إما باليد
أو العصا ويسمى بالكوردي "كوبال"
ويرافقها عصا أرفع منها في الجهة
الثانية ولها؛ أي للطبل صوت عظيم
وضخم ولكن يتم بفعل فاعل، أي من
خلال الضارب على الطبل أما إذا
تركتها لوحدها فلا صوت ولا فعل
لها ولذلك يستخدم هذا المثل؛ "إنه
كالطبل" لمن يكون صدى لغيره وهي
رفيقة الزرنا لكي تدبك عليها في
الأعراس الريفية.
جندريس-2006.
|