
نذير سلو
تقاويم الوحشة هي المجوعة الشعرية التالية للشاعرة كولالة
نوري صدرت حديثا عن مؤسسة العربية للدراسات و النشر من
بيروت. قدم لها الاديب سليم بركات مقدمة كتب على الغلاف
الاخير للكتاب.
كولالة من جيل الشعراء الشاب الحديثيين الموسومين يشعراء
الداخل في العراق. عاشت كولالة الحروب التي مرت بها العراق
و الحصار الاقتصادي و من ثم الاحتلال الامريكي. من خلال
ذاتها التي تحس حتي النخاع بكل تفاصيل وقع و اثر مجريات
الاحداث على حياة اجيال هذه العقود الثلاثة المظلمة و
الفوضى العارمة بعد سقوط النظام البعثي و خاصة المرأة,
تبدع كولالة في رسم الصورة الحقيقة الحية لهذه المشاهد في
قصائدها بتقاويم الوحشة و كل مفردة لديها من الجمال و
الرصانة تنبض بما تعكسها من فنية رائعة للوحات التي تنقشها
من رماد روحها التي تحترق و تصبغ بالوان الحياة المختلفة
في تقاويم الوحشة المؤلفة من 34 قصيدة. ( يجثوا السكوت,
على عرش مهجور, لم تعد للاحكام اناقة التاثيرّ)
ل كولالة اسلوبها الخاص و الفريد و نمطها المتميز في
النصوص, تتولج بلغة سهلة و بسيطة لتنسج دررها المتلألأة. (
و انا من فرط السياط و الربيع الذي غادر عطشا). تضع نصوصها
ضمن سياقات مختلفة من حيث الشكل و الجوهر تنطوي على معان
عميقة و ان لم تكتمل. ( في اطار سورتنا الجماعية, اربعة
مسامير, كل مسمار, يعلق كومة منا, على طرفي خيط).
تقاويم الوحشة تحمل في مفرداتها حالة الغليان الداخلي
كالماغما المتحركة ابدا لدى الشاعرة لتشق لنفسها مخارج
تقذف حممها الحارقة لكل ما هو مترسخ في قاموس الشر من خصال
سيئة ( لم ّتجد مظلتي البيضاء, لاجنب راسي, زخات أكاذيبك)
و تعيش كولالة كل الغرائب و المختلفات في عالمها, ذلك
العالم الذي يجمع كل العوالم من مضادات و منغصات من الشجن
و الكآبة و التعب و الحزن و المرارو.( للمرة الاقل املا في
ان يكون للاحلام مأوى, اتحمل جسدي المصلوب, ... و انتظر)
اضافة الى كل ذلك لدى كولالة عالم من الامل و الرومانسية,
تتفائل دائما من خلال ما يندهشها روحها الطفولي الذي
يستطلع من بين الاطلال و الوحشة المخيمة على الواقع التي
تعيشه ما يستنبط منها بصيص امل. ( من فرط تلويحي, اضع حدا
من الملح, و اتعلم من دجلة درسا, في البهجة)
تستنجد كولالة احيانا من اجل الحصول على ضالتها التي تعيها
جيدا. ( الهي- لم تركتنا وحدنا- تحت امطارهم) او ( اوقف يا
قبج, دوران الساعات, فالانتظار مطرقة من الياس). و يحتل
صديق طفولة كولالة التي تحن اليه كثيرا في الزمن الذي اوجد
تقاويم الوحشة مكان في قصائدها. ( و نشيد أوميد الناقص
ابدا). ( خمسة عشرمعطفا, دون ان يضمني معه شتاء.). حنينها
الي ابنتها التي ادت ظروف الحياة و القهر الاجتماعي على
المرأة ان تبتعد عنها تشغل حيزا من مساحة التقاويم؟ (
طفلتي ليست اكذوبة, اتذكر كيف بها توحمت الرحمة, طفلتي
ليست اكذوبة كي تؤجلها معي, و تقفز في البئر, بحجة انقاذ
يوسف.)
رغم المعاناة الحقيقية التي تعيشها الشاعرة كولالة الا ان
القضايا الكبرى و قضايا الوطن تشغل مساحة واسعة في
مجموعتها الشعرية, حيث تطل كولالة عالقة بها و ترى
انتمائها اليها. تبحث عن الحقائق بعين ثاقبة لتبدع في رسم
اجمل صور الحقيقية للوطن. ( جاء عام و انتهى, و لم تات سوى
الالغام بدل الانغام). او ( ولم نرى من الوعود المفخخة سوى
سيارات مفخخة, تختصر على العباد احلامهم.)
كولالة تشهق بمشاعر انسانية حقيقة و تنشد الى الاستقرار و
السلام. ( السلام المهاجر جر اعمارنا, و لكي لا نسد الغياب,
نقتعد و بايدينا مفاتيح الابواب, لا تطل الا علينا.)
رغم ان كولالة دونت في تقاويم الوحشة هواجسها و هذيانها و
اوجاعها و فتحت الجروح الغادرة التي لا تندمل بالكلمات و
الآمال التي لا تتحقق بالاهات, فانها تصور حتى الوحشة
بابداع فني رائق و هذه سمة المبدعين.