| |
ريزكار حسن
كنت دائما من المؤمنين بضرورة الحوار
وجدواه , بدءا من حوار الحضارات وصولا إلى
حوار الأعداء والأصدقاء , خصوصا في شرقنا
الذي يعج بالمتناقضات والخلافات
والإختلافات نظرا لتنوعه وتداخله , لكن
هيهات ... هيهات ..! بتنا على اعتاب أن
نطلب النجدة لنصرخ بأعلى صوتنا كما صاحت
أعرابية ذات يوم " وامعتصماه .. !! " .
" الرجال كثر ولا يوجد رجال ", الأحزاب
والمنظمات كثيرة ولا توجد أحزاب ولامنظمات
" , رغم كل هذا الإسهال السياسي والتنظيمي
الذي أسفر عن تنظيمات وشخصيات عجيبة تشبه
في ولاداتها ولاداتنا الشرقية , في الأزقة
حينا ,وعلى ظهور العربات أو عند جلسات
النساء على التنور , وفي الحقل أحيانا ,
لتكون الولادة ومن ثم التربية والشخصية
المتشكلة في النتيجة تضم في تناياها كل
شيء ,إلا الصحيح .
كل شيء مشوه , من الفكر حتى التنظيم
والممارسة , لذا تغيب الهوية والشخصية
والإستقلالية عن كل شيء , مما يجعلنا كشعب
ومنظمات وأشخاص بحاجة للحوار الجاد
والصريح - حتى وإن كان مؤلما - أكثر من
غيرنا , لكن مع الأسف فالتشوه يصعب ويعقد
خوض الصراع بطريقة سليمة على أسس صحيحة
للوصول إلى نتائج صحية .
المرض والتشوه يشمل كل الساحات في سورية
بدءا من النظام ليمتد نحو المنظمات
الكردية والعربية وأحزاب الأقليات الأخرى
, سواء شاركت في السلطة أو " المعارضة ",
داخل الوطن وخارجه , الكبيرة منها
والصغيرة , فكلها تتماثل في التعصب
والإنغلاق والأصولية السياسية الخانقة,ومن
ادعى تحطيم الإنغلاق بدا مشوها قزما عجيبا
كالحزب الشيوعي السوري أو رياض سيف ,أو
منظمة حميد درويش , على سبيل المثال لا
الحصر .
الشعب بحسه العام وذكاءه العاطفي والعملي
- الذي نجا من طوفان التشويه المنظم على
كل الأصعدة - يشم رائحة الموقف الصحيح ,
لكن لنعرج على " مثقفينا وقادتنا
وسياسيينا وأحزابنا ومنظماتنا " السورية -
العربية منها والكردية وغيرها - سنجدهم كل
منهم في واد , والشعب والقضية في واد , و"
كل يغني على ليلاه ", " ليزيدوا كل يوم في
الطنبور نغما " نشازا آخر, فها هم "
مثقفونا وممثلينا " السوريين يتناولون
الأحداث والمواقف ليصلوا إلى دفع الشعب
إلى إطاعة جلاديه , حتى باتوا يستجدون
الرحمة على أبواب النظام , يعلنون تقيدهم
بخطوطه الحمراء التي خنقت وتخنق الشعب ,
يتحاشون تلفظ كلمة قد تثير غضب " الآلهة "
.
لا يمكن لأي حوار أن يتم بين هؤلاء , وإن
وجد فهو حوار الطرشان , مع الإعتذار من
الطرشان الذين يفهمون من الإشارات , لأقول
أن هؤلاء لا يفهمون من إشارات بعضهم , أو
يتطاهرون بعدم الفهم لأن الحقائق لا تروق
لهم .
لابد أن تتضح المواقف بحوار جدي منتج
مسؤول , لكن الوضع في واد , وكل الحركة
السياسية في واد آخر , لا تزال تتخبط خبط
عشواء في مستنقعات تعج بالمتاهات , لأن
أفكارها تنطلق من منبع ملوث مسرطن مريض ,
فأصيبت بالأصولية السياسية والإنغلاق حتى
وقعت أسيرة القديم المتعفن في تفكيرها
ومنطقها لأوهام الجاهلية الفكرية حتى وإن
إرتدت ثوب الديمقراطية والتعددية العصري .
ايها المثقفون العرب , وأقصد بهم هؤلاء
الذين يسيرون في ركب الحركة السياسية وحتى
الثقافية, بالله عليكم ؛ أما آن لكم أن
تنزعوا عنكم كل الجلابيب الأصولية , وأقصد
بها الفكرية والسياسية أيضا لا الدينية
فقط , وأن تنزعوا عن رؤؤسكم قلنسوات
الإمبراطورية العربية المزعومة التي تسد
آذانكم , وتتذكروا أن الثورة العربية
الكبرى التي قيل أن الشريف حسين قادها من
السعودية كان يقودها وينظر لها لورنس
الإنكليزي فأسميتموه تشكرا لورنس العرب ,
أجل .. ! لقد آن الأوان لتروا الحقائق ,
كما هي لا كما تريدها نفوسكم المريضة
بالأصولية حتى في أحدث طبعاتها وأقصد
القومية , وأن تدركوا أن " الأعراب أشد
كفرا ونفاقا " و أنه " لا فرق بين عربي
وأعجمي إلا بالتقوى " وتتغنوا بمقولة "
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحرارا " , بمنطق عصري ديمقراطي حر ,
يعترف بوجود الآخر وبحقوقه كإنسان وشعب
وأقلية , يقرها ويدافع عنها ويدعم من يعمل
من أجلها .
أعرف أنكم ستدعون أنكم كذلك , وأن هذه هي
خصالكم العربية الأصيلة , لكن هيهات .. !
أين أنتم من الحقيقة وقد أعمت الشوفينية
أبصاركم وأسماعكم وقلوبكم حتى غدوتم
تطبقون عمليا مقولات بوش " من لا يكون
معنا فهو ضدنا " التي ترفضونها أنتم, أما
آن الأوان لتتخلصوا منها بالسرعة الممكنة
لبناء شرق أوسط ديمقراطي حر تعددي يليق
بهذه الأرض التي أبدعت الحضارات, حقيقة
أنكم - وأقصد الأغلبية معتذرا من الندرة
التي تخلصت من هذه العقدة - تمثلون فكر
البعث الشمولي الإنكاري بنسخ مشوهة ممسوخة
مقزمة , تعبر عن التمسك الأصولي بالمذهب
القومي الدخيل على حقيقة الشرق الأوسط
وغير المنسجم معها , فتتدافعون لإنكار كل
من هو خارج " عشيرتكم وقومكم " واتهامه
بأنه عدو أو عميل لعدو , وفي أفضل الأحوال
ليس بصديق , فتخنقون الآخرين وتختنقون في
بحور آلامهم واوجاعهم ودمائهم .
وأنتم يا مثقفي الكرد في سوريا وممثلي
فصائل حركته السياسية المشتتة , دعونا
نتحدث دون مجاملات ولو لمرة واحدة , إنكم
والله لستم أفضل حالا من هؤلاء العرب
الغلاة أبدا , لا بل تعانون من كل أمراضهم
وبنسخة ثالثة أكثر تشوها وبؤسا , لأنكم
تحولتم وتريدون أن تحولوا الحركة كلها إلى
تبعية التابعين لحزب البعث , فعانيتم من
أمراضكم الكردية الخاصة وأضفتم إليها
أمراض الحركة السياسية العربية التي لا
تزال تدعي الديمقراطية والحرية وتسمي
نفسها المعارضة زورا وبهتانا ,ناهيك عن
حجم ما لحقكم من النظام نفسه عبر التاريخ
, ألم يحن الوقت لتتجاوزوا منطق العائلة ,
وتكفوا عن التبعية للعشيرة , والإحتماء
بالعشيرة الأقوى , أما آن الأوان لتتخلصوا
وتنقذوا الحركة من إنغلاقها القومي
وتعصبها وأفكارها القومجية وأنتم ترون بأم
أعينكم مفاعيل وآثارالمنطق القومي التعصبي
, الذي يولد الشوفينية وإنكار الآخر
والشمولية وحتى الإرهاب المنظم , ألا ترون
أن المصابين بهذا الداء من العرب السوريين
بمن فيهم من ظنه شعبنا يوما أنه رمز
ديمقراطي كرياض سيف , صار ينكر تاريخ
الشعب الكردي في سوريا كشعب ولا أقصد
كحركة سياسية فقط والعياذ بالله , ألا
تدركون بعد حقيقة أن اقرب حلفاءكم وهي
المعارضة السورية بشقها غير الكردي تعيش
تبعية فظيعة ,وتجركم أيضا إلى فلكها
الرهيب بعد أن خدعت أطرافا كثيرة منكم ,
تحت ضغط شعارات الدفاع عن الوطن ومعاداة
الأجنبي الخارجي , وكلنا يدرك أنه دفاع عن
النظام الذي أهدر دم الأحرار والمضطهدين
كردأ وعربا واقليات , وقتل كل الحريات
عقودا وأزمانا .
