Wednesday, 27 June 2007 23:42

 

 

 

العربي الرخيص يبيع الكردي بالمجان

* علي الحاج حسين


منذ أيام أرسلت مقالا متواضعا، تكرمت بنشره صحيفة عربية خليجية، وبما أنه يتحدث عن الحيف الذي لحق بأولاد الجنية من ثعابين الضحّاك وصولا لجحر الضبع وبقية المنجزات. ارتأت الصحيفة تذييل مقالي بعبارة "كاتب كردي" ولا شك أن عبارة كاتب قلادة كبيرة تثقل عنقي وتدغدغ مشاعري، خدشت عروبتي المكسورة ونفشت ريشي بآن، لذلك تجاهلت استكرادي و"بلعناها – كرمال عين يكرم مرجعيون". ولم يمض على النشر ساعات وإذ تنهال علي الرسائل وتغرق بريدي الإلكتروني وتملأ الصيحات سماعة جوالي، مستنكرين مشككين بسحنة عروبتي المتعثرة ونظافة مسعاي ومبتغاي، وتوهم بعضهم أنه قبض عليّ كرديا متدثرا في رمال صحرائنا العربية، فنحروا عباراتي، واثخنوا مولدي ومماتي حيا، بغية تحرير عروبتي مني، ورميت بسهام قحطانية ونبال عدنانية ما أصابت مني مقتلا ولم، وطاردوني بهتافاتهم باحثين في تجاويف دماغي العربي الأصيل عن صئيبة بعثية...!.... وهنا لابد من التذكير أن رفضي الاستكراد ليس لأني متعال على بني آدم وحواء، وقد يكون الأكراد منهم، إنما لأنهم نقشو العروبية في تجاعيد دماغي وكثبان رمال هامي منذ نعومة أظفاري، ودائما اتعلل مزهوا بانتمائي لخير أمة خرجت على الأكراد خصوصا والناس عامة. فعروبتي غائصة في أعماق التاريخ، ومنا الوليد ومنا الرشيد، وبقية الأسود، ناهيك عن الثعلبان وضباع الجيف. فلم نعد نبني ونشيد.
فكرت مليا، وكدت أصدر بيانا انترنيتيا يطيح بأعمدة الصحيفة وأوتادها، من طنبها لعمادها، انعتها بالاصفرار وأنسبها للهندستان أو البلقان. وحينئذ حضر أحد الموالي الشعوبيين ممن نسميهم في الشام "أكراد" وفي الجوار يسمونهم سكان الجبال، كدت "أفش خلقي فيه"، لكن تأثر الرجل لمصابي الجلل وما أصاب عروبتي من كدر، فنصحني بالصبر بأن: نمْ اليوم "والصباح رباح" ففعلت، واستيقظت مجددا ووجدتني أحمل ذات السحنة المقيتة التي تثير شبهة الإرهاب في المحطات والمطارات.
* * *

رغم عدم حداثتي بتعاطي الملف الكردي، لكن بعد استنكاري الأخير لمحاولات الأكراد الحثيثة الاستيلاء على عروبتنا والإصرار على نيل جنسيتنا، انهال عليّ الزملاء والأصدقاء من المثقفين العرب خصوصا وبعض الكورد بسيل من إشارات الاستفهام والتعجب وبقية علامات الترقيم متمنين لي الشفاء العاجل من الاستكراد المزمن، وأثنت ثلة منهم عما كتبت بهم وفيهم، وتكرر سؤالي عما جناه متعاطو الشأن الكردي العام من غير الكورد وماذا يبتغون.. وهو بلا شك سؤال منطقي ومشروع، خصوصا وأن الأكراد لا يملكون سلطة ولا مال ولاجاه، ولا حتى حق التصرف بأنفسهم وهم المحرومين من الجنسية أصلا. فوجدتني كمن يضع قنفذا في أردانه أو غرابا نسي مشيته وما أتقن هزّ الخصر كاليمام، ناهيك عن غياب ناقة أو بعير عربي قح في جوقة الكورد. حاولت إقناع نفسي بتنكب مثل هذا الموضوع، لعلّي أُفْلحُ بنصح بعض العرب من بني جلدتي بأننا لم نحرر أقفيتنا من لدغات سياط أولي الأمر منا، ولابد أن حرية كردستان الأرض والإنسان قد تجعل السماء تمطر "عرسان وتصيبنا طرطوشة". وبالمختصر المفيد لم يمنعني كل هذا الزحام من الذهاب للعمل كالمعتاد في ذاك النهار.
* * *

قضيت ربع قرن ونيف من الزمن الضائع في المهجر عملا بوصية والينا المفارق ومازال يرعى تنفيذها اللاحق، أبدد وقتي الطويل باحثا بتفاصيل التفاصيل ومبسطا البسيط، بينما أغص بلقمة عيشي لطالما كسبتها من شغل ذو صلة بالدم والدموع والخوف والرعب والاغتصاب والنهب والسلب والتمويت والتقتيل. منحني عملي قرابة عقدين من الزمن كمترجم في مؤسسة رسمية تعنى بشؤون اللاجئين الفارين من نعيم شرقنا الآثم إلى جحيم بلاد الفرنجة الوادع. اكتسبت معرفة ميدانية حقيقية، فأحسست بالحدث مع من عايشه، سمعت نواح الثاكلات، رأيت التشوهات على أجساد الضحايا من شباب وشيب، سمعت شهقات العذراوات في أقبية المخابرات، رأيت الآلام مكتنزة بين طيات وتجاعيد ملامح القادمين. انحفرت في وعيي مشاهد حقائق لم يصنعها خيال كاتب خصب، ولم أقرأها في رواية لآجاثا كريستي، بل قصصا واقعية أبدع في إخراجها أولي الأمر منا، نطقها أمامي أبطالها الحقيقيون. تلك هي بعض مآثر عروبتي فحسب.
* * *

حينما كنت عربيا قحا كاتبت عظام أهلي السابقين، وفي متن واحدا من آخر كتبي إلى الزير سالم أثخنت الحروف وأجزلت المفردات، عبرها أنبأت أبا ليلى المهلهل بأني من قوم يتوضأون بعد الصلاة، صنعوا عجولا من مومياءات بشرية يخرون لها بكل الأوقات، فحصروا الشرف والكرامة والأخلاق ليس الرغبة باسترداد أرض سلبت او كرامة ديست أو أموال نهبت، بل اختزلناها في تمرة بين أفخاذ أباعرنا التي استنوقت، وتخلينا عن الجمل بما حمل..
وختاما ما كنت ولن أكون كرديا أو أمازيغيا أو آراميا بالميلاد والانتماء العرقي، سوى أني وبكل فخر واحدا منهم وشريكهم في الأذى والهوى والضيم والأحاسيس.. لذا عزفت عن مطالبة صحيفة "السياسة" الغراء بتعديل خطأ طباعي كان في محله، ونادى المنادي بأن العربي الرخيص يبيع الكردي بالمجان..!.
وعلينا السلام
______________________
* علي الحاج حسين - مغترب عربي سوري




 


 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE