خلات أحمد شاعرة كوردية تكتب بدمع
القلب ، ترسم أشياءها مثل عصفور
يرفل في بساتين الضوء ، نصها مزيج
من حلم و من شوق ...منذ زمن أسعى
لمحاورتها و كنت في كل مرة أجد ما
يؤخرني عنها رغماً عني ، و أخيراً
تمكنت من الولوج لأعماق الشاعرة
فيها و في هذا الحوار يجد القارىء
لحظات من البوح الجميل ، أصدرت
مجموعة شعرية بعنوان " أوشحة
الفجر " يقول الناقد عبدالكريم
الكيلاني في معرض حديثه عن هذه
المجموعة " أوشحة الفجر مجموعة
شعرية تستحق القراءة مليئة
بالمشاعر الإنسانية وطافحة
بأحاسيس رقيقة بالإضافة إلى أنها
تمثل الثقافة الحية المتجددة
والمعبرة عن رؤى وتطلعات الإنسان
لتكون إمتداداً للثقافات الأخرى
في العصر الحديث."
الثقافية :-بداية كيف نقدمك
للقارىء ؟
خلات:- خلات أحمد،شاعرة كوردية من
كوردستان سوريا، أكتب باللغتين
العربية والكوردية.
الثقافية : ماذا لو عدنا إلى
الطفولة ونبشنا في تجاويف الذاكرة
، كيف كانت هذه المرحلة من حياتك
؟
خلات:- لم يكن في طفولتي ما
يميزها عنها عند بقية الأطفال سوى
أنني عشتها بكل زخمها، حتى أقصى
درجات حريتها، لعبت مع أطفال الحي
بالطين ،تسلقنا الأشجار،خضنا في
النهر، صنعت مع البنات دمى من
العيدان والأقمشة القديمة،ولعبت
مع الأولاد بالبرامات والدحاحل
وطاردت العصافير بالنقافات،
وأرسلتني أمي لرعي عنزتها الوحيدة
في أطلال الثكنة الفرنسية القديمة
التي كنا نعتقد أنها مسكونة بالجن
ومن هناك شاهدت غروب الشمس على
جبل " إيلم " كحجر ياقوت في خاتم
ٍ ثمين، رافقت عائلتي فجراً لقطف
البطيخ الطازج وشاهدت أول شعاع
للشمس يمس قمة جبال الشمال
الكردستاني، تبعتُ أمي إلى حقول
القمح وهي تجمع القش لتدعيم سطح
بيتنا الطيني وأبتهجت وأنا أسمع
ثغاء الخراف الرضيعة حين تشم
رائحة أمها في عودة القطيع من
المراعي في المغرب المتأخر من صيف
قرية جدي. لم يكن في دارنا مكتبة
لكنها كانت تضج بالحياة. تلك هي
ذاكرتي الطفولية الغنية بالصور
والمشاعر والتي تشكل أحد مرتكزات
كتابتي.
الثقافية : كيف تبلورت خطواتك
الأولى في عالم الكتابة ؟
خلات:- بلا شك الحياة الكثيرة،
الكثيرة جداً التي عشتها،في
طفولتي وصباي ، والقراءات التي لم
تتوقف أبداً هي التي بلورت تجربتي.
حتى إنهائي للمرحلة الإبتدائية لم
أعرف سوى الكتب المدرسية، في الصف
الأول الإعدادي دخلت لأول مرة إلى
مكتبة المدرسة ومنها إلى مكتبات
الأصدقاء ومن ثم المكتبة المركزية
للمدينة.
إن كان انخراطي المبكر في النضال
السياسي والنقاشات شبه اليومية
فيها قد جعلتني قادرة على نحو ما
على اختيار العناوين والأسماء
التي أقرأ لها، إلا أن الأمر كان
في الأدب مختلفاً فلم أتمكن من
الأختيار حيث أني لم أكن في وسط
أدبي يتيح نمو نقاش كهذا،
السياسية كانت دائماً هي الغالبة
لذلك فقد قرأت في الأدب كل ما
وقعت عليه يداي، دون أن أعير
أهمية كبيرة لأسماء الأدباء،
مثلاً لو أنك سألتني قبل عامين ،هل
قرأت لكزانتزاكي لقلت لك " لا "
ولو أنك سألتني هل قرأت " زوربا "
لقلت لك "ومن لم يقرأ " زوربا"
؟!، باستثناء بعض الأسماء التي
أفضت إليها السياسة فبحثت عنها
كمكسيم غوركي ودوستوفسكي وأدباء
الأتحاد السوفيتي السابق عموماً،
فقد قرأت كل شئ آخر في الأدب دون
أن أتردد أمام اسم المؤلف، لقد
قرأت كما هائلاً من الروايات
والدواوين التي جعلت داخلي غنياً
وعالمي فسيحاً وروحي مفعمة بصور
لا حصر لها ومشاعرمختلفة غطت
أحياناً على مشاعري الشخصية لصالح
الشخصيات الروائية.تداولنا أشرطة
الشاعر العراقي مظفر نواب سراً
وبالتأكيد كان نزار قباني هو
شاعرنا الذي لا ينازع في تلك
الفترة، وحفظنا الشعر
الأندلسي،ورددنا أنشودة
المطروتداولنا دواوين ناظم حكمت
كأنها كتب مقدسة........ والقراءة
إدمان لا يمكن المرئ التوقف عنها،
ولازال كل كتاب يسلمني إلى آخر.
ولأن كنت في البداية أقرأ كل كتاب
أدبي والشعر خاصة كإنه كتاب
مُنّزل، فقد علمتني تجربتي
السياسية أن أبدأ قراءة كل كتاب
بعين ٍ ناقدة وهذا أمر جنيت ثماره
الطيبة في كتابتي في ما بعد.
تجربتي في الإنتماء إلى حلقة
المنتدى الأدبي لشبيبة الثورة،
أثناء المرحلة الإعدادية لم تفدني
في أي شئ سوى أنها كادت أن تجعلني
أعتقد أن الأدب مجرد مديح للسلطة
ومسح جوخ للقائد والحزب القائد
ومنجزات الحزب القائد، فأنسحبت من
المنتدى وأنا دائخة ومخلخلة
الإيمان بالأدب. في ما بعد ولفترة
طويلة أكتفيت بالكتابة لنفسي ولم
أختلط فيها بالوسط الأدبي نهائياً.
منذ وصولي إلى أوربا بدأت تجربتي
تأخذ حيزاً آخر، ومنحاً آخر ،،،،
الأنترنيت كان له دور مهم في
تقديمي للوسط الأدبي العربي
والكردي، وها أنا الآن راضية إلى
حد ما عن الحفاوة التي استقبل بها
الوسط الأدبي مجموعتي الأولى "
أوشحة الفجر ".
الثقافية : ما مدى حضور الثقافة
الكردية في كتاباتك ؟ بما أن النص
هو محصلة مخزون معرفي و ثقافي .
خلات:- ذهنية الكتابة وروحها عندي
كوردية،أعتقد أن ذلك يبدو جلياً
في الصور الشعرية التي أبني بها
قصائدي، وإن كنت لا أتقصد ذلك،
إنما هو أمر يصدر عن ذاتي
الكوردية بتلقائية لتأخذ تلك
الصور مكانها في القصيدة التي
أكتبها بلغةٍ عربية. مثلاً نحن
الكورد حين نسمع صوت شخص حبيب غاب
عنا فترة طويلة، نقول له:
" طار من قلبي حجل" وهذه أول صورة
في قصيدة " نقوش عتيقة " التي
أبدأ بها مجموعتي الشعرية الأولى
" أوشحة الفجر/ الترياق ".
