|
|

نوروز 2706 ك/ 2006
م عشر خطوات للأمام
هوشنك أوسي _ دمشق
استقبل الشعب الكردي عيده القومي "نوروز"
بمزيد من الحماس والحيوية والتوق للانعتاق
والحرية. ولقد كان لهذا العام نكهة أخرى
مميزة، حيث شارك في الاحتفال الملايين من
أبناء الشعب الكردي في عموم كردستان، وذلك
بالنزول للساحات والميادين العامة وفي
أحضان الطبيعة المزدانة بألوان النوروز
الخلاَّبة، متحدِّين كافة أشكال الضغط
والقمع والمضايقات التي كانت تضعها
السلطات الأمنية في شمال الوطن وشرقه
وجنوبه الغربي. لقد كانت رايات الكرد
وصيحاتهم وقبضاتهم المليونية التي ترسم
شارات النصر، تعانق السَّماء، في جوٍّ من
الهيجان والتفاعل الجماهيري العارم الذي
تضمن عدَّة رسائل موجَّهة لأعداء الكرد
قبل أصدقائهم. ويمكن تلخيص الرسائل التي
وجهها الشعب الكردي في نوروز 2006 بالآتي:
أولاً _ الشعب الكردي يقترب من الحرية
بخطى أكثر إصرار وثقة بالنفس وبالمستقبل.
وتالياً، فالأعوام القادمة، ستكون كردية
بكل المقاييس، وعلى كافة المستويات. فهذا
الشعب بات أكثر عزيمة وتصميماً على مواصلة
مسيرته النضالية. ومن المستحيل ليّ ذراع
هذا الشعب، أو الوقوف حجرَ عثرة أمام سعيه
نحو تحقيق أهدافه.
ثانياً_ لقد أعاد الشعب الكردي في شمال
الوطن وشرقه وجنوب غربه وفي الشتات، إنتاج
الإرث والجهد النضالي لحركة التحرر الوطني
الكردستاني على مدى 25 عاماً في هذا
النوروز، وفي حالة تضامنية عارمة مع
الزعيم الكردي عبد الله أوجلان الذي يعاني
من حملة تجريد وعزلة مطبقة في معتقله في
إمرالي. ما أكَّد على ارتباط الشعب الكردي
بقياداته ورموزه النضالية الوطنية، في هذه
المرحلة الأكثر حساسية ودقَّة في التاريخ
النضالي المعاصر للشعب الكردي.
ثالثاً_ لقد أثبت الشعب الكردي فشل وإفلاس
كل التكهُّنات والمراهنات التي كانت
تتمحور حول قرب تصفية وزوال وانتهاء حركة
المقاومة الوطنية الكردية في عموم الوطن
الكردستاني، عقب اعتقال زعيمها أوجلان،
وما تلا ذلك من اهتزازات وانعطافات وخلل
وارتباك سياسي وعسكري وتنظيمي شهدته حركة
أوجلان. بالتالي، ظهر في نوروز هذا العام،
أن تجربة الـ"pkk" قد تجاوزت الحالة
التنظيمية الأيديولوجية التقليدية، بأن
تحوَّلت إلى أحد أهم روافد الثقافة
النضالية لهذا الشعب المقاوم. وبات واضحاً
للقاصي والداني محلياً وإقليمياً ودولياً،
أن لا حل للقضية الكردية في شمال الوطن،
دون المرور بـ"pkk" أو تجاهلها أو
الالتفاف عليها. كما لا حل للقضية في باقي
الأجزاء, دون أن يكون لهذه التجربة بصمتها
عليه.
رابعاً_ عودة النوروز إلى أحد أهم طقوسه
التاريخية الملازمة لهذا العيد القومي،
وهو تركيز المحتفلين على ارتداء الزِّي
الفلكلوري، خاصة النِّساء والصبايا
الكرديات.
احتفل أكراد دمشق بعيدهم موزعين على ثلاثة
مناطق، في بساتين الفيحاء، وحيّ تشرين
ومنطقة الصحارى. ولقد كان لي شرف الحضور
في بساتين الفيحاء وحي تشرين، وخرجت
بالانطباع التالي: في بساتين الفيحاء في
حي ركن الدين، كان الحماس والتلاحم
والتفاعل بادياً منذ تباشير الصباح وحتى
غياب الشمس. لقد كانت الحفلة مزدانة
بالإعلام الكردية والحزبية وصور أوجلان.
وكانت الحفلة منظمة بشكل مقبول، من خلال
التفاف الجماهير حول فرقة "سرحد" للفنون
الشعبية الكردية، وتفاعلها مع ما تقدمه من
فقرات فنيَّة. فبالرغم من حضور ما بين 15
إلى 20 ألف شخص، وعلى الرغم من ضيق المكان،
لم تظهر أية حالة شذوذ أو اصطدام أو شِجار
بين أثنين من الحاضرين. أمَّا الاحتفال في
حي تشرين، فقد كان الجو الاحتفالي فاتراً
خالياً مما كان موجوداً في بساتين الفيحاء.
وذلك من خلال تشتت الجماهير الموزعة على
فرق فنية مشتتة، جمعت كل فرقة حولها بضع
مئات من الموجودين. وفضلاً عن خلاء
الاحتفال من التعاضد والتلاحم الناجم عن
خصومات حزبية مزمنة، طفت على سطح الاحتفال
النوروزي القومي الجامع والموحِّد لكل
الكرد في كل مكان حول نيران التوق للحرية؛
فضلاً عن ذلك، ظهر وكأن المحتفلين
بالنوروز في حي تشرين يتعاطون مع هذا
العيد وكأنه عيد اجتماعي أو طقس اجتماعي
يخرج فيه الكرد للنزهة في أحضان الطبيعة
وشيّ اللحم وتناول الأطعمة والمشروبات
الروحية. وخُيّلَ لي وكأنَّي أسير بين
جموع من البشر خارجة للنزهة في يوم ربيعي
عادي. والزَّي والأغاني الكردية هي هوية
الاحتفال. لكن، باعتقادي أن هوية عيد
النوروز لا تنحصر في الزِّي والغناء
الفلكلوري، بل يوجد مظاهر أخرى كان ينبغي
وجودها في الاحتفال، حتى ينال النوروز
حقَّه وهويته، وربما أهم هذه المظاهر هي
الوحدة أو التلاحم الجماهيري المتجاوز
للمظاهر الحزبية الضيقة.
وأثناء مناقشة تباين الجو الاحتفالي بين
الحيَّين أو المنطقتين على الرغم من العيد
والشعب واحد، فأجاب صديقي: أن المسألة
تتعلق بالتربية والثقافة التي أخذوها من
مدارسهم السَّياسية.
|