Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

القراءة الكردية للإسلام
الشيخ معشوق الخزنوي نموذجا


عدنان عجيل

إن الظهور المفاجئ للشيخ معشوق الخزنوي على الساحة الشعبية الكردية وسطوع نجمه أثار شكوك كثيرة حوله ولا أنكر أنني كنت من الذين طبقوا المنهج الديكارتي عليه (أنا اشك إذا أنا موجود )والشك الديكارتي شك مشروع لأنه خطوة لمعرفة الحقيقة ،وكم كانت معرفة الحقيقة قاسية وكأنه كان يقرأ شكنا بفكره الثاقب فأضاء لنا شموع الحقيقة وغاب ،وأدركنا معنى غيابه الفاجع الذي ترك فينا الكثير من تبكيت الضمير.
السؤال القديم ما هو حقيقة ظهوره بهذه الحدة ؟ نجد جوابه في التساؤل المطروح ،ما هوسبب غيابه السريع؟ و كأنه النيزك الذي لمع في السماء واختفى ،هذا الاختفاء المباغت أشعل فينا الكثير من المعاني ،وكأنه طلب الموت ليجدد فينا الحياة انه كطائر العنقاء الذي بموته يجدد الحياة. و إذا ما القينا نظرة على تاريخ الفكر الإنساني سنكتشف سلسلة من الاغتيالات الفكرية التي تجسد حالة الصراع بين قوى الخير و الشر بين اهورامزدا واهريمان هذا الصراع الذي يحسم لصالح الأقوى أو الأفضل. ويضاف اسم الشيخ معشوق الخزنوي إلى سجل قافلة ضحايا الفكر الحر أمثال (سقراط- ابن تيمية- الحلاج-ابن رشد-حسين مروة-ناجي العلي- سمير قصير- لوركا – قاسملو...) وإذا صح التعبير نقول ان اغتيال الشيخ لم يكن مجرد قتل انفعالي انما هو محاولة تخطيط مدروسة لاجهاض فكر تنويري تجديدي في الاسلام .
و هنا نحن امام التساؤل التالي : لصالح من تتم هذه الأغتيالات الفكرية ؟ تحاول القوى الظلامية تجميل ملامحها لأغواء الشعب و التلاعب بمصيره ولهذا فأنها تخشى النور لأن تسليط الضوء سيكشف الملامح الحقيقية لشخصيتها المشوهه هذه الشخصية التي تحاول التستر على نرجسيتها وساديتها فتلجأ إلى التمترس وراء أجهزتها الأمنيه التي لا تعرف سوى لغة القتل والدم و الإقصاء. فهي من اجل المحافظة على طموحاتها واحلامها الانوية تستنفر كل طاقاتها و تلجأ إلى اقحام الدين في آتون السياسة و تستخدم الخطاب الديني الرسمي لتخدير الشعب و تمارس استغلال القيم الروحية بما يخدم مصالحها الخاصة و ترسم الخطوط الحمراء و تعتبر تجاوزها خيانة و الحاد يستدعي القصاص و باسم الله يشوهون الدين و قد لاحظ الشيخ كيف يتم استغلال الدين و ادلجته لأغراض خاصة بما يخدم فئة معينة فنادى بالاصلاح و حارب الطرق الصوفية التي تنزوي في التكيات و الزوايا و ثار على النزعات الطائفية والمذهبية و دعا إلى الحوار و الانفتاح على الآخر مع إيمانه بالتلاقح و التمازج الحضاري و نادى بالعودة إلى روح النص و كشف باطنه بمنطق العقل و ادرك بان الإسلام الحقيقي ليس حكراً على جماعة أو أمة و إن جميع الأمم و الأقوام متساوية في شرع الله و حقوقها مصانة في العقيدة الإسلامية الصحيحة و من هذا المنطلق و إيمانه بعدالة السماء اطلق عبارته المشهورة إلى الشعب الكردي "إذا شعرت بأن الإسلام يهضم حقوقنا و يصادرها فسأكون أول الخارجين منه ".
ولعل شخصيته الكاريزمية وقدرته على تعبئة الجماهير وتحريض الشارع وقوة خطابه المعبّر عن طموحات وآلام المضطهدين كان بمثابة جوازه الى الآخرة .بثقافته الواسعة وتوفيقه بين الشرع والعقل واعتزاله عن السلفية الاسلاموية القائمة على ذهنية التحريم والتكفير المؤدلجة قدم الاسلام برؤية كردية واضحاً جوهر وحقيقة هذا الدين المتسامح منطلقاً من تفسير النص بما يوافق منطق العقل وعلى اعتبار ان القرآن (حمّال اوجه ) كما قال الامام علي بن ابي طالب ، أي انه يقبل تفاسيرعديدة وانه مفتوح ، وكان الشيخ على دراية ومعرفة بان اولى محاولات الغاء العقل لحساب النص عندما رفع الامويين المصاحف على اسنة السيوف في موقعة (صفين) وكانت اول حيلة لوضع الدين في خدمة السياسة وهذا ما ادركه الامام علي عندما قال:(ان معاوية وعمروبن العاص ليسوا باصحاب دين ولاقرآن ) وبهذا المنظور اراد ان يعيد الدين الى مساره الصحيح فكان التجديد في خطابه الديني ثورة على القراءة الخاطئة والتفسير المؤدلج للاسلام وقلبا للمفاهيم الموروثة ، وحاول ان ينفض الغبار عن رونق هذا الدين ويظهر بعده الانساني ، ووفق هذه القراءة فكل من يملك التسامح والمحبة والغيرية واحترام الآخر هو مسلم اينما كان ومن كان (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) قدم قراءته للنص على ضوء الواقع الراهن متجاوزاً النظرة السطحية مؤكداً على ان الاسلام قادر على اختراق الاطر
الزمكانية ومواكبة العصر اذا تم تفسيره بالشكل الصحيح ومن هذا المنطلق وجدناه يرقص ويغني ويشارك في الاعراس مخالفاً رؤية الغلاة الاسلامويين الذين يدعون بان الاسلام حرم الفنون والغناء والموسيقى بدعوى انها تثير الغرائز وتخاطب الجانب الحسي في الانسان. وفي ما يخص مكانة المرأة في الاسلام و دعوته الى المساواة، يقول :"كيف لي ان اقبل بمنطق العقل بان شهادة امرأتين مثقفتين تساوي شهادة رجل جاهل ) انه يكشف النقاب عن التفسيرات والقراءات الخاطئة التي تضع النص في الموقع المضاد للعقل فالعقل حق والنص حق والحق لايضاد الحق. هذه القراءة الكردية للعقيدة الاسلامية حرر الاسلام من النزعة العروبية المنغلقة تماماً كما حررصلاح الدين القدس وامتاز بتسامحه فكان البطل الانقى في الاسلام على حد تعبير المستشرق الفرنسي البيرت شامتو. ويقال بان العظماء يرحلون ولكن تبقى أعمالهم خالدة منارةٍ للأجيال وبذلك يكون البقاء لهم لأنهم الأقوى والأفضل ، ويبقى فكرا لشيخ معشوق كالطائر الذي يحلق فوق رؤوسنا دائماً.







 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE