|
قيس قره داغي
كتب الاستاذ كامل السعدون مقالا تحيليا رائعا تحت عنوان ( بين
دبي وكوردستان .... امنيات وآفاق ) عن اقليم كوردستان واهميته
والفرص الكامنة التي لو اُحسن استغلاله لجعلته درة الشرق
الاوسط بلا منازع ، لو كان كاتب المقال كورديا لنعته البعض من
المغرضين بأنه يعيش في أجواء حلم جميل أشبه باحلام العصافير
ولكن من حسن الحظ جاءت تلك العبارات الجميلة التي تنم على
الواقعية وبعد نظر والمام تام عن طبيعة المجتمع الكوردي على
لسان كاتب عربي تتحلى كتاباته بالواقعية والتحليل العميق ويحضى
باحترام القراء من مختلف المشارب تقريبا .
يقارن الكاتب في مقالته طبيعة كوردستان والمجتمع الكوردستاني
بالوضع في دول أخرى ارتقت بفضل التنمية الاقتصادية والعمرانية
والصناعية والسياحية وقد ركز على دبي تلك الامارة المحصورة بين
الخليج والصحراء ، حيث كما يقول الكاتب ولا مناص مني الا
الموافقة التامة على ماذهب اليه الكاتب على ان المجتمع هناك
رغم الثورة التنموية التي اطلقتها الحكومة الاماراتية الا انه
يعيش على حافة البداوة ولا زال متأثرا بأفكار أبن تيمية
المتطرفة التي ينتهجه معظم الجماعات المتطرفة ، والقنوات
الفضائية التي تنطلق من تلك الامارات تنطق بالواقع الحقيقي
الذي تعيشه المرأة الاماراتية التي تظهر في برامجها وهي موشحة
بالسواد لا يمكن تميزهن الا باصواتهن ما توحي الى وجود البون
الشاسع بين ما نشاهد من التنمية المستوردة قلبا وقالبا
والمجتمع الاماراتي الذي يعيش خارج ذلك الفضاء المزركش ، أما
في كوردستان التي تتميز بوجود كافة العناصر المطلوبة لاطلاق
تنمية أقتصادية واجتماعية لتصبح أنموذجا في الشرق الاوسط
فالمجتمع يمتاز بسرعة الاندماج مع كل تطور قادم ، فالمرأة
تطالب بمساواتها مع الرجل فتجد الرجل يسابقها في تلك المطالبة
ودعاة المساواة من كلا الجنسين لا يجدون أدنى معارضة من
السلطات الحاكمة لا بل ان الحكومة استحدثت مستشارية خاصة تعمل
على مبدأ المساواة وترتبط مباشرة برئاسة الوزراء وطريق المرأة
في كوردستان سالكة الى مقاعد الوزارة والبرلمان والهيئات
الحكومية العليا وكذلك الى السلك الدبلوماسي والقضائي والشرطة
والجيش ولا غرابة ان ندعي ان المطالبة بالمساواة في العقود
القليلة القادمة تكون مجرد ملف من ملفات التاريخ فحتى رجال
الدين المتزمتين قد تم توبيخهم بعد ان دسوا بعض السم في خطب
الجمعة ضد هذه الحركة الحضارية فالتزموا الادب وكضموا غيضهم
بعد ما أيقنوا إن السباحة ضد التيار الجارف في كوردستان أمر
مهلك لا مناص منه الا الانصياع لامر التيار المتدفق بقوة الى
امام ، وفي الصحافة والاعلام نط الاقليم الى الموقع المتقدم
قياسا بمحيطه الراكد ولا يلزمه الا بعض الترميمات ومنها
التقليل من الجهد الصحافي الحزبي لصالح الصحافة الجماهيرية
والاهتمام بالصحافة الحكومية الرسمية ولو مؤقتا لحين حصول
التغيير المنشود نحو بناء الصحافة الديمقراطية التي يحلم بها
كل كوردستاني ، فمكتبات الاقليم يكتض بالصالح والطالح من
الجرائد والمجلات ودور النشر في المدن الثلاثة السليمانية
واربيل ودهوك تتسابق لترجمة مسودات الكتاب والمفكرين الى كتب
قيمة ترفد رفوف المكتبات العامة والخاصة ومدينة كركوك
الكوردستانية بدأت تدخل الخط الساخن للثقافة المتنوعة ولا
تحتاج الا المزيد من دعم الزعامات المخلصة والقيادات الكوردية
وخاصة إذا علمنا ان للمدينة تراث لا يستهان به من الاصدارات
باللغات الكوردية والتركمانية والعربية ، أما من الناحية
العمرانية فالعمل يجري على قدم وساق رغم معاناة القدم والساق
من عقبة الفساد الاداري الذي نأمل ان لا يستشري أكثر من هذا
الحد ونعلق آمالنا من هذه الناحية على وعد الرئيس مسعود
بارزاني في خطاب القسم الرئاسي تحت قبة البرلمان الكوردستاني
بالعمل على قطع دابر الفساد والمحسوبية والمنسوبية فهذه العلل
الموجودة مع شديد الاسف تجعل أمل استنهاض الاقليم شبه مستحيل
فلذلك يتحتم على الكل مكافحتها فهي الآفة التي ستنهم آمالنا
وتطلعاتنا ، حركة الصناعة تحتاج الى لم الجهود لان الاقليم كان
ومنذ بناء العراق محروما من إنشاء المصانع والمعامل الا ماندر
وما موجود بحاجة الى استحداث وتطوير ومن الضروري ان تفكر
الحكومة بجدية في إنشاء مصفى في كوردستان ، فقد كتب الباحث
الكيميائي مصطفى احمد محمد وهو خبير في شؤون النفط
والبتروكيمياويات قبل أيام مقالا حول مصافي العراق وتبين من
سياق المقال ان معظم المصافي قد أنشأت في مناطق خارج كوردستان
وحتى مصفى بيجي الذي يعد أكبرمصفى عراقس تبلغ طاقته الانتاجية
35000 برميل في اليوم الواحد سيتم نقله الى النجف الاشرف وسط
صمت غريب من لدن السلطات الكوردية ، فإذا كان الوضع الامني
السئ سببا لهذا الاجراء البعيد عن الحكمة من قبل وزير النفط
النجفي ابراهيم بحر العلوم فألاولى ان يتم نقله الى مكان آمن
قريب ولا مكان أئمن من كوردستان في العراق وبين أقرب مدينة
كوردستانية ومصفى بيجي مجرد فراسخ معدودة .
فإذا كانت دول العالم تصرف البليارات على تحويل مناطقها الى
مناطق سياحية فكوردستان تمتاز بوجود مئات المواقع الطبيعية
التي لا تحتاج الا لبناء بضعة مرافق سياحية فيها كي تنفرد بين
معظم مناطق الكون لتصنف كمنطقة سياحية من الدرجة الممتازة ،
وكل عناصر تكوين الصناعة السياحية موجودة ، الامان ، شعب واع
ومسالم ومسؤول ومضياف وحكومة مسؤولة لا تنقصها سوى الدعاية
السياحية بمعظم لغات الارض وبمختلف الوسائل الاعلامية المتاحة
التي ربما تحتاج لوحدها الى مبالغ طائلة سرعان ما تتعوض من
جيوب السواح أنفسهم واعتقد ان الخطوة الاولى ضرورية في هذا
الطريق والصرف على هذا المشروع لا يعد مغامرة غير محمودة
العواقب ، لان السائح العالمي يبحث بلا شك عن مواقع جديدة يود
أكتشافه وكوردستان هو الموقع الذي يحلم فيه أي سائح فأنه يصرف
نصف ما يصرفه في المواقع الاخرى ويفوز بضعف ما يود أكتشافه ،
حيث المناظر الخلابة والهواء العليل والجبال الشاهقة والمواقع
الاثرية والتاريخية ومراقد الانبياء والأئمة ، أي سائح لا يحلم
ان يلتقط صورة تذكارية في الكهوف التي أكتشف فيها أول جمجمة
للانسان في التاريخ ؟
كل كلمة كتبها الاستاذ كامل السعدون في مقالته تلك وفي كافة
مقالاته الاخرى تبعث السؤدد فينا فهو يضع ضميره ميزانا حينما
يمارس مسؤوليته الفكرية ، فانظروا كيف يصف الكورد :
(( لأن ما يملكه الكرد لا يملكه الإماراتيون والأتراك
والإيرانيون وعرب العراق ، إنه الإنسان ، الإنسان الكردي الطيب
المهذب المتسامح الصادق ( بالمناسبة الكرد كالغربيون عامة لا
يحسنون الكذب ولا يستسيغونه وهذه خصلة أخلاقية عالية لديهم ولا
توجد لدى أشقائهم العرب أو العجم أو الأتراك )) .
يعتقد الكاتب ان العوامل الكامنة وراء امكانية تطوير كوردستان
هي خمس اولها الانفصال المتسامح الرحب من الاسلام ، حيث ان
الكورد هم الوحيدون الذين خدموا الاسلام بحق وحقيق دون ان
يجنوا اية فائدة ذاتية من قيادتهم للامة الاسلامية بعكس الامم
الاخرى التي بنوا أمجادهم القومية في ظل الاسلام و توظيف
شرائعها في خدمة الثقافة والادب والتراث واللغة القومية لهم
فتاريخ العرب الحقيقي يقترن بالتاريخ الاسلامي والتاريخ التركي
خال من اية أمجاد أذا طرحت فترة قيادة الترك العثمانيين
للاسلام من المعادلة والفرس لازالوا يسيطرون على زمام أمور
خمسة امم في ايران باسم الاسلام وهم ليسوا بالاكثرية في ايران
ولكن الكورد حينما وهبوا صلاح الدين وجيش صلاح الدين الى
الاسلام بنوا بهما دعائم أكبر دولة أسلامية تمتاز بالعدل
والتسامح والرخاء والانتصار أكثر من ثمانية عقود لا تضاهيها
أية فترة أخرى ( حتى فترة الخلفاء الراشدين ) في متانتها
وقوتها التي أعترف بها أعداء هذه الدولة قبل أصدقائها و
مؤيديها ولا زال الكورد يلومون قائدهم لانه لم يفكر في بناء
الدولة القومية الكوردية ما جعل أبناء جلدته يعيشون تحت سياط
الاخرين ويقول البعض الاخر كان على صلاح الدين الاتعاض من
اسلافه الذين قادوا ثورة ضد الدولة الاموية التي أنتهت ببناء
الدولة العباسية على أنقاض الاولى سلموا زمامها الى من تنكر
لهم وقتل قواد الثورة الذين أجلسوهم على كرسي الامارة ومعظمهم
من الكورد ، فعلا ان الكورد ينسحبون من الاسلام السياسي متعظين
من تجارب الماضي البعيد والقريب ، فأي مراقب يكتشف بسرعة
أمتعاض الكوردي من كل تطرف أسلامي ودليل على ذلك ان الاعداد
القليلة من الكورد المبتلين بهذا الداء قد ألتجئوا بالانضمام
الى الجماعات الاسلامية الارهابية التي تنفذ جرائمها خارج حدود
كوردستان ، حيث ان الكورد لا يسمحون ان تكون كوردستان مسرحا
لجرائم الارهابيين باسم الاسلام وبعد القضاء على زمرة ما يسمى
الشيخ زانا و عرض أعترافاتهم الخطيرة المقرونة بالصور وشرائط
الفديو التي تبين دعاراتهم الفاضحة سقطت ورقة التوت التي كانت
هذه الجماعات تغطي بها عوراتها ، إذ تبين للملأ ان الالتجاء
الى الدعارة والتلوط هو اقرب الوسائل الى هؤلاء .
يعتبر الكاتب ضعف الروابط القبلية والتقاليد العشائرية لدى
الكورد سمة أخرى من شأنها أختصار الطريق المؤدي الى المجد
المرتقب ، ولا بد هنا الاعتراف بالمحاولات العدوة والصديقة
التي كادت أن تقوي تلك الروابط والتقاليد مرة أخرى لكنها
اصطدمت بالاصرار والثبات ولم تكتب لها النجاح وأول تلك
المحاولات هي ألتجاء نظام صدام حسين الى تسليح العشائر
الكوردية ضد الثورة الكوردية المسلحة أبان الحرب العراقية
الايرانية التي أبى الكورد ان يكونوا حطبا لنارها ، فقام أناس
مهمشون بجمع الهاربين من الخدمة العسكرية في ميليشات أطلق
عليها الأفواج الخفيفة وصلت أعدادها الى مئات الالاف من
الاسماء الحقيقية والوهمية أرتمت الى حضن الانتفاضة الجماهيرية
في آذار عام 1991 بمجرد صدور دعوة من قيادة الجبهة
الكوردستانية فوجهوا اسلحة الدكتاتور ضد الدكتاتور نفسه ،
وثاني تلك المحاولات كانت محاولات ضمنية غير مقصودة من قبل
الطرفين الرئيسيين الداخلين في الصراع الداخلي المؤسف الذي دام
عدة سنوات حيث تم صرف رواتب لقسم آخر من العاطلين الذين يدعون
أنهم رؤساء لعشائر كوردية وذلك لشراء ذممهم واستخدامهم في
الصراع الدائر بينهما ، لكن التصالح الذي عقد الحزبين الكبيرين
ببعض ومن حسن الحظ قد طوى تلك الصفحة الى الابد وما نرجوه ان
تسارع الحكومة الكوردستانية الخطى في أتجاه مسح الاثار
العشائرية التي لا زالت بعض آثارها السلبية يعرقل درب المسيرة
.
اول عقبة في طريق الارتقاء نحو الوصول الى جمهورية كامل
السعدون الكوردستانية الفاضلة هي المحسوبية والمنسوبية و
بتذليل هذه العقبة يكون الطريق سالكا ، فاضربوا بقوة التصميم
الكوردستاني صفعة على الوجه البغيض لهذه الظاهرة السرطانية
واقضوا على الفايروسات التي تنشط تلك الخلايا كي تغدوا أحلامنا
وأحلام أصدقائنا المؤازرين لناحقيقة على الارض .
|