
الكثير من الفعاليات والجهات السياسية الكردية في سوريا تتحدث عن
أهمية الثقافة، ودورها في الارتقاء بالحراك المجتمعي الكردي
السياسي والثقافي نحو الأفضل. إلا أن القليل من هذه الفعاليات من
تجرَّأت على خطو ولو خطوة جادة نحو تطبيق هذه المقولات التي تملأ
البيانات وإصداراتها الحزبية، بعيداً عن أجواء الاستثمار الحزبي
الفظ للفعل الثقافي. وذلك، بعدم توظيف هذا الفعل كنوع من
"البروباغندا" الحزبية، بغية استقطاب المزيد من المؤيدين لجهة هذا
الحزب أو ذاك. وغالباً ما كنَّا نرى بعض المحاولات التي تبعث على
التفاؤل، إلا أن ذهنية التحزُّب الانفرادية الاستثمارية كانت تضعها
ضمن مناخات تشاحنية قائمة على التجاذب الحزبايتي التي تضيّق الخناق
على الفعل الثقافي بشكل كابح ورادع، ما يؤدي إلى خلق ردة فعل واضحة
من قبل المثقفين الكرد من الحراك السياسي الكردي في سوريا.
أتت فكرة عقد أمسيات ثقافية كردية في حي الأكراد في دمشق، والتي
طرحها الأستاذ جمال ملا محمود الأمين العام للحزب الديمقراطي
الكردي السوري – PDKS، وأدخلها حزبه هذه الفكرة حيّزَ التطبيق
بإقامة ثلاثة أمسيات. حيث لاقت استحساناً صداً وتجاوباً لدى
المهتمين بالثقافة الكردية في دمشق عموماً ومن حزب الوحدة
الديمقراطي الكردي في سوريا _ يكيتي و الحزب الديمقراطي الكردي في
سوريا _ جناح الأستاذ نصر الدين إبراهيم، خصوصاً. وعلى هذا الأساس،
تمَّت الموافقة من الأطراف الثلاث على تفعيل هذه الفكرة والمشاركة
في تطبيقها على أرض الواقع، وتقديم الدعم لها معاً.
الحقُّ،
أن هذه الأمسيات التي بدأت في 12 / 7 / 2002 ومع دخولها عامها
الرابع، واستمرارها بشكل شهري دوري، دون انقطاع، باستثناء شهر آذار
من عام 2004 تحت تأثير أحداث انتفاضة الثاني عشر منه، الحقُّ أنها
أثبتت_إلى حدٍّ لا بأس به_ أنها منفتحة ومفتوحة على الاهتمام
بالشؤون الثقافية والسياسية والاجتماعية للكرد في سوريا. حيث تهدف
هذه الأمسيات إلى تسليط الأضواء على مفاصل الحياة الثقافية
والسياسية الكردية وإشكالياتها، بغية الوصول إلى رؤية واضحة شاملة،
ومعمَّقة لتفاصيل المشهدين الثقافي والسياسي الكردي وإحداثياتهما
أولاً، وإلى تفعيل الحالة الثقافية التواصلية بين المثقفين الكرد
المشتتين والمنغلقين في دوائر التعصب الحزبي الضيقة، ثانياً. كما
أن هذه الأمسيات تساهم في رفد الحركة الثقافية بنشاطات وفعاليات لا
بأس بها، بتقديمها للمواهب والأقلام الشابة ووضعهم في دائرة الضوء،
إلى جانب تقديم الأسماء الهامة النشطة في حقول الثقافية الكردية في
سوريا. فضلاً عن دورها في ردم الهوّة بين المبدع والمتلقي. والجدير
ذكره هنا، إن هذه التجربة تشهد نموّاً وتطوراً معقولاً من حيث الكم
والنوع، أثبت نجاحها ونجاعتها حتى الآن، بالرغم من حجم الإمكانات
المتواضعة للجنة المنظمة لها، والإشكاليات التي تواجهها في عملها،
بالإضافة إلى الظروف الاستثنائية التي تعانيها الثقافة الكردية في
سوريا.
وتأتي أهمية هذه الأمسيات وريادتها من عدة نقاط، لعل أبرزها:
1 – ابتعادها عن الأجواء الحزبية وقلاقلها اصطفافاتها وتجاذباتها
المعروفة المستهجنة، بالرغم من أن هذه الأمسيات_ كغالبية النشاطات
الثقافية_ ظهرت للنور بقرار حزبي.
2 _ تنوع المواد التي تقدم فيها، والمواضيع التي تتناولها بين
الدراسات والبحوث اللغوية والتاريخية المواضيع الأدبية و"شعر، قص،
نقد" الثقافية "ترجمة، فن تشكيلي، موسيقى، فلكلور، تراث..."
3 _ اقتصار تقديم المواضيع باللغة الكردية أ المترجمة إليها.
4 _ استمرارها بهذه الوتيرة المقبولة الطويلة نسبياً، قياساً
بالتجارب السابقة التي على هذه الشاكلة، بالرغم من الظروف
الإشكالات التي تعانيها الجهات المنظمة الراعية لها.
5 _ انفتاحها على الصراحة والشفافية في تناول المواضيع، عبر فتح
الباب على مصراعيه لكل الآراء النقدية لها. ما دعانا للقول: بأن
هذه الأمسيات تلعب دوراً هاماً في التأسيس لثقافة الحوار والتواصل،
فيما بين المثقفين، من جهة، وبين الساسة والمثقفين الكرد، من جهة
أخرى، بصرف النظر عن التباين في المشرب الفكري أو الانتماء
السياسي.
وقد
ذكر أحد أعضاء اللجنة المنظمة أو التحضيرية لهذه الأمسيات وهو
الأستاذ عباس أوصمان "bavê comerd" : أن هذه الأمسيات تطمح لأن
تصبح صالون أدبي ثقافي كردي في دمشق. وتحاول أن تستقطب أكبر عدد
ممكن الكتَّاب والمثقفين الكرد، ليس فقط القاطنين في دمشق، بل وحتى
الموجودين في المحافظات الأخرى. وسوف تسعى أمسياتنا لأن تكون مساحة
حرَّة مفتوحة على كل الآراء التي يتحمل مسؤوليتها أصحابها. فكل
المواضيع التي يتم طرحها في هذه الأمسيات، وما يُثارُ حلها من
تداول ومناقشات، تعبِّر عن وجهة نظر أصحابها.
كما
ذكر أحد المهتمين للشأن الثقافي والسياسي الكرديين، والمتابعين
لهذه الأمسيات بشكل دوري، وهو الأستاذ كوركين حسن هشيار : إن هذه
الأمسيات خطوة في الاتجاه الصحيح، بالرغم من أن اللجنة التحضيرية
لا تحتوي على أحد من الأسماء المعروفة ثقافياً. وعندما نقوم
بمتابعة الحضور الشبابي الملفت في هذه الأمسيات، نعرف أن الثقافة
الكردية بخير. كما نتذكر أيامنا الخوالي، عندما كنَّا ننشط في هكذا
فعاليات ثقافية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم. قد تكون
مستويات المواضيع التي يتم طرحها متفاوتة، وقد يكون مستوى
المشاركين والحاضرين فيها كذلك. إلا أن الاستمرار والمتابعة في
الإعداد وعقد هذه الأمسيات، هو شيء إيجابي بحد ذاته، وباعث على
التفاؤل.
والجدير ذكره هنا، إن هذه الأمسيات قد خلقت حافزاً لدى المهتمين
والمثقفين الكرد إلى تقوية القراءة والكتابة باللغة الكردية، كون
هذه الأمسيات -مواضيعاً ومناقشةً-، هي حصراً باللغة الأم. ناهيكم
عن دورها في إذكاء روح النقد لتقييم وتقويم النشاط الثقافي
والمنتوج الإبداعي الكردي، فضلاً عن ترسيخ ثقافة الحوار والرأي
والرأي الآخر، عبر خلق جو ومناخ صحي مناسب وحر لإبداء الرأي،
بعيداً عن المشاحنة والجمود والانغلاق. ومازالت هذه الأمسيات
مستمرة، آملةً أن ترتقي بالحالة الكردية ثقافياً وسياسياً من خلال
البحث والدراسة والمراجعة والنقد. وهذا ما شدد عليه وأكَّده الأديب
والباحث اللغوي الأستاذ دحَّام عبد الفتاح أثناء تطرقه لهذه
التجربة قائلاً : إن من الأهمية بمكان أن نشير إلى دور وتأثير هذه
الأمسيات، ما خلقته من سمعة وصيت ذائع لنفسها في المناطق الأخرى.
ومن خلال مشاركتي فيها كمحاضر أو مشارك لأكثر من مرة، تكوَّنت لدي
صورة واضحة عن طبيعتها وحيويتها وتأثيرها في تقديم نموذج جديد
للنشاط الثقافي الذي من شأنه الارتقاء بالوعي والفعل الثقافيين،
عبر نقد وتقييم وتقويم الفعل الإبداعي خصوصاً والثقافي عموماً.
فأنا، وعلى الصعيد الشخصي، بالرغم من تجربتي المتواضعة، أكون حذراً
ومهيئاً نفسي جيداً لحضور هذه الأمسيات، لِمَ شاهدته غيها من حراك
نقدي وصراحة وانفتاح على الرأي والرأي الآخر. وأعتقد أنه ينبغي أن
تحتذي ملتقياتنا الثقافية بتجربة هذه الأمسيات. ففي عامودا، بدأ
بعض الشباب عقد أمسيات على شاكلة التي تعقد في حي الأكراد بدمشق.
ونأمل أن تصل إلى مستواها.
لكوني أحد المرتادين المتابعين لهذه الأمسيات، أعتقد أنه من
الأهمية بمكان أن أشير إلى بعض نقاط الخلل العائقة لصيرورة تطورها.
وربما أهمها :
1 _ خلو اللجنة التحضيرية من أي أسم ذو خبرة في هذا المجال، كما
أشار الأستاذ كوركين أعلاه، ناهيكم عن أن أعضاء اللجنة التحضيرية
غير متفرغين تماماً لها، وغالباً ما يقعون تحت تأثير مشاغلهم
اليومية والتزاماتهم الحزبية التي قد تؤثِّر على سير الإعداد
والتحضير لها.
2 _ عدم اهتمام الجهات الراعية أو الداعمة لهذه الأمسيات بالشكل
المطلوب. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تأمين كوادر محترفة قادرة على
الإعداد لموقع إلكتروني لهذه الأمسيات.
3 _ عدم وجود خطة واضحة رامية لتطوير هذه الأمسيات لدى اللجنة
التحضيرية لها، بغية إبعادها عن الرتابة أو المراوحة في المكان
التي قد تقع فيها.
4 _ عجز اللجنة التحضيرية أمام اختراق بعض المثقفين لهذه الأمسيات
بشكل شاذ غير مقبل. ووضع حد لهذه الخروقات التي يقومون بها فيها،
واستثمراها للصالح الشخصي، على شاشات فضائيات الكردستانية، دون أن
يكون لهم أي جهد في الإعداد لها. كأن يتحدث أحدهم_داخل وخارج
الأمسيات_ باسم اللجنة التحضيرية، وليس له أية علاقة تذكر بالتحضير
لهذه الأمسيات.
ثمة نقطة هامة لا بدَّ من ذكرها، وهي أن هذه الأمسيات قد حفَّزت
جهات أخرى على عقد أمسيات أخرى، بغية تنشيط الحركة الثقافية،
كأمسيات منتدى الدكتور نور الدين زازا في دمشق التي يشرف على
الإعداد لها الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا_ جناح
الأستاذ عبد الحميد درويش. وأمسيات يعقد حزب آزادي الكردي في سوريا
العزم على تأسيسها. ولي حديث حول هذين النشاطين مستقبلاً في القوس
الثالث. وما أأمله أن لا تكن هاتين المحاولتين الأخيرتين
المذكورتين سالفاً، نوعاً من المضاربة الحزبية على أمسيات ركن
الدين، أو كنوع من المزاحمة الحزبية حول تقويض الفعل والنشاط
الثقافي، وصولاً لإجهاض أو إفشال تجربة حي الأكراد...؟.
دمشق / المحرر