أجل بات لزاما على من يدعي أنه يمثل الكرد
أن يخرج من الدائرة التي عزل نفسه فيها
فيندمج ويختلط مع جيرانه بعد أن ينزع عن
نفسه ثوب الأقلية العرقية فينطلق إلى
الوطن الأرحب يتبناه ,ليتواصل مع العالم
الحي الوسيع , بدءا من ترتيب بيته الداخلي
عبر التأكيد على أن الفكر الوطني بصيغته
الديمقراطية هو الحد الأدنى لبرنامج
الإنطلاق الجديد , دون أن يتنكر لحقيقته
وتاريخه , بل عليه أن يتبنى هويته القومية
والوطنية الديمقراطية المعاصرة , دون أن
يتنكر أو ينكر أو يسمح للآخرين بأن
يتنكروا أو أن يسرقوا هويته الكردية
الأصيلة , التي تسمح له بالعيش الحر
الكريم مع كل شعوب وأقليات هذا الوطن .
أجل أيها السادة الكرام :
لوكنت عربيا , لدافعت عن حق الكرد
والأقليات في تقرير مصيرهم بأنفسهم , وفق
ما تنص عليه كل المواثيق والعهود العالمية
, بشكل يضمن له العيش الكريم بإرادته
الخاصة الحرة, وعملت دائما على وصول هذا
الشعب إلى حقوقه كاملة , لأن هذا هو ما
يليق بالعربي المعاصر , ولأن هذا الموقف
النظري والعملي هو وحده الذي يمكن الكرد
من تجاوز آلامهم عبر التاريخ نحو تبني و
تحقيق الوحدة الأصيلة بين كل مكونات الشعب
السوري , فهل للحركة السياسية العربية
التي تدعي الديمقراطية والمعارضة أن تتبنى
هذا الموقف الأصيل المطلوب منها , أم أنها
ستكرر ما قاله ويقوله مكرري أفكار البعث
بصدد الكرد بغض النظر النظر عن المسميات
والأحزاب , وكلنا ندرك أن الموقف من الكرد
في سوريا هو أحد أهم معايير ديمقراطية
الأشخاص والحركات السياسية .
لكنني لو كنت كرديا في سوريا لتصرفت بشكل
آخر ,ولدافعت عن الوحدة السورية على أسس
ديمقراطية حرة تؤمن الحريات والحقوق
والعدالة والمساواة المكفولة دستوريا لكل
الشعوب والأقليات والمذاهب والأديان ,
لتغنيت بسوريتي مثلما أتغني بكرديتي ولقلت
"أنا سوري " مثلما أقول " أنا كردي " ,
لتخليت عن الأفكار القومية الضيقة ,
وإعتبرت أن حق الشعب الكردي في تقرير
مصيره في سوريا لا يعني بناء الدولة
المستقلة حصرا , و لأكدت أن الواقعية
ومصالح الشعب الكردي والسوري كله تتطلب
وحدة الوطن بكل شعوبه وقومياته وأقلياته
على أسس ديمقراطية حقيقية , تكون ضمانة
الوطن ودرع حمايته , ولتخليت عن التبعية
للنظام ولأتباع النظام , ولحاولت إنقاذ
المعارضة التابعة وانتشالها من المستنقع
الذي هي فيه للطيران معا نحو الحرية .
بهذه الروح فقط سنقتل هواجس كل الأطراف
لنحقق وحدة القوى الديمقراطية لتصحيح مسار
المعارضة وزج قواها في معركة الحفاظ على
الوطن وكرامته وتغييره وتحويله ديمقراطيا
, فلا ننسى أبدا أن المعارضة تحتاج إلى
تغيير في منطقها وسلوكها وأدائها أكثر من
النظام نفسه , فهل من مجيب , اللهم اشهد
إني بلغت .
الموت للشوفينية العربية المتحكمة ,وللقوموية
الكردية البدائية , والتصدي لهما سيمكن
شعبنا من الوحدة والحرية .
20 / 01/ 2006
|
|