في تقديمه لملف الشعر النسائي
الكوردي يقول الشاعر محمد نور
الحسيني " خلات في أول سانحة ترفع
هويتها الواضحة البيان والمعبرة
عن المرأة الكوردية في الشمال
السوري، إنها الشمال نفسه في غمرة
كمونه وشرعية رغباته " ثم يورد
كدليل على ما رمى إليه مقطعاً من
قصيدة " الحناء على كاحلي" :
على كتفي البريتين
تستريح قرى الشمال، وأغاني
الحصادين
يسكرون من وهج التراب
دوامة الغبار
خلف كومة القش الكبيرة
تشعل الرغبة في رؤوس أناملي.
فإذا الشاعر محمد نور أعتبر أن
تفاصيل الصورة في المقطع من أغاني
الحصادين ووهج التراب الناتج
طبعاً عن الحرارة الشديدة ودوامة
الغبار وكومة القش هي تفاصيل تعبر
عن مكان بعينه هو قرى الشمال التي
أنا منها وهي كوردية، كما أنه كان
يحلو لنا – نحن الحصادين - أن
نعتقد دائماً أن ثمة عاشقان
يختبئان من نظراتنا خلف كومة القش
و أنهما يتبادلان القبل، ولهذا
فدوامة الغبار التي خلف كومة القش
تشعل الرغبة في رؤوس أناملي.
هذه الصور التي هي جزئيات صغيرة
من حياة المجتمع الكوردي في
الجزيرة السورية تأتي من كمونها
في ذاكرتي لتأخذ مكانها طواعيةً
في القصيدة.
بإمكاني أن أورد لك أمثلة كثيرة
على هذا النحو، لكن من العدل أن
أحافظ على أسرار قصيدتي لتبقى
قادرةً على منح القارئ لذة الرؤيا
الجمالية وإكتشاف إمكانيات
القصيدة التي هي من حقه بالتأكيد.
هذا من حيث الصورة أما من حيث
البناء، فقد صرحت أكثر من مرة أني
مولعة بالتراث الكوردي الشفاهي،
ولا سيما الملاحم المغناة وعلى
الأخص تلك التي تغنيها النساء.
ا لبراعة التي تتمتع بها هذه
الملاحم من حيث التواشج المذهل
بين حكاية عشق ومجريات أحداث
تاريخة بعينها،أشك أن ثمة أدب
عالمي يضارع الأدب الكوردي من هذه
الناحية. نحن نستشهد دائماً ب"
عدولة تمر باشا " والملحمة التي
غنتها لحبيبها "درويشى عفدي" في
بدايات القرن الماضي. أثق لو أن
ثمة نقاد كورد يملكون القدرة على
تناول هذه الملحمة لكانت واحدة من
أعظم قصائد النثر.
هي أمنية عذبة وغالية أن أتمكن
يوماً من كتابة قصيدة مثلها بلغتي
الكوردية. وقد ظهر تأثير هذا
النمط في بناء قصيدتي أبتداءً من
قصيدة " أوشحة الفجر" ومن ثمة نص
" سيرة نهر" حيث بدأ النثر أيضاً
يأخذ حيزه في كتابتي. ثم تتالت
بعد ذلك عدة نصوص كرست هذا النمط
من البناء لدي.
لدينا أيضاً في الكوردية نمط من
الغناء يتبادل فيه العاشقان
الغناء والبوح، من أشهر هذه
الأغاني الملحمية أغنية " كريفى "
وقد تجسد ذلك عندي في نص " قامتي
الرمح المزين بألف جديلةٍ "،عنوان
النص نفسه هنا أعني تشبيه القامة
بالرمح مديحٌ كوردي لقامة المرأة
المتصفة بالطول والإستقامة
والرهافة، وزينة الرمح بجدائل
النساء تقليد كودري كان متبعاً
لزينة رمح الفارس المغوار الذي
تنتظره الكثير من النساء اللواتي
زينّ رمحه بأغلى ما لديهن،
جدائلهن، أمه وأخواته وزوجته أو
حبيبته.
الثقافية:- أيّ معنى للمكان في
كتاباتك ، خاصة و أنك تحتفلين به
كثيراً داخل نصوصك ؟
خلات:- النص/ القصيدة يفرض أدواته
اللغوية وشكل بنائه وأسلوب
التعاطي مع مادته....من ناحيةٍ
أخرى فالأماكن رهن بالأحداث التي
عشناها فيها ورهن بالأشخاص الذين
عايشناهم فيها. ثمة أماكن عشت
فيها لمدة طويلة ولم تتسرب إلى
كتابتي ولو قليلاً،مثلاً أنا عشت
في دمشق ثمانية سنوات لم يظهر
منها حتى الآن أي شئ في
كتابتي،وفي الوقت نفسه ثمة أمكنة
لم أرها مطلقاً لكن أحداثها
جعلتني أشعر أنني رأيتها بل وعشت
أحداثها فكان أن أبحرت في تاريخ
الأمكنة وأحداثها في أكثر من
قصيدة.
كما إنها دعوة للمثقف العربي الذي
ربما يصعب عليه الإمساك بكتاب
تاريخي عن الكورد،لأن يتعرف على
التاريخ والجغرافيا الكوردية في
قصيدة أو نص أحشد له كل طاقاتي
اللغوية وأشحذ له موهبتي وأوقظ له
كل طاقتي الروحية لأمنحه أيضاً
طاقةً أراهن نفسي في كل قصيدة على
أنها قادرةٌ على الإمساك بقارئها
حتى النهاية.
والمكان أيضأ هو أن أطفالي الثلاث
لا يحملون أية وثائق تخولهم
الإنتماء أو حمل جنسية أي وطن في
العالم، كونهم من " مكتومي القيد
" وهذا هو الإصطلاح الحكومي الذي
أطلق على الجيل الثاني من أبناء
الكورد حصراً الذين شملهم الإحصاء
الإستثنائي الذي قامت به الحكومة
السورية في محافظة الحسكة عام
1962 والذي كان زوجي أحد ضحاياه،
مع أنه ولد بعد الإحصاء بأربعة
أعوام، هذا الفقدان الباهظ وهذه
الحرية البليغة من الإنتماء إلى
أي مكان،هو المكان الذي أبنيه في
نصوصي وقصائدي ليكون وطناً لي
ولأطفالي.
الثقافية:- يقول الناقد عبدالكريم
الكيلاني في معرض حديثه عن أوشحة
الفجر / الترياق
" أوشحة الفجر مجموعة شعرية تستحق
القراءة مليئة بالمشاعر الانسانية
وطافحة بأحاسيس رقيقة بالاضافة
الى إنها تمثل الثقافة الحية
المتجددة والمعبرة عن رؤى وتطلعات
الانسان لتكون إمتدادا للثقافات
الاخرى في العصر الحديث."إلى أي
مدى يمكن للشاعر أن يعبر عن
تطلعات القارىء في زمن فقدان
القارىء ؟
خلات:- نحن في البداية حين نكتب
نمتحن في أنفسنا القدرة على كتابة
الشعر، ومن ثم حين ننشر ذلك إنما
ندعو القارئ إلى أن يشاركنا
رؤيتنا في القصيدة،ونأمل أن يرى
جهدنا، نأمل أننا لازلنا قادرين
على أن ندهشه.
صحيح لم يعد هناك سوق عكاظ، وبلاط
أمراء يتبارى فيها الشعراء لكن
هناك العشرات من المهرجانات
الثقافية، ولم يعد هناك قوافل
تتناقل أخبار وقصائد الشعراء لكن
هناك الآن منظومة إعلامية ضخمة
ومذهلة في سرعتها،وهذا يتيح
للقارئ أن يقرأ القصيدة بصوته هو
وليس بصوت الشاعر وهذا بحد ذاته
حياة أخرى للقصيدة.
القارئ هوالجزء الآخر من العملية
الإبداعية، والقارئ المبدع لا يقل
أهمية عن الشاعر المبدع في حياة
القصيدة ذاتها. بالرغم من انحسار
الشعر كفن ذو قاعدة جماهيرية
واسعة إلا أن وجود قراء نوعيين
أمر يبعث البهجة في الروح.
عن تطلعات القارئ، أنا فعلا لا
أعرف بماذا أجيب على هذا الجزء من
السؤال، فما الذي قد يتطلع القارئ
إلى أن أكتبه، أعتقد أن كل شاعر
يكتب إلى حد ما جزءً من تطلعات
القارئ ولا أحد يمكن أن يكون
شاملاً بحيث نستغني بقراءة نتاجه
عن الأخرين، وهكذا فالتعدد يمنح
الأشياء عدالة أن تتكامل في مشهد
كبير هو الشعر بمختلف مشاربه.
الثقافية:- ماذا عن الثقافة
الكردية و المشهد الشعري الشبابي
بشكل خاص ؟
خلات:- لا أعرف إن كان يصح إطلاق
صفة قومية على الثقافة أصلاً ،
فمن منا أستمد ثقافته من مصدر
قومي بعينه فقط ؟
ومع أن سؤالك يبدو عاماً جداً مما
يُشكِلُ علي التحدث في موضوع معين
متعلق بأحد جوانب الثقافة
الكوردية، إلا أن بإمكاني القول
أن للوسط الثقافي الكوردي أيضاً
إشكالياته وعلى كل الأصعدة، بدأ
من اللغة وإنتهاءً بالسياسة. وقد
أدى تقسيم وطننا للمرة الثانية
بين عدة دول إلى تكريس حدة هذه
الإشكاليات، فالشعب الكوردي تطور
في كل جزء من الأجزاء الأربعة ضمن
ظروف وثقافة مختلفة عن الأجزاء
الأخرى. وإن كانت التقسيمات لم
تمنع من التواصل والتفاعل في
القضايا القومية، فإن تأثير
الثقافة الحاكمة في كل جزء أنعكس
على الأدب الكوردي.
من أهم المشاكل التي تعترضنا الآن
إختلاف الأبجدية المستخدمة في
كتابة اللهجتين الرئيسيتين لدى
الشعب الكوردي وهما الكرمانجية
والسورانية، وهذا يُشكِل علينا
التواصل والإطلاع على تجارب بعضنا.
عن المشهد الشعري الشبابي، أستطيع
أن أؤكد أنه خلال السنوات العشر
الأخيرة أزدهر الأدب الكوردي
وأقبل عدد كبير من الشباب الكورد
على تعلم لغتهم الكوردية بجهود
شخصية رغم كل الظروف الأمنية
والسياسية التي تجعل الأمر خطيراً
أحياناً، ومن ثم برزت عدة أصوات
شعرية تحاول أن تكرس تجربتها
وتجدّ في تأسيس إختلافها ومن تلك
الأسماء على سبيل المثال وليس
الحصر " فريد خان ، كمال نجم ،
هوشنك أوسى، نزير ملا،سليمان آزر،
عبد الرحمن عفيف ،لقمان آسهي، روج
حلبجيه، ناهد الحسيني " والشعر
الكوردي عموماً لا زال يملك مساحة
واسعة جداً للإكتشاف، أستطيع أن
أعول على جهود وتجارب العديد من
الأسماء الشابة في أنها ستحقق
بعضاً من ذلك الإكتشاف وتعيد للغة
الكوردية حيويتها وشبابها.
الثقافية:-ما مدى تأثير الثقافة
العربية في النص الكردي سيما و
أنك تكتبين نصا عربيا ؟
خلات:- في سوريا اللغة العربية هي
اللغة الرسمية الوحيدة للبلاد
واللغة الكوردية ممنوعة في كل
مناحي الحياة العامة، بمعنى آخر
نحن ندرس كافة مراحل تعليمنا
باللغة العربية وندرس التاريخ
العربي والشعر العربي ونتعلم
البحور العربية وكنا نشاهد
التلفزيون ونسمع الراديو بالعربية
وقد غيرت الدولة أسماء مدننا
وقرانا الكوردية الى العربية
وأستقدمت عرباً من المحافظات
الأخرى واقامت لهم بجانب قرانا
مستوطنات عربية في ما سمى بالحزام
العربي، وأقصت كل شئ كوردي ، حتى
تسجيل أسماء المواليد، في ظل كل
هذا القسر ما الذي يمكن أن ينمو
من ثقافة ؟
أنا أكتب أدباً عربياً بروح
كوردية في ما يطيب لنا نحن الكورد
الذين نكتب بالعربية أن نسميه "
الأدب الكوردي المكتوب بالعربية "
لكن الكورد مترددون ،أقرب إلى
الرفض في قبوله كأدب كوردي، ونحن
نكتب أدباً عربياً بروح كوردية
تجعل الكثيرين من الوسط الثقافي
العربي ينظرون إلى نتاجنا بتحفظ.
كلنا _ الأدباء الكورد الذين
يكتبون بالعربية _ نستظل بالكبير
" سليم بركات " الكوردي الذي قال
عنه أدونيس " اللغة العربية
موجودة في جيب هذا الكوردي"،
نستظل به في السماوات التي أوصل
إليها اللغة العربية كلغة إبداع ،ونستظل
به في الوجع الكوردي الذي وصل به
أيضاً الى سماوات الإبداع. هل
سيغفر التاريخ لنا ، التاريخ
الكوردي؟
الثقافية:- في ذات السياق ، هناك
إفراز جديد حتمه الوضع السياسي
للكورد أقصد " أدب المنفى " .ماذا
عن هذه التجربة الثرية في كتاباتك
؟ و هل استطاع المنفى / الحرية أن
يعوضك الوطن / الألم ؟
خلات:- لا أعلم إن كان يصح أن
نطلق إصطلاح " أدب المنفى " على
الأدب الذي ينتجه الأدباء الكورد
المتواجدين خارج أرض كوردستان،
فأنا لا أعرف شاعراً يكتب من خلال
معطيات البلد الأجنبي الذي يعيش
فيه،معظمنا لا زال يكتب الوطن ولا
أرى ذلك الفرق الكبير بين ما
ننتجه هنا وما ينتجه أدباء الداخل
إلا نبرة الحنين القوية في
قصائدنا عن الوطن، وأيضاً الحرية
في أن نقول ما نريد قوله دون أن
نخشى الإعتقال والتعذيب و
الملاحقة.
بالنسبة إلىّ كإمرأة فإن الوضع
يختلف أكثر ، فقد منحني المنفى
الحرية، حرية وجسارة أن أكون نفسي
ليس كشاعرة فقط، بل كأنثى شاعرة،
الحرية التي منحتني هي الوقت
والهدوء لأشتغل على داخلي المزدحم
بالعادات والتقاليد والقوانين
والأفكار المتخلفة التي تحكم ليس
حياة ووجود المرأة وحدها بل تحكم
المجتمع بأكمله هناك، منحنتي
الفرصة لأعبر عن التمرد الذي في
داخلي، وأقول العالم الحياة التي
أريدها وأحلم بها ،الحرية التي
منحتني هي الحق في أن أتألم بصوت
عال، أن أحب وطني المسلوب والمعذب
والملاحق وأغني لوجعه،أن لا أشعر
بالنقصان والخجل والقيد لأني
إمرأة.
اليوم حين يشتعل الحنين الى الوطن
في أعماقي،أتمنى أن أعود إلى هناك،
لكني حين أتذكر الجبروت المجرم
للأنظمة الأمنية، والظلم
اللاإنساني الذي يرزح به كاهل
المجتمع هناك، حتى في منع الناس
من مرافقة جنازة شهدائهم الذين
قتلوا تحت التعذيب في أقبية
السلطة، فأنني أفضل أن أحترق هنا
في لوعة الحنين وقسوة الإغتراب
على أن يعيش أطفالي في تلك الظروف.
الثقافية:- " أوشحة الفجر " هل هي
أوشحة الأمل و الإنعتاق و انفتاح
الآفاق بعد سنوات القهر و عذابات
الوطن / المنفى
خلات:- سأكتفي بالقول عن " أوشحة
الفجر " أنني أتمنى أنها شعر.
الثقافية:-في ظل الوضع العالمي
المخيف ومحاولات الهيمنة الأحادية
كيف يبدو لك دور المبدع ؟
خلات:- أعتقد أن الدور الأكبر
يأخذه الإعلام المرئي،خاصة بعد
انتشار القنوات الفضائية التي تصل
إلى كل بيت وفي كل أرجاء المعمورة
وتوفر أخبار مجريات الأحداث
العالمية وترصد تداعياتها
وتتناولها بالتحليل وتستعرض مختلف
وجهات التظر فيها، مع أن عملها
يعتمد بالدرجة الأولى على العمل
المعرفي الأكاديمي أكثرمنه عمل
إبداعي إلا أن الذكاء المستخدم في
توجيهها وطريقة تناولها للأحداث
يجعلها قادرة وعلى المدى الطويل
على التأثير على الرأي العام وهذا
الذكاء بحد ذاته أعتبره إبداعاً
وإن لم يكن دائماً نزيهاً
وخيراً.أهمية هذه القنوات تنبع
ليس فقط من أنها تصل كل بيت وليس
أيضاً فقط لأن الأمية منتشرة في
منطقتنا بل أيضاً لأن المتعلمين
أنفسهم لا يقرأون كما تثبت العديد
من الإحصائيات التي نشرت لأسباب
متعددة لسنا في صدد البحث فيها
الآن.
يلي الإعلام المرئي ، الإعلام
المقروء، والجرائد بغالبيتها
الساحقة سياسية، لا شك في دور
التحقيقات والتحليلات التي تنشرها
من أهمية. الصفحات التي تخصصها
للأدب كملحقات أسبوعية أصبحت
حكراً على أسماء كبيرة، صارت لشدة
كبرها لا تسمح لغيرها بالنمو وهي
وإن كانت كبيرة فقد صارت لكثرة
تكرارها مملة.
وهو من العدل أن أخص بالذكر موقع
" جهة الشعر " والشاعر " قاسم
حداد " في ما يبذله من جهد لتفعيل
الوسط الأدبي وخاصة في ما يمنحه
من فرصة للأصوات الشابة في أن تجد
فرصة لإثبات ووجودها.
ثم المبدع في أي مجال كان أديباُ،
فناناُ، تشكيلياً، أو في أي مجال
آخر هل يستطيع أن يقول ضميره
الصحيح وبالتالي يكون له دور دون
أن يتعرض للملاحقة والإعتقال،
طبعا أنا أتكلم طوال الوقت عن
منطقتنا ولا أعني أوربا وبقية دول
العالم، إنعدام الحرية
والديمقراطية يجعل دور المبدع
ينحسر أكثر فأكثر.
مثلا في سوريا باستثناء الشجاع
الأستاذ " صبحي حديدي " لا أعرف
شاعراً أو روائياً أو فناناً تجرأ
أن يتناول قضية الشعب الكردي في
سوريا وسمى الأشياء بمسمياتها
الحقيقية، فأي دورٍ قد نتوقعه
منهم إذاً ؟
ربما أنحصر الدور الوحيد للمبدع
في الحفاظ على قيم الحق والحب
والجمال في الروح البشرية حتى
تكون لدينا القدرة على التمسك
بالأمل والإستمرار في الحياة.
وهو ليس بالدور الهامشي على
الإطلاق.
عن صحيفة
الحقائق اللندنية العدد الصادر في
21.2.2006
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع