
هل يمكن إجراء تحليل عام ومعمَّق لظاهرة الجمال، وصولاً لوضع تعريف
واضح وثابت ضابط لمفهوم الجمال عقلانياً؟ أم أن اكتشاف الجمال
والتفاعل معه، والتأثُّر به، هي مجرد مسألة ذاتية صرفة، لا تمت
بأية آصرة بالعقل ومحاكماته المستندة لمعايير المنطق ومبادئه
وتقنياته واستدلالاته؟. سؤال، اشتغل على الإجابة عليه، الكثير من
علماء وفلاسفة ومؤرِّخي علم الجمال والأفكار الجميلة عبر العصور
الماضية.
يقول عالم اللسانيات والمفكِّر الإيطالي أومبيرتو إيكو الذي ألَّف
كتاباً حول هذا الموضوع بعنوان " تاريخ علم الجمال" : " الجمال ليس
صفة ملازمة للأشياء، إنها موجودة في ذهن الإنسان الذي يتأمَّلها
فقط. وكل ذهن إنساني ينظر للجمال بطريقة مختلفة. بل يمكن أن يرى
شخص ما، القباحة والتشوّه في موضع معين، يمكن لغيره أن يرى فيه
جمالاً مختلفاً". ووفق هذا التعريف، يكون الفن قد فقد أهم ملازماته
الحيوية والضرورية التي تميّزه عن غيره من الفعل والنشاط البشري.
فكيف للعمل الفني " الشيء" الطبيعي والإبداعي، أن يكون جميلاً
وقبيحاً في آن؟. بتعبير آخر، كيف للفن أن ينتج قيم ورؤى وأفكار
جمالية منفِّرة، مثيرة لردَّة فعل مقززة مضادة مبعدة، وجاذبة، تثير
المتعة والتهافت والاستقطاب والانتشاء الروحي والفكري؟. لكن ما
أعتقده بأنه يتقاطع مع التعريف السابق للجمال الذي ينطوي على تعريف
ضمني للفن أيضاً، هو أنه يمكن اعتبار إعادة إنتاج المعاناة
الإنسانية "ذاتية أو موضوعية، فردية أو جمعية" بكل إرهاصاتها
وتجلياتها وتبعاتها فنيَّاً، وبشكل يخلق قيم جمالية، بمثابة إحالة
إلى أن نرى المعاناة جمالاً محفِّزاً للطاقة الإبداعية لدى الإنسان
المعذَّب. هذه الطاقة المكوَّنة من مخزون معرفي متناهي، زائداً
إليه دفقات من الخيال لا متناهي. ويبقى مدى تواصل وتفاعل الآخر
الذي يتلقى هذه المعاناة، عبر القراءة أو المشاهدة أو الاستماع
للمُنتَج الفنِّي المُترجِم لهذه المعاناة، منوط بمدى أهليته
واستعداده المعرفي والنفسي حيال حضور القيمة الجمالية ونسبها في
العمل الفني.
بلزاك، وأثناء كتابته للملهاة الإنسانية، طرح تساؤلاً مفاده: " هل
يمكن للفن أن يكون أجمل من الواقع؟. وأعتقد أن الإجابة على تساؤل
بلزاك ينطوي على منحيين متباينين. بمعنى أن الجواب هو نعم، ولا في
آن. لا.. لأن الفنان الانطباعي لن يستطيع أن يصل إلى درجة دقَّة
آلة التصوير الفتوغرافي أثناء رسمه لمشهد واقعي. فحتى آلة التصوير،
ومهما بلغت دقتَّها، لن تعطي ألواناً أجمل من ألوان المشهد
الحقيقية. وبالتالي، فالواقع الأصل سيبقى أجمل من النسخة المصوَّرة
المستنسخة عنه تشكيلياً أو فتوغرافياً. ونعم، لأن الفن يعني إعادة
إنتاج الواقع بتقنيات الخيال، ضمن معالجات سمعية أو بصرية أو لغوية.
بمعنى آخر، الفن هو الواقع الحقيقي والافتراضي معاً، بصيغ وتعبيرات
ليست بالضرورة أن تكون واقعية.
ما سبق ذكره، يمهِّد لنا المجال التواصلي مع قراءة أخرى للعمل
التشكيلي المتناول في هذا الحيز اللغوي الانطباعي الضيّق المتاح،
والذي قد يكون مفتوحاً على جهد استكشافي لهذا العمل. ففي جداريته
التي أهداها الفنان التشكيلي الكردي Guro لذكرى الفنان السينمائي
والروائي الكردي الخالد "يلماز غونيه" ((2,7 X 1 والتي أخذت اسم
الراحل الكبير، حاول Guro توليف صيغة فنية توافقية ملخِّصة
ومعبِّرة عن تجربة غونيه الإبداعية. وذلك، بتوظيف الجانب السينمائي
والروائي البارزين فيه، ضمن تربيعة تشكيلية، غاية في الحساسية
والمحاكاة اللونية القلقة حيناً والمتشظية أحياناً مع معاناة غونيه
المريرة.
فقد قسَّم Guro جداريته إلى أربعة أجزاء متساوية. حيث وظَّف في
الجزء الأول لقطة سينمائية لغونيه مأخوذة من أحد أفلامه، يظهر فيها
الأخير ملتحياً، بملامح يكتنفها الإنهاك والتعب، وقد نال منها
الشقاء والعذاب ما ناله. وبعينين تتطاير منها نظرات حادَّة حذرة
متأهِّبة لدنو خطر ماحق محدق به. عينان، بقدر ما تفيضان حزناً
وقلقاً وخوفاً وبؤساً، تفيضان بريقاً وألقاً وجرأةً متحفِّزة
للانتقام. ظهر غونيه مضطرباً محتضناً لبندقية كاحتضانه لطفله بحنو
وحنان عارم وترقُّب حذر، خشية أن يمسَّه مكروه. وكاحتضانه لبركان
يوشك على الثوران قاذفاً بالموت صوب جهة يجهلها ويعلمها غونيه في
آن.
أما في الجزء الثاني من الجدارية، فقد استوحى Guro فكرتها من رواية
غونيه المشهورة "ماتوا ورؤوسهم محنيَّة" التي نال عليها أعلى جائزة
أدبية في تركيا في مطلع السبعينات، وهي جائزة "أورهان كمال" التي
كان يمنحها اتحاد كتَّاب تركيا. ويظهر في هذه اللوحة الجزء، شخصان
عاريان_غالباً هما رجل وامرأة_ مقيدي الأيدي إلى الخلف، وكأنهما
معلقان بحبل مشنقة. ومن حولهما نيران تتراقص هائجةً، تودُّ
التهامهما بضراوة. ظهرهما للوحة، ووجههما لنافذة متداعية شبه
منهارة، يصدر عنها دخان كثيف يحاول إخفاء معالم الجريمة، في مشهد
نابض بالعذاب والقهر والظلم، وغاية في البؤس الإنساني.
اللوحة الثالثة أو الجزء الثالث من الجدارية، هي أيضاً مستوحاة من
إحدى روايات غونيه التي تحمل عنوان "صالبا". حيث يظهر فيها شخص،
وكأنه رجل جالس مُسنِداً رأسه إلى جدار متآكل، والإعياء والإنهاك
والتعب بادٍ على ملامح وجهه القاسية التي يعتصرها حزن وألم كبيرين.
وكأن الرجل يحاول الاختباء، وإنه هارب من شيء ما يطارده، ويود
النيل منه. فاضطر لالتقاط أنفاسه برهة، حتى يعاود فراره وهربه صوب
المجهول من جديد. لكن، ما يُستدَلُّ من نظراته وشحوبه، وكأنه يوشك
على الانهيار.
أما الجزء الرابع والأخير من الجدارية، فهي عبارة عن لقطة سينمائية،
ربما مأخوذة من فيلم القطيع لغونيه. حيث يظهر في أسفل اللوحة وجهان
ينضحان بالحزن والكآبة والقهر، لرجلين مُنهَكَين ومُعذَبَي الروح.
وكأن روحهما يعتملها غصَّة مريرة. وثمة فضاء متلبِّد قلق متصدِّع
مشوب بتشظِّي عنيف، يشكِّل الخلفية لهذين الرجلين ضمن اللوحة.
والشيء الملفت في الوجوه الحاضرة في هذه الجدارية، إنها متشابهة
جداً، وكأنها وجه واحد لشخص واحد هو غونيه، لكن، في حالات ووضعيات
متعددة ومتباينة نفسيَّاً. ما يقودنا إلى القول: إن Guro قد نجح في
استثارة المتلقِّي، عبر بث شحنة عاطفية قوية نابضة بالحزن والأسى
في وجوه شخوصه المتواجدين في هذا العمل، إلى درجة جيدة.
ما يميّز هذا العمل التشكيلي عن غيره، هو أنه حاول اختزال تجربة
مبدع كبير كيلماز غونيه ضمن خلاصة لونية تشكيلية، مستفيداً أو
موظِّفاً الفن السابع والأدب إلى جانب الفن التشكيلي، لتقديم غونيه
السينمائي والأديب للآخر كجدارية مكثِّفة لرحلة معاناة وعذاب
وإبداع هذه الظاهرة النادرة، على أنها انعكاس لرحلة معاناة شعبه.
ويظهر واضحاً اكتفاء Guro باستخدام ثلاثة ألوان في عمله هذا.
الأحمر كلون حار، والأصفر لكون بارد، والأسود الذي يُعتبر سيد
الالوان. وكأن Guro يوحي ان عالم غونيه كان قائما على الجمع بين
المتناقضات من جهة. وأن حجم المعاناة والعذاب التي لاقاها في حياته
القصيرة، هي الترجمة الحقيقية لمعاناة شبعه الكردي في المنطقة، من
جهة أخرى. فإرادة البقاء والاستمرار والإبداع، ضمن أجواء الملاحقة
والنفي والاعتقال والموت والظلم والقهر والحرمان والبؤس التي عاشها
وعايشها غونيه، إلى جانب امتلاكه لتلك الإرادة، هي نفسها التي
يمتلكها شعبه ماضياً وحاضراً.
لقد نجح Guro في إعطاء صيغة توافقية تآلفية بين الفنون الثلاث،
التشكيل والسينما والأدب ضمن صياغات ومعالجات تعبيرية على صعيد
تكوين الشخوص، متداخلة مع التجريد الذي خلق مناخاً وأجواء مثيرة
وقلقة من الهيجان والغليان اللوني المحيط بتلك الشخوص، وكأنها_أي
الأجواء_ هي العوالم الداخلية لها.فالتفوق النسبي للأصفر في كثافات
لونية متوزِّعة في المحيط والأطراف، ومخترقة للأسود والأحمر أحياناً،
أضفى على العمل نوعاً من البريق والأمل واليناعة على الرغم من أن
العمل ينضح بالحزن والسوداوية. كما يبدو أن Guro قد أبدع هذا العمل
باستخدام تقنية الرسم بالسكِّين، وبسماكات لونية أعطت عمقاً للعمل،
وأضفت عليه مسحة من العفوية المنقادة وراء عواطفه المتأثِّرة
والمتفاعلة مع تجربة غونيه بشكل كبير. وبالتالي، ففي هذا العمل
التشكيلي، ثمة حضور متفاعل ومتأثِّر لـGuro مع يلماز غونيه الأديب
والسينمائي تشكيلياً وفكرياً وروحياً، على اعتبار أن العمل
التشكيلي هي إحدى المرايا الروحية والفكرية لمبدعها.
يلماز غونيه الكاتب والشاعر والروائي والسيناريست والممثِّل
والمخرج والمنتج السينمائي والمعتقل السياسي الهارب من وجه "العدالة
التركية، والذي حاز فليمه " الطريق" على جائزة السعفة الذهبية
لمهرجان" كان" السينمائي في دورته الخامسة والثلاثين سنة 1981 ،
ولد من أبوين كرديين في قرية "ينيد جه" التابعة لـ"أضنا" في
1/4/1936 ، وتوفي في باريس، ودفن في مقبرة العظماء فيها في
9/9/1984. توفي بعد صراع مرير مع مرضٍ عضال، عن عمرٍ يناهز 48 سنة،
قضَّى منها 14 سنة متجولاً بين السجون والمعتقلات، ومنفياً، وفي
الخدمة الإلزامية. وآخر معتقل قضَّى في غونيه ردحاً من الزمن، ثم
فرَّ منه لأوروبا كان معتقل "إمرالي" في بحر مرمرا الذي يعتقل فيه
حالياً الزعيم الكردي أوجلان. شارك في حوالي 110 أفلام ممثلاً
ومخرجاً مساعداً ومخرجاً ومنتجاً وكاتباً للسيناريو. وله العديد من
الأعمال الأدبية أشهرها روايتي "ماتو ورؤوسهم محنية" و"صالبا"
المترجمتين لعدة لغات منها العربية.
دمشق – المحرر