من قراءة صيرورة الأحداث، وخاصةً
منذ ما بعد الانكسارات الحاصلة في
المفاهيم التي تتعاطى الفعل
السياسي، وتحديداً في سياق
المشاريع التي تمهد الطريق أمام
نموذج لا بد وأن يكون أكثر مواءمة
مع تطورات العصر، وانسجاماً مع
الإنسان المقهور، والتي تتلخص في
عولمة الثقافة، وكوننة
الديمقراطية، وتحرير الإنسان من
مخلفات العبودية، نلاحظ أن فجوات
الشروخ في الرؤى تزداد اتساعاً،
كل بحسب منابعه ومصادره، وخاصةً
حين الوقوف على دلالات التغيير،
وتوظيف المصطلحات، وتجسيد الوقائع
والحقائق ... لأن تطور الحالة
الانكماشية في العقل السياسي،
وتبلور مفردات التعبير عن الذات،
واختراق حاجز الصمت، أو الخوف من
القبضة – الأمنية منها أو
العسكرية أو الاقصائية – عن
الكيان الإنساني، من شأنه الكشف
عن المزيد من العورات في أنماط
التفكير وسلوكيات الممارسة،
إضافةً إلى وضوح البنية الفكرية
والثقافية لكل القوى والكيانات
التي تتعارك في سبيل ذاتها
وديمومة نموذجها..
ولأن البعد الأخلاقي يتلاشى شيئاً
فشيئاً في العمل السياسي، حين يتم
التصادم الحقيقي بين الطرح
والممارسة، وسلاح القمع والاقصاء
يكون هو الحكم على طاولة الحوار
أو المفاوضات في المعركة،
استناداً إلى توازنات القوة
والضعف، وإلى الموروث الثقافي
التاريخي، الذي لم يزل يشكل
العقبة الأساسية أمام الحوار
وقبول الآخر، أو المناخ الذي أسس
لمرتكزات الأنا، القوموي أو
الطائفي أو الحزبوي .. إلخ، فإن
سرير بروكوست هو الذي يتم اعتماده
في المشارح السياسية من لدن أقطاب
الثقافة السائدة بحكم السلطة
والسلطان، حين يتم تناول القضايا
المصيرية . تلك القضايا التي تؤدي
حلها، أو الدخول إلى آليات حلها،
انحساراً في جملة من المفاهيم أو
الوقائع التي أضحت – وهماً -
بمثابة حقائق، وذلك بحكم القمع
الفكري والسياسي الذي مورس على
مدى عقود من الزمن بحق الشعوب
والإنسانية ..
وعلى ضوء هذه الحقائق المهزوزة،
والتي أفرزتها توازنات مراحل
الرعب وصراع الإيديولوجيات، ومن
بينها المتعلقة بقضية الشعب
الكردي، والتي هي – كما عليها -
من ضحايا سايكس بيكو، ومجمل
الصفقات الدولية إبان الحربين
العالميتين، وسابقتهما جالديران،
يتم تناول هذه القضية بين أوساط
السلطات الحاكمة في الدول التي
تقتسم كردستان، وحتى بين المعارضة،
على آليات ومفاهيم تكاد تكون
متطابقة إلى درجة الكل، والتي
تتحدد في الرؤية إليها على أنها
قضية أفراد أو أشخاص أو مواطنة،
دون الدخول في الجغرافيا السياسية
والبحث في تاريخ الشعب الكردي، لا
على أساس ما هو قائم بشكله القسري،
وإنما في أسبابه، وأسباب تقسيم
وتجزئة الأرض والشعب ..
واستناداً إلى هذا النموذج القسري،
الذي أضحى واقعاً بفعل التوازنات،
يتبادر إلى أذهان البعض حين
تناوله للقضية الكردية سؤال،
طالما بحث الكثيرون من المراقبين
والمتابعين للمشهد الكردي عن
إجابة له، أو كان موضع التحليل
والتنظير والمناقشة والخلاف
والاختلاف، جراء الأحداث
المتداخلة والمتسارعة في الحاضن
الكردي في كل من غرب كردستان
وشرقه، بل وفي كل كردستان، إذا
أخذنا الاختلاف في ترجمتها بعين
النظر، وذلك بحكم ملابساتها أو
بحكم تأثير الإعلام المغرض
والمأجور وإعلام السلطات، كون ما
يحدث، يثير بطبيعته بعض الأسئلة
الإشكالية، ويضفي على واقع الحراك
الدائر في المنطقة توازنات جديدة،
تتمحور جلها حول مستقبل الأمة
الكردية كقضية شعب وجغرافيا، في
مسارات عملية التغيير التي بدأت
ملامحها بالظهور منذ ما بعد سقوط
النظام الديكتاتوري في بغداد،
وتخوف الأنظمة الحاكمة في دول
الجوار العراقي، والتي تحمل إلى
جانب أعبائها الوطنية وانكساراتها
في مجال الحريات الديمقراطية
وحقوق الإنسان، عبء القضية
الكردية، كونها من الدول التي
تقتسم كردستان، من امتداد شرارة
الفعل الديمقراطي إلى واقعه
المأزوم والمهزوم، وخشيتها من
بلورة ملامح رؤية دولية تهدف إلى
إعادة النظر في نتائج الحربين
العالميتين – الأولى والثانية –
باتفاقياتها ومعاهداتها
وتقسيماتها الجغرافية، والتي قد
تشكل بالنسبة لها، وحسب مفهومها
السياسي وحاملها الثقافي، سقوطها
وانهيار مجمل الاصطفافات
والمرتكزات التي كانت تستمد منها
ديمومتها ..
فالسؤال المطروح في الأذهان،
لماذا الحدث الكردي واحتلاله
صدارة الأحداث في المنطقة..
ولماذا الفعل الميداني الكردي ..
وأين يصب .. وكيف يتجسد .. ومن
يدفع الحالة الكردية باتجاه
التصادم .. ؟
وما يزيد في إثارة مثل هكذا
تساؤلات، هو العجز المعرفي لدى
قطاعات واسعة تعمل في الحقل
السياسي داخل الحركة الكردية حين
مواجهتها لتبني الموقف، وتصديها
لاستحقاقات المرحلة على ضوء
متطلبات الخصوصية الكردية ..
وحتى لا نخرج عن سياق الموضوع،
وندخل في التنظير والتحليل حول
أسباب ومسببات المآل الذي آل إليه
الوضع في المنطقة، وكذلك وضع
القضية الكردية من حيث التداخل
بين المفاهيم، الوطنية منها أو
القومية، وارتباط السياسية
الكردية في جانب منها، وفي مراحل
كثيرة، بمشاريع السلطات الحاكمة،
من حيث إدارتها للأزمات الوطنية،
وكذلك فيما يتعلق منها بقضيتنا
القومية، سنحاول الوقوف على أداء
بعض القوى الحزبية الكردية التي
لم تدخر جهداً في رقصها المتواصل
على حافة الهاوية، دونما تستعيد
عافيتها كي تخرج من سباتها، لتقرأ
الأحداث والمتغيرات بعيداً عن
مراكز القوة الإقليمية، والمشاريع
التي تهدف إلى صهر الكل في دائرة
مركز السلطة، والتي بدأ النخر
فيها منذ أن وعى التغيير ذاته ..
فمن المعلوم أن الحدث يتفاعل في
ذاته حين تستكمل شروطه وظروفه،
وأن التطور بمعزل عن أدواته،
وإرادة المناضلين في سبيله، قد لا
يلبي الحاجات كما ينبغي، أو قد لا
يكون بتلك الوتيرة المعقودة
الآمال عليها، إلا أن الأنكى من
ذلك هو أن نضع – نحن دعاة التغيير
والتطور – العصي في عجلاته، وذلك
تماشياً مع مصالح، هي ذاتها ستكون
في مهب الريح إذا ما تم رفع
الغطاء عن مطابخ السياسة في هذه
البلدان التي لم تعد تمتلك القدرة
على مواجهة الحقيقة والحقائق، كما
هو الحال عليه في بلدنا..
فمنذ أن طرحت الحركة الحزبية
الكردية ذاتها كتعبير عن الخصوصية
الكردية، وكرد على مجمل أشكال
الاضطهاد بحق الشعب الكردي،
وتبنيها للخيار الديمقراطي السلمي،
كان لسان حالها تقول، بأن اللحظة
التاريخية هي الكفيلة بنقل
المسألة الكردية إلى صدارة
الأحداث، وأن تلك اللحظة من شأنها
أن تعيد النظر في جملة من المسائل
المسكوتة عنها، بمعنى أنها كانت
توحي بأن آليات العمل النضالي،
وأسلوب التعاطي مع الوقائع، ستهيأ
الأرضية لاستنطاق اللحظة في
ظروفها الذاتية والموضوعية، ولكن
وما أن دخل العالم بمجمله في
دائرة الفعل التغييري، وأفرزت
تطورات العقل البشري قواسم جامعة
بين الأفراد والشعوب، لتحتل مركز
الصدارة في كل الشعارات، والتي
تتجسد في تحرير الإنسان من قيود
التبعية بأشكالها المختلفة، حتى
كانت غالبية الأطر الحزبية
الكردية تغرد بعيداً عن السرب،
وكأن ما يحدث لا شأن لها به، بل
راحت تغط رأسها في الرمال من جديد،
لتنبش في مستقبل وفق خيارات أصحاب
المشاريع التي كانت السبب فيما
نحن عليه الآن، دون أن تتحمل
مسؤوليتها التاريخية، لتقرأ
الوقائع وفق صيرورتها، بعيداً عن
المراهنة على ما تقدمها إفرازات
الثقافة الاقصائية من تطمينات،
دفع الكرد على مر تاريخه ضريبة
أمثالها ..
فمن يقرأ الأحداث لا بد أن يعي
إحداثيات المستقبل، ابتداءً
بالمطالب الدولية تجاه النظام
السوري، ومروراً باغتيال الحريري
وتصريحات خدام وما يلوح في الأفق
من بوادر صفقات دولية بين النظام
ومراكز القوى الدولية، وبالتالي
كان عليه أن يعي اللحظة كي يحتل
لنفسه موطئ قدم، وإلا فإن اللحظة
سوف لن تتكرر والتاريخ لن يعيد
إنتاج ذاته بحسب الرغبة والحاجة
..
وما نود الكشف عنه هنا، هو هذا
الخلط الفاضح في الرؤية من لدن
قطاعات واسعة في الحركة الحزبية
الكردية في سعيها لإرضاء مراكز
القوة السلطوية، أو المعارضة
السلطوية، دون أن تدرك بأنها هي
التي تمتلك أوراق القوة
والاعتماد، وأن المجازفة التي
تقدم عليها من أجل الإيحاء على
أنها ديمقراطية البنى وسلمية
التوجه، ستؤدي بنا إلى حافة
الهاوية، لأن ما يحدث الآن في
المنطقة هي نقلة نوعية يتطلب منا
قراءتها وفق مبدأ المحاصصة، وليست
على أساس ما هو مرسوم لنا في
برامج ومشاريع الثقافات التي
تستهدف ذاتنا وهويتنا القومية،
ولا بد لنا من استنطاق التجربة
الكردية في كردستان العراق كي
نعتبر من دروسها ومن التراجعات
التي لحقت بتوجهات تلك القوى التي
كانت تعبر عن مساندتها لقضية
الشعب الكردي ...
وحسب اعتقادي، فإن الحاجة
النضالية تتجسد اليوم في فهم
وتفهم سياقات التغيير أولاً، وفي
البحث عن الخيار الكردي وسط
معادلة التغيير أخيراً، أما
الوقوف على بساط المشاريع التي هي
عرضة للسحب من تحت أقدامنا في أية
لحظة، فهي تشكل بالنسبة لنا كقضية
قومية، الموت على حافة الهاوية،
أو الرقص على أطلالها .. ومن هنا
فإن الدعوة تكمن في عودة الحزب
إلى الحاضن الكردي، بشارعه ونخبه،
حتى يكون القرار السياسي منسجماً
مع مبررات الوجود الحزبي كإطار
سياسي يهدف الانتقال بالحالة
الكردية من حالة مسكوتة عنها إلى
واقع يبحث عن حلول واقعية، أما
ونحن نحاول جاهدين البحث عن قواسم
جامعة تؤطر رؤيتنا ( نحن الكرد )
في تجسيد الحالة الكردية في سوريا
على أنها قضية شعب يعيش على أرضه
التاريخية، دون أن ننبش في
ذاكرتنا وبرامج أطرنا السياسية
على أن هذه القناعة هي التي شكلت
الأرضية لتأسيس الفعل السياسي
الكردي، فهو المضحك المبكي في آن
معاً، لأن هذا المطلب هو الذي
ينبغي أن نتوجه به إلى شركائنا في
الوطن وليس إلى أشقائنا في
الوجود، وهذا هو التعبير الصارخ
عن عجزنا في أداء دورنا كقوى
سياسية لا تمتلك القدرة على
مواجهة التغيير بآليات التغيير
وأدوات الفعل ..
مرةً أخرى، نهيب بالحركة الحزبية
الكردية أن تعيد لذاتها عملية
إحصائية كي تفرز انكساراتها من
انتصاراتها، لتكف بعدها عن دورها
في إدارة الأزمة الداخلية، ولتخرج
إلى العالم الخارجي بخيارات
نضالية واضحة الرؤية ومنسجمة مع
روح المرحلة وخيارات الشارع
الكردي في أن يرى الحقيقة كما هي
لا كما في المشاريع الاقصائية .
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع