ب. رونـــــيـــــز
حان الوقت لكي نقيم بجدية بعض التصريحات التي تقف عائقاً في مسيرة
النضال الكردي ، وبات معروفاً أن بعض الأحزاب الكردية بدأت تخسر
وزنها السياسي من خلال جملة من المعطيات ، وتعاني بعض القصور في
مرتكزاتها، خاصة بعد أحداث /12/ آذار ولكي نكون موضوعيين في تقيمنا
ولا ننجر إلى ألفاظ لا تليق بسياسي أو كاتب كما فعل البعض في
الردود على مواقع الانترنت حيث تقمص أسلوب النظام في الرد مع
اتهامات جاهزة وتجاهل الواقع الصعب الذي يعيشه الشعب الكردي،
والوقوف بموضوعية أمام التحديات التي تواجه القضية الكردية
والاستحقاقات المقبلة .
وفي هذا السياق ما جرى في الآونة الأخيرة من لفاءات ومناقشات على
الساحة الأمنية والاجتماعية السورية هي امتداد لسياسة النظام
السوري منذ عقود وهو يحاول بكل الوسائل الممكنة تقزيم أي دور يمكن
أن يكون فاعلاً في القضايا المركزية ، لذلك كانت كل توجيهات
وتصريحات كبار المسؤولين لا تخرج من لعبة هي أما تفكيك صفوف
المعارضة أو زرع التشكيك في أسلوب العمل لدى الأحزاب بعضها مع
الأخر وقد نجحت كثيراً في هذا الجانب ليس لقوته كنظام فقط، إنما
لأسباب أخرى أيضاً تتعلق ببعض أحزاب المعارضة فمنها من تبحث عن
مكتسبات آنية فترفع شعارات
أكبر من حجمها ، وهناك أحزاب تهرول للقاء القادة البعثين لإقناع
الشارع بأن هناك عمل على جميع الأصعدة ، وهناك أحزاب لا اتفاق بين
القول والفعل في ممارساتها اليومية مما يخلق منافذ واسعة في وجه
النظام لكي يفرض أسلوبه في أغلب الأحيان، وهكذا يخطئ من يظن أن
النظام يفتح باب الحوار لأهداف تخص البلاد بشكل عام إنما يبحث عن
تجميل وجهه بين الحين والأخر لتبرير سياسات القمع وشد الخناق على
المواطن السوري على الأصعدة السياسية والاقتصادية والإدارية ، أو
لتبرير ممارساتها الأمنية أو لخلق بدائل كاريكاتورية للضغط على
المعارضة كي يرضخ
للواقع الذي فرضه النظام .إن التعاطي المجدي مع الظروف التي تمر
بها المعارضة بشكل عام تفرض مسؤولية كبيرة على عاتق جميع الأحزاب ،
وعملية الإصلاح بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث أصبح مرهوناً بقوة
المعارضة وتفهمها لطبيعة التحولات الجارية في العالم ، لذلك الدخول
في جدالات سطحية بين الأحزاب أو بين أشخاص ينتمون إليها هو في
مصلحة النظام إذا لم يرتق هذا الجدال إلى مناقشات وحوارات معمقة
الهدف منها التركيز على القضايا المركزية .شكل أحداث /12/ آذار وما
برز عنها من نتائج أهم تجربة على صعيد العمل السياسي وفرض على جميع
الأحزاب أن يكونوا بقدر المسؤولية وفعلاً هذا ما حصل رغم وجود بعض
التصريحات والتحركات الفردية ، ولكن بقي الطابع الجماعي هو المسيطر
والمقبول من الجماهير الكردية وهو النداء الأول والأخير للشارع
الكردي في سبيل تحقيق الغاية الأسمى ، ولأول مرة شكل الشارع الكردي
عامل ضغط سياسي ومحرك ايجابي ، ولهذه الغاية توجه بعض الأحزاب إلى
العمل الميداني في ثلاثة اتجاهات:
الأول ــ إلى الشارع الكردي وفي تهدئة الأوضاع ، وأن الحدث فرض
ايجابيات يجب الاستفادة منها والمحافظة عليها وأي تحريض بعكس هذا
الاتجاه سينعكس سلباً على القضية بشكل عام ، وهذا يأتي من تحليل
منطقي لطبيعة النظام الذي يمكن أن يستعمل أي قوة في سبيل المحافظة
على بقاءها وقوتها ، لذلك كان خيار التهدئة هو الغالب ونتيجة
طبيعية للعمل السياسي والاستحقاقات المقبلة ولبيان الولاء الوطني
السوري ، لأن في النهاية الأحزاب الكردية تعمل في هذا الاتجاه ،
أما الخيارات العاطفية التي برزت على الساحة الكردية فلم تكن سوى
مغامرة سياسية لا تلائم البيئة
الكردية في سوريا ، فحاولت بعض الأحزاب الإنجرار وراء العاطفة
فقامت بتحريض الشارع الكردي على عدم التهدئة واتهام الأخر المتخاذل
.... الخ ، ولكي نبتعد عن الجدل البيزنطي من كان أكثر حضوراً وغير
ذلك ، فأن الأمور كانت في صالح عامل التهدئة .
