rojava@rojava.net
في ذكرى نورالدين زازا: الخسارة الكبيرة والمبكرة
rojava.net 25.11.2005
حسين عمر*
في استحضارنا لذكرى هذا الرجل الكبير، بودّنا أن نتوقّف عند جانب محدّدٍ من شخصيته‘ وهو جانبٌ مركّب ومترابط نقصد به المنشأ المديني للدكتور زازا والتحصيل المعرفي الرفيع والثقافة الواسعة اللذين كان يتمتّع بهما. وهذان البعدان على صلة وثيقة بطبيعة وجود المسألة الكردية في سوريا ومسار تطوّرها ، والرسم البياني لمسار الحركة الحزبية الكردية على المستويين التنظيمي والسياسي / الفكري. خاصّة إذا ما أدركنا إشكاليتين ترافقتا مع ظهور المسألة الكردية وتركتا ولا تزالان أثراً عميقاً فيها, ونقصد بهما: أوّلاً ما يمكننا تسميته " محنة التقسيم الطرفي " لجهة المناطق الكردية في سوريا، وثانياً الطابع الردّي للفكر والممارسة السياسيين الكرديين. ففي المستوى الاوّل، كان التقسيم بمثابة اقتطاع للأطراف الريفية من مراكزها المدينية التي كانت ترتبط بها تاريخياً على الصعد الإدارية والتجارية والتعليمية، فاضطرّ ذلك الركام الريفي المقتطع من مراكزه الحضرية التاريخية إلى البحث عن مراكز بديلة، فاستحدثت المدن الجديدة التي وضعت السلطات بدورها دوائرها الإدارية ورموز سلطتها فيها. غير أنّ سكنة هذه المدن المستحدثة البديلة جلبت معها قيمها وأفكارها وعلاقاتها الاجتماعية التقليدية ووطّنتها فيها إلى جانب المهن التقليدية للمدينة القديمة، فكانت أبعد من أن تكون مدناً بالمعنى التاريخي، المدن التي تنتج السلعة والمعرفة ولاحقاً التقانة، وأقرب إلى أن تكون قرى كبيرة. وكان لذلك أثرٌ كبير في العمارة الاجتماعية للمجتمع الكردي التي بقيت هشّة ومعاقة لم تفلح في انتاج فكر قومي ديمقراطي كبنية معرفية نظرية لظاهرة اجتماعية متسايقة وتطور الاجتماع البشري وارتقاءه, وبناء فوقي متمثّل في حركة سياسية متطوّرة في طرحها النظري ووسائل ممارستها للسياسة التفصيلية. من هنا حديثنا عن طابعٍ ردّي للفكر والممارسة السياسيين للحركة الحزبية الكردية التي قطعت تدريجياً مع فكر خويبون كمشروع قومي، وتحوّلت إلى الطبيعة المطلبية المطعّمة بطروحات مستجلَبة من برامج القوى السياسية في سوريا والمنطقة, حيث نرى أن الخطاب السياسي الكردي ظلّ ولا يزال يفسّر وجود الحركة الوطنية الكردية كردّ فعلٍ على ( جحود ) الأنظمة التي تنكّرت للوجود الكردي ، لا كتعبير عن هذا الوجود. وقد ظلّ هذان العاملان يعمّقان من المأزق السياسي والنظري للحركة الكردية، ويضعفان من بنيتها التنظيمية. والحال أنّه يصعب، إن لم يستحل، الحديث عن سقفِ من الكريستال إذا كانت العمارة من طين. وكان لغياب المدينة، كحاضنة للفكر القومي المعاصر، أعمق تأثير في عملية الإعاقة المجتمعية والفكرية تلك، فلم تحقّق أمّة نهضتها إلا انطلاقاً من المدينة، المدينة التي ازدهرت فيها الفنون وتطوّرت فيها العلوم وارتقت فيها المعرفة وانتعشت فيها التجارة، التجارة التي لم تقتصر كنشاطٍ على المبادلات السلعية الصرفة، بل والتي كانت حاملاً للمبادلات المعرفية والثقافية والتقنية. والحال هذه، يصعب الرهان على الأفراد، سوى أنّه تتزايد أهمية دورهم، وتمسّ الحاجة إلى مساهماتهم. فالدكتور نورالدين زازا ولد وعاش طفولته في مدينة مادن الكردية الوثيقة الوشائج مع آمد المدينة التي تشغل حيزاً كبيراً في وجدان ووعي الكرد، لما لها من ثقل في تاريخهم، المدينة الشاهدة على إعدام الحلم الكردي الأكبر والأجمل، ومن جهة أخرى كانت مادن نموذجية في تكوينها السكاني المتنوّع الذي ضمّ إلى جانب الكرد اليونانيين والأرمن المتعايشين في مناخ من التسامح القومي والديني أتاح لأبنائها انفتاحاً اجتماعياً على الذات وعلى الآخر، فتشبّعت روح زازا الطفل بحرارة التسامح واختزنت ذاكرته صور التعايش. خدشت مرارة الغربة والقهر والظلم روحه البريئة تلك وآلمته مذ غادر مادن، وهو في العاشرة من عمره، باكياً، مروراً بمآسي الاضطهاد التي عانى منها مع شعبه في كلِّ أنحاء وطنه. ثمّ في مرحلة دراسته وإقامته في سويسرا البلد الديمقراطي المسالم، حيث يكفل النظام الفيدرالي فيها تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع السويسري في مقاطعات تحظى بالمساواة والعدالة والتكافؤ في الفرص، البلد الذي لم يشعر بالحاجة إلى الانضمام إلى الأمم المتحدّة ليتحسّس وجوده، البلد الذي تعيش في تخومه الجبلية أقلية لا يتجاوز عدد أفرادها العشرة آلاف، فلا يكتفي باعتماد لغتهم لغة رسمية إلى جانب اللغات الثلاث الأخرى، بل ويمنح امتيازات إضافية للناطقين بها تشجيعاً للتكلّم بها صوناً لها من التلاشي لأنّه يعتبرها إثراءً لثقافته وحضارته. هناك، في ذلك البلد، تعمّق الوعي الفكري والسياسي لنورالدين، بقدر ما لمس الفارق بين أمم تدرك أهمية الثراء الحضاري في تنوّع مكوناته، وأخرى ترى حكوماتها وأنظمتها في ذلك التنوّع تهديداً وخطراً فتستميت في سبيل محقه وتسييد الأحادية بديلاً عنه، لا تحرّم في ذلك لا وسيلة ولا سبيلاً. لم تشغل الالتزامات الدراسية نوالدين عن اهتماماته بقضيته القومية الديمقراطية والدفاع عنها في كلّ مكان استطاع الوصول إليه، في المؤتمرات الطلابية والمهرجانات الشبابية والملتقيات والندوات السياسية، وبنى علاقات مثمرة مع الكثير من الشخصيات الفكرية والسياسية والثقافية، ليتعرّض بسبب نشاطاته لمضايقات سفارات الدول المحتلّة لكردستان وضغوطاتها, إلى أن أنهى دراسته ليعود إلى وطنه عازماً العقد على أن ( يفعل شيئاً ) لشعبه، فساهم في تأسيس وقيادة حركته السياسية. لكن السلطات المستبدّة الشوفينية لم تسمح له بأن يمارس الدور الذي رسمه لنفسه مثلما حرمته من ياسمين دمشق الذي قال زازا بأنه كان يعشقها، فالسنوات العشر التي قضاها بعد عودته من سويسرا، قضاها بمعظمها في سجون ومطارات ومحطات قطارات دول المنطقة بين دمشق وحلب وبيروت وعمّان، والفترات التي تخلّلتها، قضاها مطارداً ملاحقاً متوارياً عن الأنظار، آخرها الإقامة الجبرية التي فُرِضَت عليه في مدينة السويداء، إلى أن استطاع الافلات من تلك الإقامة إبّان حرب حزيران، ليصل إلى منطقة الجزيرة ، وليعبر الخطّ الذي يفلق قلوب الكرد، ويتمم رحلة عذاباته، إلى أن يصل سويسرا البلد الذي أحبّه. وهنا يتوارد إلى ذهننا سؤال لا بدّ من طرحه: لو أنّ نورالدين زازا بقي بيننا، هل كنّا سنحافظ عليه ونستظلّ بقامته الفارعة، ونغتني بمعارفه، أم أننا كنا سنأخذ بيده ونخرجه من بين صفوفنا لنداري جهلنا؟ نعتقد لو أن الفرصة أُتيحت للدكتور زازا، كرجل سياسي مرموق يتمتّع بثقافة ديمقراطية واسعة وبعد فكري ثريٍّ وعميق، وبشجاعة أبداها في في غرف التحقيق وفي السجون، وبشخصية كاريزمية تحظى باحترام ومحبّة من قبل المحيطين به ومن قبل الأوساط الشعبية، بأن يبقى على رأس حركة شعبه، لكان من الممكن أن يصبح محور استقطاب بين مختلف الاتجاهات التي برزت في مراحل مبكرة من عمر الحركة الوطنية الكردية وعنصر توافق بينها، ورمزاً يصوغ الخطاب السياسي بالاستناد إلى أنساق فكرية معاصرة، يصلح لأن يكون حاملاً للمشروع الوطني الكردي، مثلما كان يمكن له أن يكون عامل جذب للنخب الثقافية الكردية إلى الحيز السياسي للحركة الكردية الأمر الذي كان سيمهّد لتأسيس نظري لذلك المشروع الوطني، يجنّبه ذلك العوز الفكري والفقر النظري اللذان لا يزالان يسمانه حتى الآن. فمنذ أن فقدنا الدكتور زازا، لم يبرز من بين صفوف حركتنا الكردية رجل يجمع، مثلما جمع هو، بين السوية المعرفية الرفيعة والعمل السياسي بإطاره التنظيمي. بل على العكس من ذلك آلت مواقع القرار السياسي في الجسم التنظيمي للحركة الكرديةـ وهنا لا نعمّم الأحكام ولا نتوخّى الإساءة لأحد وإنّما نقف على ظاهرة طبعت مرحلة مديدة من مراحل عمر حركتنا بطابعها ـ إلى فئات من المتعلمين المعوزين فكرياً و( مثقّفي ) الفلوكلور من حفظة مشاهد من التراث الثقافي الكردي، وبعض الفقهاء الذين مزجوا بين صوفياتهم وشوائب العصاب القومي وأوهامه، وبعض أنصا ف الأميّين الذين كانوا ( يفكّون الحرف ) بل، وفي بعض المراحل، أميين مدقعين يعجزون حتى عن ذلك. فعجزت الحركة بذلك أن تكون حاضنة لنشوء فكر سياسي جوّاني يغني الأساس النظري لها ولمشروعها، ولم تفرز مثقّفين منتجين معرفياً، وظلّ المثقّفون النقديون بعيداً عن أطر الحركة وفي أحسن الأحوال على هامشها، بينما تولّت فئات من أنصاف المثقّفين الراضين عن الذات والأحوال والمعظّمين لها والمستترين على عيوبها تحرير وإصدار وسائل نشر الخطاب الكردي المتواضعة أصلاً والمحتكرة حزبياً، فجمّدوا أنساق الخطاب السياسي والفكري عند سقف آفاقهم. قال الدكتور نورالدين لجلاديه: لم تعد سجونكم تُخيفني! وصدق. ونحن نستذكر، اليوم، ذاك الرجل الكبير ومعيار صدقنا في استذكاره هو أن نتحلّى بالروح النقية التي أبداها نورالدين في مذكّراته التي نشرها بعد عشرين عاماً من المنفى القسري، فالرجل لم يسء لمن أساء إليه وذكر مواقف من اتّخذ مواقف مشرّفة، وفضح الجلادين وسياساتهم، وشرح معاناة شعبه ودافع عن قضيته. وكان شقيقه الدكتور نافذ قد قال له مواسياً إياه، حينما كان يجهش بالبكاء حزناً على فراق ملاعب طفولته وأفراد عائلته، وحيواناته الأليفة: ستصبح رجلاً! وقد صدق حدس نافذ، وأيُّ رجل؟! فسلاماً أيها الرجل الكبير!
*- كاتب كردي ومترجم
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE