إذا ما نظرنا إلى خارطة المعارضة
السورية فإننا نجد عليها شخوصا
تبهر العيون ونسمع أصواتا تثير
الشجون، وهي تتحدث وتكتب عن
القضية الكوردية في سوريا بأسلوب
مغاير لما ألفه الشعب الكوردي من
لهجة المعارضة "الوطنية
الديموقراطية!" التي دأبت دائما
على تقزيم الحق القومي الكوردي في
سوريا، وهو حق ثاني أكبر قومية في
البلاد، في صورة "حق المواطنة" أي
امتلاك الهوية السورية التي عليها
تعريف "عربي سوري" لكل المواطنين،
سواء أكانوا عربا أم غير عرب.
ومن هؤلاء المنشقين عن الخط العام
بصدد الحق القومي الكوردي في
سوريا عدة أقلام معروفة يعتبرها
الكوردي العادي أصدقاء لشعبه
وديموقراطيين من الطراز الأول،
وهم في معظمهم خرجوا في وقت من
الأوقات من الخيمة الشيوعية التي
كان يدور الحديث فيها بين الحين
والحين حول حق الشعوب في تقرير
مصيرها بنفسها، وأحيانا حول
الوجود القومي الكوردي كحقيقة
لامهرب مهنا، يجب إيجاد إطار عادل
لها... وبعض هؤلاء تجاوز مناهج
الحركة الوطنية الكوردية "السورية"
في مطالبها وأهدافها بحيث بات
المرء يشك في صدق مواقفهم وحقيقة
مشاعرهم وصدق مطالبتهم بإنصاف
الشعب الكوردي، وهذا الشك يدفعنا
إلى حد القول: "هل هؤلاء يستكردون
شبابنا بهذه المزاودات؟."
والاستكراد لفظة مصرية سلبية
مرادفة للاستغباء، أساسها "كوردي"،
وتم تداولها في الماضي – مع
الأسف- حين كان الاستخفاف
بالكوردي أمرا عاديا في أنحاء من
المحيط العربي.
ولكي لا نخلط الشك باليقين ونرى
إلى أي حد هؤلاء صادقون في
مواقفهم وأطروحاتهم، وفيما إذا
كان حراكهم هذا يتعدى المكاسب
الحزبية وتجنيد الشباب الكوردي
لأغراضهم السياسية والفكرية، لذا
أقترح فتح قناة واسعة للحوار
الجاد والموضوعي والصريح مع هؤلاء
المحاربين الأوائل ليتحول الظن
المخيم على رؤوسنا إلى يقين تام
بأن للشعب الكوردي أصدقاء سوى
الجبال، ولكي نكتب أسماءهم بماء
الذهب في سجل أصدقاء الشعب
الكوردي إلى جانب إسم الدكتور "إسماعيل
بشكجي" العالم التركي الذي أثبت
وقوفه الجريء والمثبت بنتاجات
سياسية واجتماعية علمية رائعة إلى
جانب الأمة الكوردية في كفاحها من
أجل الحرية والحياة، وضحى من أجل
مواقفه تلك بالعديد من سنوات
العمر في سجون الطغيان الأتاتوركي
المجرم، وكذلك إلى جانب بعض
الأصدقاء العرب الذين لانشك في
صدقهم وإخلاصهم في الدعوة إلى منح
هذه الأمة المظلومة كل حقوقها
القومية دون نقصان. ولا أذكر
أسماء بعضهم هنا دون آخرين حتى لا
نبخل أحدا حقه في هذا المجال
الهام.
ولكي يكون الحوار على مسمع ومرأى
الرأي العام، فإن مؤتمرا يضم
مثقفين كوردا وعربا وسواهم من
المهتمين بالقضية الكوردية في
سوريا يجب أن يعقد وأن ينتهي
بإصدار بيان ختامي يثبت المتفق
عليه في مجال الحق القومي للشعب
الكوردي وبعد ذلك يمكن نشر الآراء
المطروحة في كتاب خاص وفي وسائل
الإعلام لكي لا يكون هناك مجال
لتأويلات وتفسيرات خاطئة. وسيكون
رائعا إذا ما تم عقد مثل هذا
المؤتمر بحضور القنوات
التلفزيونية الكوردية والعربية
المختلفة. ومن الأفضل أن يكون ذلك
في بلد أوروبي، حيث تخيم أجواء
الحرية والديموقراطية وحيث يمكن
تنظيم مؤتمر يثير اهتمام وسائل
الإعلام العالمية بشكل أكثر
فعالية مما عليه الحال في بلدان
الشرق الأوسط، كما يمكن الاستفادة
في هذا المجال من خبرات الأصدقاء
الأوربيين استفادة قصوى.
وبدون مؤتمر كهذا يصعب التأكد من
حقيقة مواقف هؤلاء المعارضين
الذين لا نشك بإخلاصهم الوطني
ودعوتهم للتآلف بين مكونات الشعب
السوري المختلفة، إذ أن لنا تجارب
مؤسفة مع عديدين ممن كتبوا
المدائح بحق الشعب الكوردي
وتحدثوا طويلا أمام الشباب
الكوردي عن حقهم القومي السليب،
ولكنهم لدى كتابة تلك المواقف
البراقة على شكل بيانات مشتركة،
فروا مذعورين معتذرين بحجج غير
مقنعة بعد أن خدعوا كثيرين من
شبابنا وجروهم إلى صفوف أحزابهم
ومنظماتهم، تماما مثلما استكردهم
الشيوعيون في أواسط القرن الماضي
وبنوا على أكتاف الكورد أمجادهم
الأممية واستغلوهم بشعارات طنانة
عن حق تقرير المصير للشعوب ، حتى
تمخض الجبل فأرا... ولا ننسى في
هذا الصدد الموقف المخزي لعملاق
الشيوعية الكبير الأستاذ رياض
الترك وتنكره لهذا الحق بالنسبة
للشعب الكوردي في الجزء السوري من
كوردستان، مثلما تنكر إخوته
الشيوعيون الترك فيما مضى لذات
الحق في الجزء التركي من كوردستان.
وعليه أذكّر شبابنا الأكراد
بالمثل الشعبي في جبال العلويين
:" لاتقول فول حتى يصير في
المكيول!." ولا نصدق ادعاءات أحد
حول شعبنا الكوردي في سوريا إلا
باعترافه في عهد مكتوب ومشهود بأن
قضيتنا في هذا الجزء من كوردستان
أيضا قضية "أرض وشعب" وليس مجرد
حقوق مواطنة كما تم التأكيد عليها
في "إعلان دمشق".
أما أن الكورد – بمجرد طرحهم
القضية كقضية أرض وشعب- إنفصاليون
كما يزعم بعض العروبيين فهذا هراء
ونفاق لأن الكورد آثروا العيش
المشترك مع غيرهم من مكونات
المجتمع السوري وصاروا جزءا
أساسيا من نسيجه التاريخي
والاجتماعي والسياسي باعتراف رئيس
البلاد نفسه، ولا يطمحون إلا إلى
نيل حقهم القومي العادل ضمن
المنظومة السورية الرائعة ذات
الفسيفساء الزاهية الألوان التي
لاتتنكر فيها قطعة لوجود الأخرى
وتتعايش مع كل القطع الأخرى في
انتظام واحترام وتآلف، والتاريخ
سيثبت أن هؤلاء هم الانفصاليون
وهم الرافضون للعيش المشترك على
أساس الاحترام المتبادل بين
الشعوب..
وأخيرا أقول بأن معظم هؤلاء
مزاودن في الوطنية السورية
والقومية العربية بدليل أنهم
يتحدثون عن "الجولان" باستمرار
ويهملون تماما "لواء الاسكندرون
الخصيب" الذي يفوق الجولان في
الجمال والثراء والموقع
الاستراتيجي والسعة، بل كان يعتبر
أهم منطقة سورية ساحلية ، ونافذة
سوريا على العالم ، لدى الجيل
الأول من القوميين السوريين
والعرب في القرن الماضي فتم سلخه
ومنحه لتركيا وتم حذفه من خارطة
البلاد الرسمية دون أن يحرك ساكنا
هؤلاء المرتعدون من ذكر الحق
القومي الكوردي في سوريا....
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع