Hevgirtin   Kurdi عربيEnglishSwedish Deutsch

 
 

    rojava@rojava.net

 
   

تصريحات أردوغان بين التشكيك و التصديق

 . 22.08.2005_ rojava.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وليد مراد


كما هو معلوم للجميع ، إن الدولة التركية محكومة من قبل نظام مزدوج و بقرارين لسلطتين عسكرية و مدنية. قد يتفقان أحياناً و لكن يختلفان في كثير من الأحيان و لا سيما ما يتعلق بالنظام الطوراني الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، فهي خطوط حمراء و لا تسمح المؤسسة العسكرية للمدنيين من الإقتراب من جوهرها.
أما فحوى الخطوة السياسية التي قام بها رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان، من خلال زيارته التاريخية إلى مدينة ديار بكر(آمد) و التي تعتبر عند الشعب الكردي ذو أهمية سياسية وبمثابة عاصمة كردستان الكبرى. و من خلال تصريحاته هناك و إعترافه الصريح بوجود القضية الكردية في تركية ووعده بحلها بمزيد من الديمقراطية و رفع الحظر عن اللغة و الثقافة الكرديتين. فهي ذو دلالات و معاني و تدفعنا للمزيد من التمعن و التفكر.
إن تصريحات من هذا النوع عادةً لا يحبذها المؤسسة العسكرية و لا يروق لجنرالات الجيش التركي لتطاول من هذا المستوى. فمن خلال استعراض التاريخ الحديث و القريب للدولة التركية نجد أن الجيش يلجأ إلى الطرق العنفية كي يضع حداَ لتطور المسألة السياسية بهذا الإتجاه، كالإنقلابات العسكرية و التي كان آخرها تلك التي قادها الجنرال كنعان أفرين في عام 1981 و قد يلجؤون إلى التصفية السياسية و الذي كان من أهم ضحايا هذه السياسة هو رئيس الوزراء التركي الأسبق المرحوم تركوت أوزال عندما حاول فتح قنوات الحوار بينه و بين حزب العمال الكردستاني و إعلان الأخير لوقف إطلاق النار من جانب واحد، رغم استمرار الدولة التركية في حملاتها العسكرية ضد الشعب الكردي في شمال كردستان و اتباعها سياسة الأرض المحروقة وتدميرها للمجتمع الكردستاني من النواحي المختلفة.
إلا أن الزيارة الحالية لرئيس الوزراء التركي و تصريحاته المثيرة للجدل، تأتي في ظروف مختلفة و تعد ذو أهمية كبرى للجانب التركي كما للجانب الكردي على حدٍ سواء.
في الوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن بأن خطوة أردوغان هي أحادية المغزى و تندرج في اطار السياسة التركية للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي و بها يحاول إقناع الأوروبيين بأنه يقوم بخطوات حقيقية في حل المسألة الكردية على أسس علمانية و ديمقراطية و إنه يقوم بإنهاء حالة النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني و يهيئ الظروف المناسبة ليكون تركية دولة خالية من المشاكل الإثنية و القومية و تتمتع بالإستقرار الداخلي . و بها يحقق أهم إلتزام تجاه الإتحاد الأوروبي كي يقبلوا بعضويته في ناديهم العتيد. و الدولة التركية تعول على هذه العضوية كثيراً التي ترى فيها الأهمية الإقتصادية و السياسية ببعديها الدولي و الإقليمي.
إن محاولات الدولة التركية طوال فترة الحرب الباردة بانضمامها إلى حلف الناتو و بنائها العلاقات المميزة مع اسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية و رغم امكاناتها الإقتصادية و البشرية و موقعها الجيوبوليتيكي لم تستطع القيام بدور إقليمي حاسم. و لم تصل حتى إلى مستوى إيران في أيام حكم الشاه. قد تكون ذلك لألسباب موضوعية منها العداوات التي ورثتها من الدولة العثمانية و بسبب محاولات العنصر التركي في فرض سيطرته على القوميات الأخرى مستخدماً الدين الإسلامي الحنيف وسيلة لذلك. لذا كانت تركية مكروهة من كل جيرانها، ولاسيما العرب الذين بقوا لمدة 400 سنة يعانون من استعمارهم، الإيرانيين الصفويين و خلافاتهم المذهبية و الحروب القديمة بينهم و بين الأتراك العثمانيين، اليونان بسبب احتلال الأتراك لهم و اقتطاع أجزاء من أراضيهم دون وجه حق، الأرمن الذين لاقوا المجازر الرهيبة على يد الأتراك، الأكراد الذين لاقوا الأمرين بعد مجيئ الأتراك إلى المنطقة و تعاملهم الهمجي مع شعب كردستان و اغتصاب وطنه إلى يومنا هذا. فبهذا الإرث لم يستطع الأتراك منذ سقوط الدولة العثمانية من لعب أي دور إيجابي في قضايا الشرق الأوسط.
بعد انتهاء الحرب الباردة قل أهمية الدور التركي العسكري ايضاً لدى الأوربيين و الولايات المتحدة. أما الأسوأ من ذلك هو تغيير نظرتهم للدولة التركية التي طالما ادعت العلمانية. و لكن في اللعبة اليمقراطية تبين الإتجاه الحقيقي للشعب التركي الذي ما زال يتمسك بقيم بعيدة كل البعد عن التوجه العلماني للدول المعاصرة. فكان هو الآخر من العوامل المقللة للمكانة التركية في الوسط الدولي. مما زاد الطين بلةً هو موقف حكومة أردوغان من الحرب على العراق و امتناعها لفتح الحدود أمام قوات التحالف للهجوم على النظام البعثي في بغداد. لا بل حاولت توتير الأجواء في شمال العراق و التي هي ايضاً لم تكن منسجمة مع السياسة الأمريكية في المنطقة.
لذا تحاول الحكومة التركية الحالية التخفيف من أعباء الحقب الماضية و محاولات لإعادة دور السلطنة العثمانية و لكن في هذه المرة بلباس عصري و ليس بالشعارات التقليدية ولا بالجب والكوفية. فكان من ركائز السياسة الخارجية لها هو التقرب من العالم العربي أولاً والإسلامي عامةً و بها تحاول تصحيح أخطاء السياسة التركية تجاه الحالة الجيوسياسية في المرحلة الماضية و لا سيما في منطقة الشرق الأوسط الساخنة و المقبلة على تغييرات جوهرية و التي سوف يكون لها انعكاسات مباشرة على أوضاع تركية الداخلية من الناحيتين الإقتصادية و السياسية.
إن نجاح هذه الحكومة في ايصال أحد مواطنيها لرئاسة المؤتمر الإسلامي شجعتها للقيام بأدوار مماثلة. فأتت خطوة أردوغان الثانية بزيارة الأراضي الفلسطينية و عرض خدماته المجانية على السلطة الفلسطينية بالتوسط لدى اسرائيل في حل مشكلة ثلاثة ملايين فلسطيني. إلا أن هذه الخطوة كانت فاشلة بكل المقاييس و لأسباب كثيرة منها:1 إنها لم تلق رواجاً و أهمية في الوسط العربي بشقيه الشعبي و الرسمي 2 تناسى أردوغان إن الإدارة الأمريكية تتحكم بكل مفاصل التسوية في الشرق الأوسط ولن يستطيع القيام بأي دور خارج الخطط المرسومة سابقاً حتى و لو قام بألف زيارة إلى القدس و رام الله 3. ثم إنه تناسى مشكلة عشرين مليون كردي يرزحون تحت سياسة الدولة التركية الفاشية فأي ذكاء من أردوغان يتهرب من مشاكله الخاصة و يتوسط بين الآخرين لحل مشاكلهم. ربما كان هذه أحد الأسباب كي ينتبه إلى خطئه الجسيم و يقوم بهذه الإلتفاتة المسرحية للقضية الكردية.
إن عقلية أردوغان التجارية و القائمة على الربح والخسارة ما كان له أن يتجرأ القيام بهذه الخطوة من تلقاء نفسه لو لم يتلقى الضمانات من المؤسسسة العسكرية. ولكن ما يقوم به ليس فقط لصالح السياسة التركية بل يمثل سياسة عدة أطراف دولية و أقليمية في المنطقة. فما يخص الجانب التركي من هذه السياسة هو ما يحقق رؤية جنرالات الجيش التركي الذين بقوا مهملين من أقرب حلفائهم التقلييديين في حلف الناتو و لم يتم استخدامهم حتى في البقعة الجغرافية المجاورة لهم و التي لا تبتعد سوى بضع كيلومترات عنهم.
بالتأكيد أنهم معنيون كغيرهم من المؤسسات العسكرية التي تم اضعافها أو تم القضاء عليها بشكل جزئي أو كلي أو ما يخطط للقضاء عليها كما في حالة سورية و إيران و كوريا الشمالية. فهذه هي نقطة هامة في حساباتهم و بها لا يريدون التخلف عن ركب التطورات الجديدة و لا سيما عندما يرون إصرار الإدارة الأمريكة في المضي بمخططاتها إلى النهاية و دون تردد.
فالشرق الأوسط الجديد القادم و إنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي يفتح الباب على مصراعيه أمام حل القضية الكردية شاء من شاء و أبى من أبى. و إن الفدرالية في جنوب كردستان و إنجاز المراحل الهامة بإتجاه الإستقلال هي الخطوة الأولى و التي ستتبعها خطوات لاحقة لا تقل أهميةً عنها.
إن ما أرعب السلطات التركية هي إنتفاضتي شعب كردستان في جزئي كردستان الشرقي و الغربي. كانت هي الرسالة القوية التي أيقظتهم من سبات ثمانين عاماً من عنجهيتهم و تلاعبهم بمصير الشعب الكردي. لقد أفهمتهم هذه الإنتفاضات المباركة بأن بقاء المشكلة الكردية في شمال كردستان دون حل هو نذير خطر قادم و سوف يزلزل الأرض تحت أقدام السلطات التركية . فالوضع التركي الداخلي أصبحت كالقنبلة الموقوتة و قد تتفجر في أية لحظة و لاسيما في هذه الظروف الدولية المتأزمة. فالضغوطات المتزايذة على كلاً من إيران و سورية و كورية و الحرب على الإرهاب و تواجد قوات الحلفاء في العراق و المناطق الحساسة في العالم لهي ظروف مؤاتية لخلط الأوراق و إعادة صياغتها من جديد . فالخطوة الإرتجالية للسيد أردوغان و التي لا تستند إلى أي برنامج سياسي واضح يعطي للجانب الكردي الحق و المسوغ أن ينظر إليها بكثير من الريبة و الحذر و لكن دون إهمالها او دون دراستها. فالتجربة الكردية خلال القرنين الماضيين مع الأتراك ماثلة للعيان. بحق كانت مأساوية و جلبت الكوارث على الشعب الكردي. فالدولة العثمانية في أواخر سلطتها قضت على الإمارات الكردية الشبه مستقلة و التي كان آخرها إمارة بوطان. بها تم القضاء على آخر الحصون السياسية للشعب الكردي و تم نفي الأمير بدرخان آخر أمراء بوطان مع أفراد عائلته إلى جزيرة كريت اليونانية و من ثم تم تشتيتهم في أصقاع مختلفة من العالم. و هكذا تآمر أيضاً أبو الأتراك مصطفى كمال على الشعب الكردي بعد تأسيسه للجمهورية التركية و تنصله التام من حقوق الشعب الكردي و استمرت سياسته من قبل مريديه حتى يومنا هذا.
فطوال ثمانين السنة الماضية اتبع الأتراك سياسة التتريك و الصهر ضد القومية الكردية وحاولوا محو اللغة و الثقافة الكرديتن من عقول و نفوس ابنائها . و تم افقار كردستان من كافة النواحي الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية و بطرق مبرمجة و ممنهجة من قبل السياسة الرسمية للدولة التركية و التي تتخذ الآن السيد أردوغان رئيساً يمثلها على الأقل في السياسة الخارجية و شكلياً سياستها الداخلية.
فقبل سنة من هذا التاريخ كان للرئيس السوري تصريح مشابه من حيث العيار و التوقيت لتصريحات السيد أردوغان و التي ذهبت بدورها أدراج الرياح لأنها كانت أيضاً إلتفاتة مسرحية و خطوة تجميلية لسياسته تجاه الشعب الكردي أمام الرأي العام العالمي. و لكن إن دل على شيئ إنما يدل على تخلف هذه الأنظمة الشمولية و التي هي غير قادرة على استعاب الظروف الحالية والتي سوف تؤدي بهم إلى الهلاك الحتمي. فالعروش القائمة على كتم الحريات و هدر الحقوق الآن تهتز و هي في طريقها إلى الزوال و ذلك بحكم قوانين الطبيعة التي تضمن النصر للشعوب في نهاية المطاف.
نفهم أيضاً من تصريحات أردوغان بالإضافة للعملية التجميلية التي يهدف من ورائها تحسين صورته على الصعيد الدولي و الظهور بمظهر الديمقراطي المعاصر في الدولة التركية الهرمة. كما سبق أن ذكرت ، إنه يلعب هذا الدور بالتنسيق مع المؤسسة العسكرية، لا بل إنه يقوم بأدوار نيابة عن جهات إقليمية و دولية في إطار التنسيق الإقليمي بين الدول المعنية بالقضية الكردية. منها سورية و إيران و حكومة الجعفري في العراق. فمن جهة يهدئ النهوض القومي العارم في أجزاء كردستان المختلفة و بالأخص ليقلل من مخاوف القيادة الكردية في جنوب كردستان كي تخفض سقف مطالبها و تضمينها في الدستور العراقي القادم. لقد راهنت الأنظمة المذكورة سابقاً بالإضافة إلى نظام صدام المقبور على دور حزب العمال الكردستاني كي يكون عامل عدم الإستقرار في شمال العراق و كانوا يأملون منه القيام بأدوار مشابهة لعصابات الزرقاوي. إلا أن سياسة الحزب المذكور أتت لتخيب آمال النظام السوري و الأيراني و التركي و العراقي. فبدلاً من أن يكون عامل عدم استقرار، لعب دوراً هاماً إلى جانب الأحزاب الكردستانية في تحرير ما تبقى من الأراضي الكردستانية و ساهم بفعالية في استقرار الوضع في جنوب كردستان. فهذه السياسة المتزنة و لا سيما في السنتين الأخيرتين لحزب العمال الكردستاني سواء في كردستان أو في الخارج ، أربكت القادة الأتراك. لقد طور الحزب من أدائه السياسي و أصبح يبتعد عن الممارسات الخاطئة التي وقع فيها سابقاً و التي كان سبباً لتلصق به تهمة الإرهاب. و كان الدولة التركية هي المستفيد الأول من تلك الأخطاء. فعلى الساحة الأوربية اصبح يتبع الأساليب السلمية والقانونية من أجل إطلاق صراح زعيمه السيد عبدالله أوجلان من المعتقل التركي . و كان القضية التي رفعها أمام محكمة حقوق الإنسان الأوربية في ستراسبورغ و حملة التواقيع كانا خير دليلين لهذه الممارسة السلمية المتزنة و كذلك تجاوبه مع القيادة السياسية الكردستانية في شمال كردستان بعد تصريحات أردوغان في ديار بكر و إعلانه لوقف إطلاق النار لمدة شهر هي نقطة أخرى هامة تفسح المجال أمام الحل السلمي للقضية الكردية في تركية. إن كان أردوغان و بقية أركان النظام التركي صادقين في تصريحاتهم.
و هكذا لم يتحرك الحكومة التركية إلا بعد أن وجد إن البساط تسحب من تحت أقدامها و أن حزب العمال الكردستاني ينافسها على الصعد المختلفة، المحلي و الإقليمي و الدولي. لذا يتوجب على السيد أردوغان كي يحقق بعض طموحاته مثلاً في الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي أو للعب دور إقليمي متميز و يكون ذو مصداقية في المجتمع الدولي ، يتوجب عليه أن يكون واعياً لحقيقة الشعب الكردي و حقه المشروع في تقرير مصيره. أيضاً عليه أن يفهم و يقتنع بأن القضية الكردية قد خرجت من قمقم الدول الإقليمية و دخلت في الفضاء الرحب من المعادلة الدولية و إن الصراع لم يعد تقليدياً بين الدولة التركية و الحركة التحررية الكردستانية. لذا فالحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً و إن الديمقراطية المزيفة دون حل المسألة القومية على أسس عادلة سوف لن يكون إلا مضيعة للوقت و الضحك على الذقون تكون ذو نتائج كارثية على أصحابها قبل غيرهم.

ألمانيا ، 21/8/2005



 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE

 
 

حقوق الأنسان


لوحة الكتابة بالعربية


الأرشيف

التحرير

مواقع لكسرالحجب

موقع الطفل الكردي