rojava@rojava.net
فعلاً...كانت ومازالت ذات رسالة خالدة.
rojava.net 22.10.2005
هوشنك أوسي حتى أكثر الشعوب تحضُّراً وتمدناً، التي تنعم حالياً بالرخاء الاجتماعي والرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي والحرية الفردية والجماعية والديمقراطية...الخ، قد كانت تواريخها مكتظَّة بالحروب والفتن والقلاقل والاضطرابات والاغتيالات والصراعات على السلطة. إلا أنها طوت صفحة الماضي إلى الأبد، مقتحمةً العصر بهمَّةٍ عالية لا تضاهيها همَّة، صانعة حاضرها ومستقبلها، بعد أن أخذت العبر من الماضي ورفضت نهائياً العودة له، أو الركون إليه، أو الاحتكام به، أو العيش فيه، أو أن تعتاش عليه. ما جعلها أبعد ما تكون، على أن تكون رهينة ماضيها الأسود. وتعمل على تأنيقه وتنميقه، والتغنّي والتباهي به، والتباكي على أطلاله، وجعله رسالة خالدة لها، تقودها للمستقبل. فالضريبة التي دفعها الغرب للوصول لما هو عليه الآن، هي أنه ترك الماضي خلفه في متاحفه وفي دهاليز الأرشيف، ولم يأخذه معه في سيره نحو مستقبله. تاريخٌ، قوامه الدم، خطابه السيف والخيل والليل، مفاعيله الفتنة والرِّدة والتكفير، والتطهير من التفكير، والاحتراب والاقتتال والغزو و"الفتح" والنطح....مازالت النخب والشعوب العربية رهينة الانقياد وراء ذهنيته. ما جعلها خارج العصر ومنتمية لماضٍ عتيدٍ تليد مشرِّفٍ توَّهمته، غير التاريخ الحقيقي الذي كانت البلاد العربية مسرحاً له، وشاهداً عليه. تاريخ شاهد على عبقرية القتل التي ألبست الموتَ في سبيل الموت رداءَ الشرعية العائلية والقلبية الدينية والسياسية منذ الجاهلية وفي فجر الإسلام الحنيف وحتى اللحظة، عملاً بمنطق: "أنا وأخي على ابن عمي. وأنا وابن عمي على الغريب". طوبى لهذا التاريخ الذي لن يكون شاهد زور على مقتل ثلاثة من الخلفاء الأوائل للنبي الكريم "ص" بأيادي "مسلمة"، وتطاحن صحابته النجباء "المبشرين بالجنة" على الخلافة، ومقتل آل بيت الرسول "ص" بأيادي "مسلمة" تقيَّة تخاف ربها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مدى اختلاف الماضي العربي عن حاضره؟!!. هل كان الغزو السوري للبنان، بحجة "الدفاع عنه والحفاظ عليه من الغزو الإسرائيلي" وتبعاته الوخيمة على البلدين، والغزو العراقي للكويت، بحجة " تحرير فلسطين" وتبعاته وتداعياته الكارثية المعروفة على الشعوب العربية والمنطقة عموماً، هل كان هذان الغزوان العربيان الأصيلان اللذين قام بهما جناحي "العروبة" الأصلية المتمثلة بالبعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق لدولتين عربيتين شقيقتين جارتين، ناجماً عن فراغ؟!! أم أنهما كان يستندان لإرث تاريخي حاضر بقوة في الوعي السياسي والثقافي العربي؟!!. يشهد التاريخ العربي على أن العرب قديماًُ وحاضراً كانوا ومازالوا "قوَّالين". ويشتهرون في إتقان فنون القول، ولعل أبرزها، الشعر. إلى درجة أنهم اعتبروا أن "أعذبُ الشعر لديهم، هو أكذبه". وعليه، فالريادة في الكذب على الذات إلى درجة التصديق، والافتراء على الآخر إلى حد التلفيق، سياسياً وثقافياً، هي السمة الطاغية الواضحة المستبدَّة بالوعي العربي. عليه، فلا غرابة أن تكون النظم العربية الاستبدادية الحالية ضليعة في الكذب على شعوبها والتضليل والتغرير بهم وصولاً لتسيير هم كقطعان الماشية، وتوهيمهم أن خنوعهم وذلَّهم في ظلِّ الاستبداد "القومي والوطني" ما هو إلا بطولة وشجاعة لامتناهية في الدفاع عن الثوابت القومية والوطنية، وتصدٍّ عظيم لكافة المشاريع الاستعمارية الخارجية التي تستهدفهم وطنياً وقومياً...و...و...الخ. والشعب المسكين المغبون، ليس أمامه إلا أن يصدق ويصفِّق بحرارة قائلاً: "بالروح بالدم نفديك يا نظام...". والحقيقة الدامغة في التاريخ العربي قديماً وحديثاً التي تجهلها الشعوب العربية هي: إن كل الطغم والطغاة الحاكمين لهم كانوا مازالوا الممرات أو البوابات التي عبرت منها الغزوات الخارجية لهذه البلاد. لبنان، أرضاً وشعباً، لن يكون 14/2 – 3 /2005 و30/3/2005 و21/10/2005 و1559 و1595 مجرد تواريخ وأرقام عابرة بالنسبة له. بحيث لن ينسى أن هذه الأرقام والتاريخ هي التي كانت المداخل الأولى في طريق عودة لبنان إلى لبنان، وخلاصه نهائياً من سلسلة الاحتلالات الشقيقة والصديقة التي توالت وتعاقبت عليه، ابتداءاً من العصمنلي وثم الفرنساوي ومروراً بالاحتلال الإسرائيلي وانتهاءاً بالاحتلال السوري. لبنان، هذا البلد الصغير جغرافياً، الكبير حضارياً، والعظيم شعبياً، كان أولى محطات النهضة العربية عقب الاحتلال العثماني البغيض المقيت على شعوب المنطقة، وعاصمة الحرية التي استقطبت غالبية الأصوات الثقافية العربية الهامة الفارة من وجه عدالة أنظمتها الاستبدادية، وكان ملاذاً أو معبراً لهم في طريق هربهم من أوطانهم المحتلَّة قومياً نحو الغرب الاستعماري. هذا البلد كان قدره أن يحوَّله أقرب أشقائه العرب إلى محطة أولى للتصفية السياسية الجسدية ولتبييض الأموال وغلسها، ولخنادق أمامية للدفاع عن نفسه. ما جعل لبنان خط الدفاع الأول لقلاع الصمود التصدي البعثية الشمَّاء الباسقة العالية في دمشق. فما أشدَّ وأعظم مأساة وآلام وصدمة وخيبة هذا البلد بشقيقه هذه الأيام...!!؟. أثناء إعداده لتقريره الأممي بصدد الكشف عن حقائق وملابسات جريمة اغتيال الحريري، بإعلانه عن فحواه الزلزالي المتوقع، دخل القاضي الألماني ديتليف ميليس التاريخ العربي من أوسع أبوابه "القومية الأصيلة الدامية". قالباً طاولة النظام العربي على رؤوس مؤدجلي مشاريعه القومية العروبية الفذَّة، ومدبِّجي شعاراتها الطنانة والرنانة، فاضحاً الزيف والدجل الذي كانت تطعمه لشعوبها المغلوبة على أمرها وعمرها على مدى عقود. أما بالنسبة للشعب اللبناني، فهل يشتم ميليس على تقريره الفاضح الواضح، لأنه عرَّى قادة العروبة ومحرري أرضيها المحتلَّة، وبناة أمجادها مُعلِّي صروحها في المحافل الدولية، وكشفهم على حقيقتهم أمام الملأ، ولأن ميليس قد زاد من جرعة المرارة والحرقة التي يكابدها هذا الشعب الجريح؟!!. أم يشكر اللبنانيون ميليس، لأن تقريره كان تحصيل حاصل لحقائق وأمور كانوا يعونها ويعانونها ويعايشونها يومياً. فلم يكن التقرير سوى توثيق لأحدى كبرى معاناتهم الأخيرة المتمثلة في الحلقة الأخيرة من سلسلة جرائم الاغتيال التي كانت تطال رموزهم الوطنية والقومية. وجلُّ ما كانوا يخشونه هو أن تؤيَّد هذه القضية أيضاً ضد فاعل "مجهول"..؟!!. ما أعتقده أن الأرجح هو الاحتمال الثاني. بمعنى، إنه ليس لميليس من البنانيين سوى الشكر. ولن أستغرب أبداً لو بدأ اللبنانيون بتسمية مواليدهم الآتين للدنيا في 21/10/2005 باسمه. فإن كان المولود أنثى سمُّوها ميليس، وإن كان ذكراً سمُّوه ديتليف، تعبيراً عن الامتنان والتيمُّن به. بعد أن كان العرب يتهافتون على تسمية مواليدهم بأسماء قادتهم الملهمين الميامين الخوالد الأوابد..(..!..). في اختيار الرئيس الأممي كوفي أنان للقاضي الألماني ديتليف ميليس لرئاسة لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، كان فيه من الذكاء ما فيه. فقد كان أنان يعي أن النظام السوري سوف يشكك ويطعن في صدقية ومصداقية نتائج التحقيق، كما هو الحال الآن. فلو كان المحقق أمريكياً، لقال النظام السوري: أنه متحيّز لبلاده التي تضغط على سوريا، وهو تابع للمحافظين الجدد وللوبي الصهيوني ..و..و...الخ. ولو كان المحقق بريطانياً، لقالوا: أن بيرطانيا هي حليفة الأمريكان وشريكتها في الضغط على قلعة الصمود والتصدي، بغية إجبارها على للتخلي عن ثوابتها القومية والوطنية. وأصلاً أن الإنكليز هم من قسَّموا العرب واحتلَّوا بلادهم..و..و...الخ. وفي حال لو كان المحقق فرنسياً، لقالوا: أنه تقرير كيدي عنصري انتقامي لأن سوريا كانت مستعمرة فرنسية، ولأننا أذقناهم الأمرَّين في الغوطة وأجبرنا فرنسا على الجلاء...و..و...الخ. لكن، ماذا بحوزتهم لهذا الثعلب الألماني غير التشكيك في مهنيته ونزاهته والتهجم على شخصه..!!؟. وهذا التشكيك كان بادياً من قبل النظام السوري وأعوانه اللبنانيين، مذ بدأ الرجل تحقيقاته، وتصاعدت وتيرة هذا الطعن والتشكيك في الأيام الأخيرة، حتى بلغ الذروة، عقب إعلانه عن فحواه. هل فعلاً كانت الأمة العربية، أمة واحدة؟!!. هل فعلاً كانت لها رسالة خالدة؟!!. متى كانت هذه الأمة واحدة، حتى تكون لها رسالة خالدة؟!!. في الجاهلية، ألم تكن القبائل العربية تعيش على غزو وسبي وقتل بعضها البعض؟!! ألم يكن الغساسنة أزلام وأعوان الرومان، والمناذرة أزلام وأعوان الفرس؟!!. جاء الإسلام ليوحِّدهم ويؤلِّف بين قلوبهم، فهل استطاع فعل ذلك وهو الدين الحنيف المستند لكلام الله عزَّ وجل وكتابه الكريم ورسالة نبيه المصطفى؟!!. ماذا جرى عقب وفاة الرسول من حروب وفتن واقتتال على الخلافة، كم حصدت من أرواح بريئة؟!!. ألم يفتك الأمويون بآل بيت النبي؟!! ألم يفتك العباسيون بالأمويين؟!!. ألم تتطاحن الدول الإمارات العربية "الإسلامية" فيما بينها؟!!. ألم يكفِّر الشيعة السنة، والسنة الشيعة؟!! هل فعلاً الاستعمار الغربي البغيض هو الحائل أمام توحُّد الدول العربية حالياً في دولة واحدة؟!!. ما هذا العقل الذي عرَّب الدين جاعلاً من "خير أمة أخرجت للناس" هي الأمة العربية؟!!. ما هذا العقل الذي عرَّب كل البصمات والإسهامات الحضارية من الشعوب الأخرى في الحضارة العربية والإسلامية، بأن عرَّب الفارابي والفراهيدي والدؤلَّي وسيبويه والزمفشري وابن سيتا وابن النفيس وابن الهيثم وابن خلَّكان وابن حيان والأيوبي...الخ نافياً أو ناكراً أنسابهم الحقيقية؟!!. ألا يكره العربي السوري العربي الخليجي، يستصغر ويحتقر الثاني الأول..؟!!. هل هذه هي الرسالة الخالدة لهذه الأمة الواحدة التي صدَّع بها رؤوسنا وخرم آذاننا البعث العربي الاشتراكي على مدى عقود؟!!. أعتقد أنه لو كان هنالك ثمة رسالة خالدة لهذه "الأمة الواحدة" فكبرى تجلياتها ظهرت في ما فعلهُ حامي حامل هذه الرسالة في العراق، القائد المفدَّى صانع البعث والبعثيين الأشاوس الأماجد الدكتاتور صدام حسين، وما جرَّه من حروب على هذا البلد وشعوبه، وحجم الدمار الذي حققه، واتساع رقعة الموت والإرهاب التي نشرها فيه، من مقابر جماعية وقصف كيماوي، جعلاً من العراق من أقصاه لأقصاه مقبرة جماعية ومعتقل جماعي لشعوبه. كما أن كبرى تجليات هذه الرسالة الخالدة غرباً، هو ما فعله البعث السوري في الشقيقة لبنان وفي الحبيبة سوريا، والحبل على الجرار البعثي السوري، وما خفي كان أعظم..!!؟. البارحة، وأثناء متابعتي للإعلام العربي في تغطيه لفحوى تقرير ميليس، حتى الساعات الأولى من صبيحة 21/10 2005، أكثر ما لفت انتباهي هو أن "المسحراتي" الذي يجوب الحي قارعاً طبلته الصغيرة، محفزاً الناس على الاستيقاظ، قد غاب عن لعب دره التنبيهي الاعتيادي اليومي...!!؟. ربما لأنه هو أيضاً كباقي أبناء الشعوب السورية، كان مسمَّراً أمام شاشات التلفزة متابعاً مجريات الحدث..؟؟!. أو ربما أنه كان يعلم أن الناس هذه الليلة ليسوا بنيام، وأن هذه الليلة ستكون ثقيلة جداً على الدمشقيين وهم يحبسون أنفاسهم مشاهدين ما آل إليه حال الشام هذه الأيام. فإلى متى ستبقى الشعوب العربية والسورية منتظرة مجيء "المسحراتي" الغربي يطرق أبوابه قائلاً له: " يا نايم، وحِّد الدايم..."..؟!!. أما آن للشعوب العربية أن تستيقظ وتقول كلمتها بعد أن قال ميليس ما لديه، وقال النظام السوري ما لديه أيضاً..!؟. أعتقد أن الحرية والديمقراطية تليق بدمشق وسوريا وشعوبها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فالتغيير والحرية قادم، قادم لا محالة. سواء من الداخل من الخارج. فالحرية لم تعد تقوى على الانتظار طويلاً على أبواب سوريا. فهل يكن السوريون صانعيها بدلاً من الغريب، حتى يكونوا أصحاب المصلحة الحقيقيين في هذا التغيير..!!؟. هذا ما ستفضي إليه الأيام القادمة. ومعلم أن من يستحق الحرية، هو الساعي إليها. 21/10/2005
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE