|
دنكى كورد ( الحزب الديمقراطي الكردي
السوري )
من طبيعة العمل في القضايا النضالية العامة ، أنه عند
المنعطفات الحادة ، تتخلق عن جذوة التراكمات السابقة ، مخاضات
طارئة غير متوقعة ، تمهد انتاش موازين وعوامل جديدة ، تؤثر
تأثيراً موضوعياً أضافياً في طبيعة الحراك السياسي والاجتماعي
العام وتدفعه نحو مبتغاه . وعندما لا تكون القوى المعنية مؤهلة
تماماً للتفاعل مع هذه المنعطفات ، فهي ـ تغطية لحالة عدم
التوازن وتعامياً عن واقع الانهزام ـ إما تتعجل المخاضات بركوب
الموجة تسرعاً واستباقاً فيما يشبه المواكبة ، زيفاً ، لما
ينبغي فعله . وإما تتمترس رغم كل شيء خلف التاريخ وخلف منظومة
معقدة ومنتهية الصلاحية من القيم الدوغمائية المسطحة المتفيئة
بكاريزمات كاريكاتورية هي فزاعات النزعة الشمولية الصبيانية
المستترة عادة في أحشاء تبجحات العصرنة .
في النضال الوطني الكردي في سوريا ، لا تزال حالة انعدام الوزن
تسم رؤية الحركة رغم الوخزات المؤلمة للتغيرات العاصفة في
الفكر والعلم والسياسة والجغرافيا على مستوى العالم كله . ولأن
الفكر السياسي الكردي وآلية العمل الداخلي في الحركة والممارسة
النضالية الكردية ، كانت هجينة ومتماهية في معظم أوجه تخلقاتها
الأساسية من ومع ما هو ضد لها ـ مع بعض الرتوش الذاتية هنا أو
هناك ـ فقد خلقت هذه التغيرات العاصفة فراغاً مخفياً في العقل
النضالي الكردي ، في نفس الوقت الذي أجبرته فيه على محاولة
ابتداع فكره ورؤيته الذاتية المعبرة عن كل جوانب الخصوصية ،
وهو ما لم يكن قد اعتاده قبلاً . ولا شك أن عقد التسعينات من
القرن المنصرم وبداية الألفية الثالثة ، هي مرحلة بناء أو
تأسيس حديث وحقيقي في الفكر الوطني الكردي الذاتي ، انطلاقاً
من الخصوصية واستقراراً في العام الوطني ، وإن سبقته عقود
تمهيدية جنينية لدى أطراف معينة . هذه المرحلة التأسيسية
الجديدة ـ بعد فترة التأسيس الأولى التي امتدت من أواسط
الخمسينات وإلى بداية التسعينات ـ وبالاستناد على مجمل التاريخ
النضالي الكردي بومضاته المشرقة القليلة ومراراته المؤلمة
الكثيرة ، لا شك بأن لها أيضاً مخاضاتها العسيرة ، وتعقيداتها
غير المفهومة أحياناً .
وبالاستفادة من التجارب السابقة للحركة ، والومضات المشرقة
منها خصوصاً ( كالقدرة على النضال المشترك في الكثير من
المراحل ) والبناء عليها بناءً صحيحاً ، دون النزوع نحو
الاسترسال المدرسي في التقييم والتحليل بما يشبه غناء كل منّا
على ليلاه ، فأن الفهم المتقارب والأفق الممكن الذي نرومه
جميعاً ، غير قابل للتشارك إلا عبر الحوار والتفاعل الإيجابي .
ولا أحـد (لا أحد على الإطلاق ، لا فصيلاً ولا أطراً) بمقدوره
أن يتفرد
بالغناء على ليـلاه متمنياً على الآخرين التأوه طربـاً على
أوتـار الصوت الشـجي الذي غالبـاً ما يشـج النفوس والصفوف ولا
يشجيها .
إن اختلاف الرؤية والطموح نحو التميز أمر يمكن فهمه ، إلا أن
ما يحدث ويطفو في العلاقات الداخلية للحركة الوطنية الكردية في
سوريا هو أبعد من ذلك بكثير . فنحن نقع بإرادتنا ، أو دونها ،
في حبائل شرك نصب لمصادرة المسألة الكردية في سوريا وإعادة
صياغتها بإرادات غير كردية ، وترك مسألة الحراك التناحري فحسب
ملهاة حصرية لقوى النضال الكردي تتلهى بها . ومن هنا لا يمكن
تفهم وقبول تغييب الحوار الجماعي ، الذي ندعو إليه جميعاً ،
وكنا نمارسه حتى وقت قريب ، وإن كان أشبه بالحوار القسري الذي
أملته الضغوط الوطنية الملبية للمصالح الحقيقية . إن تضخيم
الاختلافات الثانوية على نحو يبدو وكأنه صراع حقيقي على الوجود
لحساب استسهال التناقض الرئيسي مع خصوم النضال الوطني الكردي
كبديهية ما عادت تستوجب التركيز وإعادة الفهم ، وأنه ما على
الناس إلا أن تتلقفها منا كالقطيع ، لأمر خطير يبعث على القلق
ويوسع في دائرة الهواجس والتوجسات .
عودة لا بد منها ، وسريعاً ، إلى الوعي الحقيقي للذات والظروف
الموضوعية . فالسقوط المقنع مهما بدى شكله وأسلوبه ، فهو
فيمهما بدى شكله وأسلوبه ، فهو في النهاية يتموضع أسفلاً ،
ولاشيء يمكنه أن يفضي بالنضال الوطني الكردي على دروبه
المطمئنة إلا الحوار الداخلي المعمق والصبور
|