|
المغترب
عدنان عجيل
يتساقط المطر بغزارة وكأنه يهاجم
نافذته بوحشية المغول... استيقظ
من نومه شعر بالبرد ، تردد في
النهوض من فراشه ،ظلّ متمدداً في
سريره ،اسند يديه خلف رأسه
واقتحمت الذاكرة صخب أيامه
الماضية فادرك بأن قامشلو هي
الريح التي تعصف بكل اتجاهاته
الحزينة ، تمتم في داخله " وطني
أيها المسدس في دمي " ثم تتالت
الصور بشكل عشوائي ، صورة أمه وهي
تحشر أخر اخوتهم بينهم فوق اسفنجة
لاتكفي لاستيعاب نومهم... صوررته
وهو يجر عربة الخضار بخطى متثاقلة
وكئيبة وفي داخله خوف عظيم في ان
تصادر شرطة البلدية عربته...
صورته وهو يهرب بعربته من الشرطة
فتتطاير حبات البندورة والفجل و..
ثم يحمد الله بانهم لم يستطيعوا
اللحاق به ، اغلق صفحات الذاكرة
لكن قامشلو باحيائها وشوارعها
الغارقة في الطين والغبار وناسها
الطيبين ظلت كشراع يقاوم أمواج
رأسه الهائجة ... نهض من سريره ،
أزاح الستار عن نافذته ، توجه الى
المطبخ ، اعدّ فنجان قهوة ، جلس
إمام النافذة يرتشف قهوته وكأنه
يرتشف ما تبقى من أيامه وسط ضجيج
هامبورغ ، وبهدوء منكسر راح يراقب
حركة الشارع من نافذته الوحيدة
مثله... توقف المطر ... انه يوم
الأحد ، إلى أين يتجه في هذه
العطلة ؟ كيف يقضي هذا اليوم ؟
نظر الى الساعة المعلقة على
الحائط ، أنها تشير الى العاشرة
... ارتدى ملابسه ، القي نظرة على
غرفته الانيقة ، نزل الشارع ...
ركب سيارته الفارهة... انطلقت
السيارة لكنه لا يعرف الى أين
يتجه ... مللت من الديسكو من أكل
الهمبرغر والبيتزا والنساء
الشقراوات ومن الشوارع النظيفة
والحدائق الانيقة ... لايعرف الى
أين تقوده عجلات سيارته ... المهم
ان يهرب من هذه الزحمة ، انه
الهروب ، الهروب من الملل الذي
ينخر روحه ... انتهى به المطاف
الى مكان معزول ... نزل من سيارته
... تمشى قليلاً ... أراد ان يصرخ
بكل قوته حتى تهدأ ثورته ... تمتم
" يا وطنا ً بالحب نكسو أديمه
فيحرمنا من رضاه ويقسو " .
|