الثاني ــ التوجه نحو المعارضة السورية في الداخل بكل مكوناتها ،
ومع وجود أحداث /12/ آذار وعوامل أخرى برز مناخ جديد على الساحة
السياسية السورية وتكللت بعدة بيانات وطالبت من خلالها السلطات
بوقف الاعتقالات والعنف تجاه الشعب الكردي ، كما طالبت بمعالجة
الوضع الكردي سياسياً ووضع حد للتدخل الأمني والتي لا تجدي نفعاً ،
وكانت هذه بداية مشجعة لبلورة رؤية موضوعية حول القضية الكردية في
سوريا رغم وجود بعض الأطراف في الوسط الكردي بتجاهل المعارضة و
برروا ذلك أن المعارضة تفتقد الجماهيرية وتعتمد على النخبة وهي
ظاهرة شكلية لا يمكن الاعتماد عليها، ونتيجةً للحراك السياسي يكمن
القول أن الحركة الكردي نجحت في إيصال
صوتها إلى المعارضة بغض النظر عن اختلاف الرؤية ، و وضعت المعارضة
أمام امتحان لتفهم القضية الكردية بأنها إحدى القضايا المركزية في
سوريا بمعزل عن الحدث .
الثالث - نتيجةً لنوعية الحدث والمحافظة على مصالح الجماهير
الكردية ولسخونة الحدث قامت بعض الأحزاب الكردية بسلسة من اللفاءات
مع السلطة ومع وفود شعبية ، وكما هو معروف أن النظام السوري يتعامل
مع الشعب بوسائل أمنية حصرياً لذلك لم تخرج عن المألوف في هذه
القضية، ولعل السبب الوحيد الذي جعلت الأحزاب أن تلتقي مع الجهات
الأمنية آنذاك هو المصلحة الكردية وقد تطورت تلك اللقاءات إلى
مستويات عليا فكان لقاء العما د اطلاس نائب رئيس الجمهورية ووزير
الدفاع سابقاً وتم أثناء اللقاء إطلاق عدة تصريحات حول القضية
الكردية وصولاً لحديث الرئيس بشار الأسد مع قناة الجزيرة ومع ذلك
لاقت هذه اللقاءات انتقادات عنيفة من بعض
الأحزاب الكردية وصلت إلى حد التخوين والتشهير ببعض القيادات
الكردية.ويبدو ومن الوقائع الحالية أن الأحزاب الكردية التي وجهت
النقد لأحزاب التحالف وبعض الأحزاب في الجبهة لم تكن لغاية تطوير
النضال الكردي أو لغايات نضالية إنما لغايات حزبية وهذه مشكلة
حقيقية تواجهها القضية الكردية في الظروف الحالية، والسؤال المهم
لماذا تم توجيه النقد لتلك الحالات وفي ظروف كانت بغاية الصعوبة
على الشعب الكردي ، و لم تحاول هذه الأحزاب أن تكون بقدر المسؤولية
وفي
ظروف نحن بحاجة إلى توحيد الصف الكردي وفرض نوع من الضغط على
النظام وبتنسيق مع
القوى المعارضة ، ومع ذلك هذا لا يمنع إذا كانت هناك لفاءات تجري
لصالح القضية على أن توفر قدر الإمكان الإطار المؤسساتي لـتلك
اللقاءات، ولكي لا نعود للخلف يجب تحديث وتفعيل العمل السياسي في
الهيئات الحزبية ، لأن النزعة الفردية وسوء تقدير الأمور في
أوقاتها تحّمل القضية أخطاء وتعود بها للخلف ، مهما كانت الظروف
الموضوعية في صالح القضية ، وما يؤسف له أن بعض السياسيين يتباهون
بطلبات الانتساب وما هناك من الأمور الصغيرة التي لا تليق بسياسي
أن يمدح نفسه بها، كما أن امتلاك الحقيقة الكاملة في هذا الزمن هو
جهل في السياسة الحديثة ،
و في زمن من أهم سماته التعددية ، ونتيجةً التطور في وعي الجماهير
الكردية أصبح التغني بمسيرة هنا أو اعتصام هناك وإن كان مقدراً من
الأمور الثانوية ولعل السبب هو اختلاف ما بين السلوك والعمل
النضالي والذي يؤدي بدوره إلى غضب وابتعاد الجماهير عن الأحزاب
وبالتالي تكون الأضرار في سلة القضية وحدها.لا شك أن التحول من كتل
صغيرة تشبه القبيلة إلى أحزاب سياسية تحاور وتفاوض وتتعامل بمنطق
عصري مع أحداث يحتاج إلى جهد كبير في عملية التحول ، ولكن هذا لا
يمنع أن تكون العقلانية هي العنوان الرئيسي في توجيه النقد أوبيان
النواقص وبيان الأولويات ، ويرتبط كل ذلك بمدى الانسجام في صفوف
الحزب الواحد ، أما إذا كانت التصريحات والانتقادات لا تتجاوز
الدائرة الشخصية فأنها تقع في أخطاء كبيرة ، مما يساهم في تضيق
الحراك السياسي ودفع الجماهير إلى نقاشات وقضايا ثانوية وهذا ما
حصل في الآونة الأخيرة بين بعض الكتاب والسياسيين الكرد. وما
ينتظره الشعب هي وقفة حقيقة أمام القضية وتشكيل إطار يجمع في ظله
الأحزاب الكردية وأن يكون هناك تلازم بين العمل الميداني(اعتصامات
–مظاهرات ) والسلوك
السياسي وأن تكون لغاية واحدة هي حل القضية الكردية في سوريا