بقلم "جهاد صالح"
مدينة كركوك رمز التعايش السلمي والحياة الواحدة ... المشتركة بين
الأكراد والعرب والتركمان , هذه المدينة التي تقع شمال بغداد 280
كيلومتراً تعيش في حالة من القلق ولحظات ما قبل الزلزال أو النار
التي قد تشتعل في آية لحظة فيحترق الكل بنارها .. فمنذ سقوط نظام
صدام حسين المقبور تعكس كركوك صوراً لنزاعات عرقية وسياسية ولو
عدنا الى التاريخ قليلاً نجد ان صدام قد اتبع سياسة لا انسانية
تجاه هذه المدينة وسكانها فقد تعرضت لسياسة " تعريب " عام 1975
بهدف تغيير التوازن العرقي في هذه المدينة الأستراتيجية الغنية
بالنفط من خلال تقديم منازل وحوافز اقتصادية للعرب وأثارت تلك
السياسة غضب الأكراد والتركمان ...
وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية عاد الأكراد الى
المدينة بأعداد كبيرة وتزايد نفوذهم مما اثار القلق والريبة لدى
العرب والتركمان ...
كركوك قلب كردستان كما يراها الأكراد :
تعتبر قضية المُرحلين والمؤنفلين وضحايا التعريب والصهر القومي
وقضية كركوك من بؤر التوتر التي يجب معالجتها فالأكراد لا يساومون
على هوية كركوك الكردستانية أبداً والعرب يريدونها عراقية
والتركمان تركمانية وأنهم الغالبية التي تعيش في المدينة ولكن
الجذري في القضية هو أن الكرد والزعامات الكردية " جلال طالباني" و
" مسعود البرزاني" يعتبران ان كركوك هي مدينة كردستانية مع الحفاظ
وإحترام حقوق وهوية جيرانهم العرب والتركمان وهذا موقف ثابت لا
يمكن التنازل عنه ويعد اساساً لنضال الكرد وتضحياتهم طيلة العقود
الثلاثة الماضية .. فالشعب الكردي لا يقبل التنازل عن كركوك وكل
الأقاويل والتصريحات الأعلانية بأنهم يريدون تقسيم العراق لباطل
وضمهم كركوك لأقليم كردستان ما هو إلا إعادة للتاريخ والجغرافيا
الى وضعه الطبيعي والصحي ..
وكانت حكومة ابراهيم الجعفري قد نوت على الإلتزام بقانون إدارة
الدولة المؤقت وتطبيق المادة (58) من هذا القانون الخاصة بإعادة
تطبيع الأوضاع في كركوك .. وذلك بإعادة المهجرين من ابناء المدينة
ومنحهم تعويضات عما فقدوه من منازل واراضي ثم معالجة قضية الوافدين
الى المدينة الى جانب إعادة حقوق السكان من الأكراد والتركمان
والكلد واشوريين الذين أجبروا على التخلي عن هويتهم القومية
والمرحلة الثانية من خطة التطبيع هي إعادة النظر في الحدود
الأدارية للمحافظة التي فرضت سياسات التطهير العرقي عليها بعد
إقتطاع أجزاء من المحافظة وضمها لمحافظات أخرى ومجاورة .. وهذا
سيخضع الى تحكيم رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء وقد تحال القضية الى
تحكيم دولي في حال عجز الحكومة العراقية عن الأفتاء بالأمر .. اما
المرحلة الأخيرة من الخطة ستحدد هوية المدينة بعد إجراء التعداد
السكاني فيها .. طبعاَ تحاول بعض الجهات القيام بهذه الخطة بعد
كتابة الدستور العراقي مما اثار حفيظة الأكراد وهددوا بالأنسحاب من
الأئتلاف الحكومي معتبرين قضية كركوك من الخطوط الحمراء التي لا
يمكن تركها الى ما بعد كتابة الدستور وأكدوا ان الجعفري يتهرب من
إلتزاماته وعهوده السابقة تجاه حقوق الأكراد وقضية كركوك , مصرين
على تسويتها قبل الأستفتاء على الدستور .. إن كردستانية كركوك
وضمها لأقليم كردستان العراق لا يعني ابداً تقسيم العراق إنما هو
إعادة لهوية المدينة إليها ولدى الأكراد وثائق تاريخية علمية عديدة
يمكن لكل من يشكك بكوردستانية كركوك العودة الى تلك الوثائق منها
على سبيل المثال " الأنسكلوبيديا الدنماركية والنروجية والألمانية
والسويدية وجامعة كولومبيا وكلها ذكرت بأن كركوك تقع ضمن خارطة
اقليم كردستان العراق وأن الغالبية السكانية لمدينة كركوك هم من
الكرد الى جانب اقليات من العرب والتركمان والكلد وأشوريين..
كما جاء في الموسوعة العربية العالمية عن كركوك " تعد كركوك عاصمة
المجموعات الكردية في الشمال وإعتبرت الموسوعة العربية الموجزة في
صفحتها /449/ كركوك من المدن الرئيسية في كردستان العراق, لا اريد
ان اتعمق اكثر في هذا الموضوع لكثرة المصادر التاريخية والعلمية
والتي تحتاج الى بحث طويل , فتثبيت كردستانية كركوك في أنسكلوبيديا
معظم بلدان اوروبا واميركا والبلدان العربية تؤكد هذه الحقيقة /
فالشمس لا تحجب بغربال / ...
أن تعريف إيه مدينة كمدينة كردستانية يعني في الوقت ذاته بأن
الكورد يسكنون المدينة ويشكلون غالبية سكانها ..إذ لم تذكر أيه
مدينة بالكوردستانية ما عدا المدن التي يغلب سكانها العنصر الكردي
فهناك الألاف من الأكراد يسكنون مدينة بغداد على سيبل المثال ولم
يقل أحد أنها كردستانية......
الصراع على كركوك هو صراع القومية مع النفط مع الجغرافيا ؟
إن اتباع سياسة التطهير العرقي في لواء كركوك منذ بداية النصف
الأول من القرن العشرين والى يومنا هذا يعود في الحقيقة الى اهمية
منطقة كركوك من الناحية الجيوبوليتكية بأعتبارها نقطة وصل وربط بين
الأناضول والعراق وايران كذلك خصوبة ارضها بالأضافة الى العثور على
كميات كبيرة من النفط تقدر بحوالي (7.5%) من إجمالي الأحتياطي
العالمي فالنفط كونه سلاحاً نفاذاً يجعل من الأكراد قوة سياسية
وإقتصادية لا يستهان بها لهذا نجد ان الصراع على كركوك يجتاز
المحيط والجغرافيا العراقية لتمتد الى الدول التي يتواجد فيها
الأكراد / سوريا – ايران – تركيا / فمنذ تأسيس الدولة العراقية
1921 سعت الى تغيير الطابع القومي لكركوك بالشكل الذي يتفق
والمصلحة العليا للعرب اي ضمان الأمن القومي العربي على حساب الشعب
الكردي .. كذلك نجد تركيا الكمالية التي تنفث النار في كل يوم
تعتبر قضية كركوك شبحاً يقلق احلامها فهي تخشى ان يسيطر الأكراد من
خلال ضم كركوك لأقليم كردستان على الموارد النفطية الى تأجيج
النزعة الإنفصالية لدى اكرادها وخسارتها لشريان نفطي يوصل نفط
كركوك الى ميناء جيهان التركي وهذه خسارة اقتصادية فادحة أما سوريا
التي تعتبر اي نجاح سياسي كردي سواء في العراق او ايران او تركيا
هو نجاح للأكراد لديها وزخماً معنوي وسياسي قد يدفع باكرادها الى
زيادة سقف طموحاتهم القومية وايران التي تُعتبر طرفاً قوياً ومتأثر
بالحالة الكردية وبقضية كركوك التي تحوي على 63% من عائدات النفط
العراقي فيصبح الأكراد من منظورها قوة سياسية وأقتصادية تمهد لطريق
اسهل امام ضغط اميركي مباشر على ايران لهدم الأمبراطورية الخمينية
بأكثر سهولة وبأقل الخسائر ..إذاً النتيجة أن الصراع على كركوك هو
صراع قومي وسياسي وجغرافي وأن كلاً من الحكومة العراقية + تركيا +
ايران + سوريا يرون أن كردستانية كركوك هو التمهيد لقيام دولة
كردية مستقلة وهذا خط احمر في قواميسهم السياسية .. وهذا يعني تحول
قضية كركوك الى الحقل الدولى وسننتظر الحل الدولي في المستقبل بما
ينصف حقوق الجميع دون استثناءات واعتقد ان الجميع لا يستطيع ان
يخرج عن إطار القرارات الدولية الشرعية التي تكفل حقوق الأنسان
بعيداً عن الطائفية والعنصرية او المذهب او الدين ...