Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

ًالحركة الكردية وظاهرة تقليد السلطة ( البعث )

بقلم الدكتور عبد الحكيم بشار*

ما سأعرضه من موضوعات أعتقد أنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة دون الادعاء بامتلاك كامل الحقيقة لذلك فإن ما يتضمنه المقال هو عبارة عن وجهة نظر غير موجهة ضد أحد أو مناصرة لأجد ، وإنما هو عبارة عن استعراض أتوخى فيه الموضوعية ، لذلك أتمنى الوقوف عليه والتعامل معه بإيجابية وموضوعية بعيدة عن ردة الفعل والادعاء بامتلاك كامل الحقيقة لعل الحوار والإشارة إلى السلبيات بموضوعية وإن كان إحراجاً للبعض فليس الهدف هو إحراجهم وإنما لتذكيرهم ببعض القضايا لأنه في المحصلة كلنا معنيون ومسؤولون بهذا الشكل أو ذاك عن واقع الحركة .
فكما نعلم أن حزب البعث يتمسك بالسلطة وكافة مفاصل الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في سوريا منذ أكثر من أربعة عقود ، ورغم هذه الفترة المديدة ورغم الشعارات التي يعج بها الشارع السوري وجرائد السلطة وجدران الدوائر الرسمية ، يخيل للمرء أن ما يقدمه البعث لهذا البلد خلال عقد من الزمن يتجاوز أكثر ممال تقدمه أية حكومة أخرى في بلد آخر خلال عقود من الزمن ، ورغم ذلك فإن البلد يراوح في مكانه بل يتأخر نسبة للزمن الذي نحن فيه وإن جميع القضايا الداخلية عالقة منذ عقود من الزمن دون حل وإنما هناك تراكم للقضايا والمسائل العالقة ، تراكم للأخطاء وتراكم للفساد الإداري والاقتصادي … إلخ
لسنا بصدد الولوج فيها وإنما سندرس بعض الجوانب لدى حزب البعث وإسقاطها على الحركة الكردية وهي :
1- حزب البعث والإصلاحات : منذ عقود وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز النظام العالمي الجديد بمعظم مفاهيمه بدأ حزب البعث بالحديث عن الإصلاحات الداخلية ( داخا الحزب ) لمواءمة نفسه مع التطورات العالمية ، ولكن المتتبع لمسيرة البعث يتأكد لديه أن لا إصلاحات حقيقية حتى الآن وإنما هناك إصلاحات شكلية وهي كثيرة تطال الأشخاص وتقيد مواقعهم ، ورغم سعة هذه الإصلاحات من حيث الشكل ( تغيير معظم أعضاء القيادتين القطرية والقومية ) تغيير الفروع وأمنائها ، تغيير الشعب الحزبية ، وتغيير الحكومة لمرات عديدة ، إلا أن جميع هذه التغييرات بقيت شكلية ولم تمس جوهر الحزب وبنيته وهيكليته وأسلوب تفكيره وإدارته ومنهجية عمله ، وكل الأمور الجوهرية المحركة لمسيرة الحزب وتطوره .
أما الحركة الكردية في سوريا ومنذ ثلاثة عقود من الزمن فلم تحصل فيها أية إصلاحات تذكر ( بل لم تحصل إصلاحات نهائياً ) حتى الشكلية منها ، رغم أن حديثنا عن الإصلاحات يتجاوز كثيراً حديث مسؤولي السلطة بل نحن الذين نطالب السلطة بالإصلاحات وكأننا قد انتهينا منها منذ فترة ودخلنا مرحلة متطورة من الإصلاحات لذلك نطالب السلطة بتطبيقها ونقدم لها النصح والمشورة اللازمتين ونرسم لها الدليل ، ولكن وحتى هذه اللحظة فإن معظم الأحزاب الكردية بقيت تعيش مرحلة الحرب الباردة فمعظم القيادات الكردية إن لم نقل جميعها استمرت لعقود من الزمن في مراكزها دون تغيير وخاصة الهيئات القيادية منها ( اللجان المركزية – المكاتب السياسية – السكرتاريا ) وإنما ازداد عدد أعضاء اللجان ، اللجان المركزية – القيادات بسبب حالة التشتت والتشرذم الأمر الذي يضطرون الحركة فيه إلى ضم عناصر قيادية جديدة إليها لملء الشاغر وليس لتحقيق التحديث والتغيير والإصلاح مع بقاء كل العناصر القديمة في أماكنها وهيمنتها على القرار السياسي والتنظيمي للحزب وبقاء دور العناصر الجديدة محدوداً وثانوياً ( يستثنى من هذه الحالة حزب اليكيتي حيث أن نظامه الداخلي مختلف عن باقي الأطراف ) لذلك فإنه حتى هذه التغييرات الشكلية التي نفذها حزب البعث لم تنفذها الحركة الكردية بل بقيت في محلها ومنذ عقود شكلاً ومضموناً ( لا إصلاحات شكلية ولا إصلاحات فعلية وجوهرية ) .
2- حزب البعث – الحركة الكردية وقضية الديمقراطية :
رغم أن حزب البعث لا يتضمن اسمه أية كلمة أو جملة دالة على الديمقراطية ( حزب البعث العربي الاشتراكي ) ولكن فإن الحزب في خطابه السياسي والأيديولوجي يدعي الديمقراطية ، ومن أجل إكساب خطابه هذا المصداقية اللازمة فقد أوجد العديد من الهيئات واستمر العمل بها ( هيئات ذات طابع ديمقراطي ) مثل البرلمان – الإدارة المحلية – مجالس المحافظات والمدن – النقابات المهنية ) وكل هذه المؤسسات هي ركائز أساسية للحياة الديمقراطية ، لذلك فمن الناحية الشكلية فإن العديد من مظاهر الديمقراطية موجودة ولكن وفي الجانب الآخر فإن كل الشعب السوري يدرك أن ظاهرة المؤسسات ما هي إلا مظاهر بعيدة كل البعد عن الجوهر الحقيقي للديمقراطية ، إنها إكسسوارات لتدعيم سلطة البعث ونفوذه ، وكل الشعب السوري يدرك طريقة تشكيل وانتخاب تلك الهيئات وبالطريقة التي تحولها إلى أداة في يد البعث لاستكمال سيطرته على كل مفاصل الحياة الأمر الذي يفرغ تلك الهيئات والمؤسسات من مضمونها الديمقراطي مما أضعف ثقة المواطن السوري إلى حد كبير بهذه المؤسسات بسبب العوامل السابقة المذكورة وافتقارها إلى أية قدرة أو مساهمة في الحياة العامة للبلاد خارج إرادة حزب البعث .
وبنفس الوقت فقد كان لبعض التجمعات الكردية ( التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا ) نفس الأسلوب وذلك بتشكيل المجلس الأعلى للتحالف الذي ضم إليه شخصيات وطنية ، ومع احترامي لهم جميعاً فالموضوع لا يتعلق بشخصياتهم وإنما يخص أسلوب عمل التحالف تم اختيارهم على الطريقة البعثية ، فلا أحد يدرك سوى الذين اختاروهم سبب وكيفية هذا الاختيار ( كما هو الحال في اختيار أعضاء البرلمان ومجالس المحافظات ) لذلك فإنه وبرغم الحاجة الماسة إلى إشراك الشخصيات الوطنية وخاصة الأكاديمية منها والثقافية والذين لهم تجربة عميقة في المجال السياسي أو الإداري في صناعة وصياغة القرار الكردي ورغم الحاجة الماسة إلى وجود مرجعية كردية حقيقية تكون الحاضنة والمظلة للقوى الوطنية والديمقراطية الكردية ( سياسية كانت أو ثقافية أو أكاديمية ) إلا أن الأسلوب المتبع يفقد ثقة الجماهير بهذه الهيئات والمؤسسات مثلها مثل ( البرلمان ومجالس المحافظات ) وبالتالي يفقد ثقتها بالمرجعيات المرجوة رغم ضرورتها وحيويتها ، لذلك يمكن القول إن الإقدام على خطوات سريعة ومستعجلة وغير مدروسة من قبيل سبق الفعل ( كالسبق الصحفي ) وحتى إن المتحدث من نوايا صادقة ( وأعتقد ذلك ) فإنها تعطي مفعولاً عكسياً وتعرقل أو تجهض المساعي التي قد تحقق بناء سليماً وواقعياً لتلك المرجعيات .
وهنا يجب أن أشير إلى أنني لا أناقش المبدأ ( مبدأ المرجعيات ) وإنما أسلوب التنفيذ وإن أخطاء التنفيذ عندما تكون جسيمة ولا تحقق الأهداف المرجوة منها أو حتى لا تقترب منها فإنها تكسب صفة دعائية وإعلامية تخدم أصحابها القيمين عليها دون أن تحقق الأهداف الحقيقية المرجوة منها ، لذلك تؤدي إلى إفراغ المبدأ من مضمونه وإجهاضه .
3- البعث – الحركة الكردية والعشائرية : فقد أعلن حزب البعث منذ تسلمه السلطة حرباً ضروساً على العشائرية ، فأعلن في مبادئه الأولى معادة الحزب ( للإقطاعية والرجعية والعشائرية ) باعتبارها ركائز لتخلف المجتمع والدولة ومعرقلة لتطوره ( بغض النظر عن موقفنا من هذه المبادئ ) فقد أعلن حزب البعث - ووفق مفهومه – حرباً على الإقطاعية والعشائرية وفكك بناها الاقتصادية الاجتماعية إلى حد بعيد ولكن وبعد مضي عدة عقود من الزمن ( أربعة عقود ) على استلامه السلطة بدأ حزب البعث خطوات تراجعية واسعة بهذا الاتجاه ، إذ بدأ بإحياء العشائرية ونزعتها وأسسها بقوة إلى درجة أن انتخابات الحزب في المحافظة وفي كافة مستوياتها ( الفرقة – الشعبة الفرع ) تعتمد على أسس عشائرية في عملية الانتخاب ، وكذلك فإن جميع أنشطة الأجهزة الأمنية والإدارية في المحافظة تتجه نفس الاتجاه ( إحياء النـزعة العشائرية وترسيخها ) ومحاربة النـزعة الحضارية والعلمانية والسياسية والديمقراطية ، فلا تكاد تمر مناسبة وطنية عامة أو حدث يتعلق بحزب البعث حتى تعج دوائر المحافظة الأمنية والإدارية بوجهاء العشائر وبناء على دعوات تلك الجهات للتباحث معهم حول هذا الشأن أو ذاك .
لا شك أن أخذ رأي مختلف الشرائح الاجتماعية والتشاور معها من قبل مشوري المحافظة هي ظاهرة إيجابية إذا اعتمد المبادئ الديمقراطية والانتقاء على أساس الكفاءات والمؤهلات والشخصيات التي تساهم في تطوير المجتمع وترسيخ العلمانية فيه ، أما الاعتماد بشكل أساس على وجهاء العشائر فقط فله مدلولات سلبية جداً وتهدف فيما تهدف إليه إلى جر عجلة المجتمع إلى الوراء أو على الأقل إيقاف عجلة التطور الاجتماعي السياسي والعلماني والديمقراطي في المجتمع وخاصة ركائز المجتمع المدني ، وإن هذا التطور قد يخفف من قبضة البعث على مفاصل الحياة العامة في سوريا وهذا ما يرفضه الحزب ومعروف أن العشائرية هي مرحلة متخلفة جداً من مراحل تطور المجتمعات ، وبالنسبة لعصرنا فإن العشائرية قد انقرضت في معظم دول العالم وهي في طريقها إلى الانقراض في البعض الآخر ولم يبق سوى دول متخلفة جداً ( وتعاني من الويلات والمآسي ) لاتزال العشائرية تفعل فعلها في مجمل حياتها مثل اليمن – الصومال – تشاد – السودان – السنغال – أريتريا – الكونغو الديمقراطية ، وأعتقد أنه لا داعي للمقارنة بين التطور الشامل للدول التي انتفت فيها العشائرية ( السويد – الدانيمارك – ألمانيا – أو بين هذه الدول ، لذلك فإن سعي السلطات المحلية لإحياء الحالة العشائرية يثير الدهشة والغرابة وأكثر من سؤال على أكثر من صعيد ولكن مما يؤسف له أن الحركة الكردية بدأت تتجه نفس الاتجاه وانخرطت في هذه اللعبة دون وعي أو إدراك أو دراسة عميقة ومتأنية لمثل هذه الخطوات وبدأت بإحياء النـزعة العشائرية أو على الأقل تجاوبت معها بشكل مثير وملفت عبر تشكيل ( أو تشكل تلقائي لمجموعات هي في معظمها وطنية بلا شك ) لتلعب دوراً بارزاً إلى جانب الحركة هذا الدور الذي يثير الكثير من التحفظ والكثير من التساؤل ( ليس على تلك الشخصيات بالضبط وإنما على أسس تكوينهم وأسلوبه والتي تنتمي في أغلبيتها إلى بنى عشائرية ( وجهاء عشائر ) الأمر الذي يطرح السعي والعمل الجاد لإعادة إحياء العشائرية وإنتاجها بأسلوب جديد وهذا يتناقض مع الجوهر الذي تناضل من خلاله وفي ظله الحركة الوطنية الكردية والتي هي في طبيعتها علمانية – ديمقراطية داعية إلى التطور والتقدم والتحضر وإلى أسس بناء المجتمع المدني ولكنها مفاهيم تتناقض مع العشائرية إن تشجيع هذه الظاهرة يعني في ما يعنيه جر عجلة التاريخ إلى الوراء في المجتمع الكردي والسعي إلى عرقلة تطوره الاجتماعي الديمقراطي والعلماني وضرب مرتكزات المجتمع المدني فيه ، ولذلك فإن تثبيت هذه الظاهرة وترسيخها يعني أيضاً التضييق على النضال السياسي للحركة وكذلك نضالها الاجتماعي والجماهيري .
إننا لا ننفي أنه لاتزال في المجتمع البنى والأدوات العشائرية ولكن هل يجب ترسيخها وتشجيعها ؟ أعتقد أن الواجب علينا هو العمل على تطوير المجتمع الكردي وترسيخ الديمقراطية والحياة المدنية والسعي لبناء ركائز المجتمع المدني ، وهذا لا يعني أننا ضد أن يكون لهذه الفئة دور في الحياة السياسية في مجتمعنا الذي يعيش مرحلة انتقالية وإن وضعنا يقتضي الاستفادة القصوى من كل طاقات الشعب الكردي وفئاته وشرائحه وبشكل متوازن وبما يخدم التطور الاجتماعي والمدني للمجتمع الكردي ويخلق الأسس المتينة للدفاع عن حقوقه القومية المشروعة ، إلا أن اقتصار هذا الدور على مجموعة معينة وإهمال جميع الشرائح الاجتماعية الأخرى وخاصة الأكاديمية والعلمانية والقانونية والاقتصادية والمهنية ، والتركيز باتجاه واحد هو تقليد لما يقوم به البعث وإحياء للنـزعة العشائرية بكل مفاهيمها وهي على النقيض من المنحى المطلوب للعمل وفقه في مجتمعنا ( المنحى الديمقراطي العلماني ) ولكن ضعف الحركة ووجود هذا الكم الهائل من التنظيمات وضعف البنية التنظيمية لمعظمها وافتقارها إلى مرتكز جماهيري أو تنظيمي يجعلها في حالة البحث عن الذات بشكل مستمر يفقدها القدرة حتى النسبية على قيادة وإدارة الجماهير وتشخيص الحالة الكردية مما يجعلها في بحث مستمر لموطئ قدم حتى لو كان ذلك تقليداً أعمى لحزب البعث .
لذلك أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى مراجعة الذات والنضال ضمن المجتمع الكردي بعيداً عن تقليد البعث والعمل به تجاه ترسيخ البنى الاجتماعية المتطورة والمدنية وركائز المجتمع المدني بكل آلياته وأساليبه وأنماطه بعيداً عن الأشكال الجاهزة التي تحاول السلطة تسويقها إلينا ( وهنا لا أعني الأشخاص ) وإنما أعني الأشكال والبنى الاجتماعية الشكلانية التي يجب الابتعاد عنها .
لذا لابد من دراسة المجتمع الكردي واتجاهات التطور فيه ودفع الأمور بالاتجاه الذي يخدم بناء مجتمع مدني بكل ركائزه وأسسه وإن هذا المجتمع هو كفيل أيضاً بتحقيق تغيرات ديمقراطية داخل المجتمع كفيلة ببناء علاقات صحيحة داخل الحركة الكردية وضمن الحزب الواحد وبالتالي في معالجة إشكالية التشتت والتشرذم وبناء علاقة صحيحة وسليمة بين الحركة من جهة وبين المثقفين ومختلف الشرائح الاجتماعية للمجتمع الكردي من جهة أخرى .


*عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي )

 

 

 

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBΞRΚN KURDΚN ROJAVA LI DERVE