طارق حمو
نقاشٌ وسجالٌ عارم يدور في الساحة الإعلامية في تركيا هذه
الأيام.الموضوع هو التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان عن القضية الكردية في تركيا، وإمكانية حلها "ديمقراطياً"
عن طريق "التنمية ومزيد من الديمقراطية وتطبيق الإصلاحات". كما
إعترف أردوغان بإرتكاب الدولة التركية "أخطاءً في الماضي" وقال بأن
"الأمة الكبيرة هي التي تعترف بأخطائها وتحاول تجاوزها". وجاءت
تصريحات أردوغان هذه أثناء زيارته الأخيرة لمدينة ديار بكرالمعقل
الرئيسي لأكراد تركيا في 12/8/2005 حيث بدأ يخطب في الجمع اليسير
الذي أنبرى لملاقاته(بعد دعوة حزب العمال الكردستاني أبناء المدينة
لمقاطعة الزيارة) ذاكراً لهم كلاماً جديداً وجميلاً عن "القضية
الكردية والديمقراطية والتنمية والأخطاء القديمة"،لا بل ذهب الرجل
مذهباً "كريماً" في إعتبار قضية الأكراد وحقوقهم القومية "قضيته
الشخصية"، وإنه "سيسعى في متابعة المشوار الإصلاحي الذي بدأته
حكومته" وتكميل تلك "السلسلة الإصلاحية" بضم حلقة المسألة الكردية
إليها: لكي يكتمل العقد ويتقوى الموقف التركي الرسمي في اليوم
الموعود: يوم الثالث من أكتوبر القادم، موعد بت الأتحاد الأوروبي
في "الواجب المنزلي" التركي، لتخطي إمتحان تطبيق معايير كوبنهاغن
الأوروبية المعروفة، والتي لايستوي الأمر إلا بتطبيقها تطبيقاً
حرفياً: لكل الراغبين في الأنضمام إلى الواحة الأوروبية الوارفة...
ثمّة إذن، إعتراف بالخطأ التركي المتسلسل إزاء حقوق "مواطني جنوبي
شرق البلاد"، وهناك كذلك، دعوة ضمنية ومستترة للحوار لحل هذه
القضية وفق الأطر الوطنية، أو في نطاق"الأمة الواحدة، والعلم
الواحد والدولة الواحدة" كما قال أردوغان علانيّة...
والموقف الجديد(والجريء كذلك: للإنصاف والحقيقة) يأتي من عدة
إعتبارات أو مستجدات إقليمية ودولية فرضت نفسها على الدولة
التركية، كما فرضت على غيرها، وجعلتها تغيرّ سياساتها تجاه قضية
الشعب الكردي في كردستان الشمالية:(والبالغ، للعلم،أكثر من 18
مليون كردي)، وذلك للأسباب الإستراتيجية الآتية، في منظورنا :
أولاً: المخاض الديمقراطي في العراق: ثمّة متغيرات هائلة في
المنطقة والعالم. فهناك عملية مخاض ديمقراطي كبيرة تجري في العراق:
سعي أميركي ودولي لتثبيت أركان "الديمقراطية" وإجراء إنتخابات وسن
دستور وتشكيل حكومة جديدة في البلاد: على أٌسس مشاركية كاملة
وبالتوافق بين كل الأطياف والتكوينات المختلفة. والعراق أحد أهم
جيران تركيا، والذي كان في حرب دائمة مع أكراد"ه"، بدأت منذ تكوينه
في بداية العشرينات وإنتهت، ولله الحمد ، مع العصف الأميركي الذي
أخذ نظام صدام حسين التسلطي والذي كان بارعاً في تنكيله بالأكراد
وذبحهم بالجملة. والأكراد هم أحد أهم ركائزهذه العملية التأسيسية،
وهم في أقوى مواقفهم التاريخية الآن منذ إلحاق ولاية الموصل
بالبصرة وتأسيس المملكة العراقية العتيدة. والأطراف العراقية متفقة
فيما بينها على مسألة الفيدرالية، لعدم وجود هامش آخر في الرفض أو
المناورة، وفي حال الرفض فإن أمامها خيار آخر وهو "قبول دولة
كردية" كما حذر رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني...
وكركوك ستعود للخارطة الكردستانية الجنوبية حال "إرجاع" سكانها
الذين رٌحلّوا منها في زمن البعث الصدامي، وهم ـ وكما لايخفى على
الإستخبارات التركية ـ بمئات الآلاف،الأمر الذي سيٌغيرحتماً في
الميزان الديمغرافي الهش أصلاً في المدينة لصالح الأكراد. كما أن
ورقة التركمان وماقيل كثيراً في أمر(الجبهة التركمانية العراقية)
والتعويل التركي الدائم على قوتها، بل وحتى تمثيلها للتركمان، ذهب
أدراج الرياح: حيث لاتتمتع هذه الجبهة بثقل سياسي يٌذكر في البلاد،
وتحالفاتها محدودة وهشة، بينما تمثيلها الشرعي للتركمان لايتعدى
ثلاثة نواب في المجلس الوطني العراقي المٌنتخب، مقابل ثمانية
وسبعين نائباً كردياً...
أما ماتٌحيكه واشنطن في الخفاء، فهو في علم الغيب. وثمّة
سيناريوهات مختلفة تتسرب وبشكل يكاد يكون يومياً، تقول عن خطط
أميركية يجري التباحث فيها في أروقة البنتاغون والمخابرات
المركزية، عن إحتمالات تقسيمية للعراق، قد تكون الحل الوحيد إذما
إستمرت الأزمة الحالية في التفاعل: أوفي حال وصولها لطريق مسدود،
قد تخلق لحالة فوضى كبيرة في المنطقة.
ثمّة إذن، وضع جديد ومختلف في الساحة العراقية، فقد ولىّ نظام صدام
الديكتاتوري الذي كان يٌعادي الأكراد، ويسمح لتركيا بالتوغل،
وبتأشيرة مفتوحة، داخل الأراضي العراقية لمطاردة مقاتلي حزب العمال
الكردستاني والتضييق عليهم.والأنكى،إن الولايات المتحدة الأميركية
بدأت بالتصريح علانية عن إلتزامها الحياد في "مسألة تواجد" قوات
حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. ومن ذلك، ماذكره أحد
مسؤوليها، من الذين حضروا آخر لقاء جمعّ الأطراف التركية والعراقية
والأميركية في واشنطن، بإلتزام الأخيرة الحياد، وإنها "لاتعتبر
نفسها طرفاً في القضية"، وإن "المسألة تخص الحكومة العراقية وتركيا
فقط" ، ليس إلا..!.
إذن،لاتوجد نيّة أميركية في ضرب ومطاردة عناصر وقيادات حزب العمال
الكردستاني كما يٌشيع الإعلام الغرائضي التركي صبح مساء، بل
والأكثر من ذلك، وجود حديث عن إنتقام أميركي من تركيا جراء رفضها
عبور القوات الأميركية أراضيها للإستقرار في أقليم كردستان العراق،
أثناء التحضير لعملية تحرير العراق قبل أكثر من عامين، وكأن لسان
حال واشنطن يقول لأنقرة: العين بالعين والسن بالسن، والبادئ
أظلم..!.
ومع وجود مثل هذه العلاقات الفاترة مع الولايات المتحدة، ثمّة هناك
كذلك "حشر" مقصود لتركيا وحكومة أردوغان، ومن قبل بعض الأوساط
النافذة في الإدارة الأميركية، في خانة كل من إيران وسورية، أي
خانة "محور الشر" الأشهر من نار على علم تلك. فطالما تركيا تقف
بالضد من المشروع التحرري والديمقراطي في العراق والمنطقة، وتقويّ
إتصالاتها مع كل من إيران وسورية، وعلى أكثر من صعيد، فهي إذن تتجه
صوب الجهة المواجهة للولايات المتحدة الأميركية. وهذا موقف وإجراء
من الصعوبة أن يمر على سادة البيت الأبيض دون عقاب أو فركة إذن
أميركية، وبأكثر من طريقة...
ثانياً: الحسابات الداخلية التركية: أو توازنات وحسابات العلاقة
الحساسة جداً بين الحكومة التركية ومؤسسة الجيش. فحزب العدالة
والتنمية الذي أكتسح الإنتخابات التركية، وحصل على أغلبية مطلقة
ومريحة من أصوات الأتراك،الأمرالذي مكنه لاحقاً من تشكيل حكومة
مستقلة بذاته، بدأ يمشي دؤوباً في طريق الإصلاحات الديمقراطية التي
فرضتها عليه أوروبا. وبدا شغل هذا الحزب ومسؤوليه الشاغل هو: كيفية
تطبيق الإصلاحات الديمقراطية للوصول إلى الحد الأدنى من المعاير
الأوروبية الواجب تطبيقها، لضمان الإنضمام للأتحاد الأوروبي كما هو
مأمول، وكذلك لتقويض السيطرة الحديدية للجيش على الحياة السياسية،
وفك قبضته القوية عن "الملفات الإستراتيجية الكبرى"، تلك التي
تتعلق "بوحدة البلاد وإستقلالها وأمنها القومي"، كما يقال دائماً.
وكانت الخطوة الأولى هي تحجيم السطوة والإقتدار العسكري في مجلس
الأمن القومي التركي(MGK) وتعيين مدني رئيساً له، ولأول مرة،
وماالتصريحات و"الملاحظات" الأخيرة لبعض قادة الجيش التركي حول
سياسات (العدالة والتنمية) الخفية، وتصاعد قوة "الرجعية"
و"الإنفصاليين" مقابل "تراجع سطوة الجيش وتحديد صلاحياته"،إلا
دليلٌ على ذلك، وأصبح من الخطر كذلك على مستقبل (العدالة والتنمية)
الرجوع في هذا الشوط التغييري المديد الذي أنجزه الحزب من جهة
إبعاد الجيش عن السياسة وتقليم أظافره الممددة في كل إتجاه ومكان،
خصوصاً وإن تجربة حزب السعادة ورئيس الوزراء الأسبق نجم الدين
أربكان مازالت ماثلة للعيان...
ثالثاً: تصاعد عمليات حزب العمال الكردستاني: فبإعترف قادة الجيش
التركي والمحللين العسكريين والسياسيين الأتراك، هناك تطور نوعي في
هجمات حزب العمال الكردستاني. فقد أسفرت الهجمات والأعمال القتالية
منذ إعلان الحزب إستئناف الأعمال القتالية الهجومية في 1/6/2004 عن
مقتل مئات الجنود الأتراك وجرح مئات آخرين. ويبدو إن فترة النقاهة
التي طالت ستة أعوام، أعلن خلالها الحزب عن وقف أحادي لإطلاق
النار(من جانب واحد) قد أٌستغلت بشكل جيد من جانب المقاتلين الكرد،
وتسنى لهم الوقت الكافي للتدريب وإعادة ترتيب صفوفهم وإستقطاب
المزيد من الشبان الكرد من مدن وقرى كردستان تركيا والمناطق
الكردية المهمشة في إيران. كما شهدّت عين الفترة تجديد العتاد
والسلاح الكردي والإستفادة من الأوضاع الجديدة في الجوار القريب،
وتوزيع آلاف المقاتلين في المناطق الجبلية المستعصية داخل كردستان
تركيا، وكذلك في المناطق التركية الداخلية. وفي حديث له
لصحيفة(آزاديا ولات) الكردية قال باهوز أردال القائد العام لقوات
حماية الشعب(الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني) بأن مقاتليه
إكتسبوا فنوناً قتالية جديدة خلال فترة الأعوام الستة الماضية، وإن
الجيش التركي يتكبد خسائر فادحة في كل مواجهة له مع المقاتلين
الكرد،أو "بمجرد مغادرة الجنود الحوامات العسكرية التي أقلتهم إلى
المناطق الجبلية"، وأكد أردال إنهم مثلاً، ومنذ بضعة أيام قتلوا
خمسة عشر جندياً تركياً وتمكنوا من الإستيلاء على أسلحتهم و"هي
موجود بحوزتنا وندعو الصحفيين للإطلاع عليها إذما رغبوا في ذلك".
وتابع أردال إن الجيش التركي لم يكن ليقصر في محاربتهم والفتك بهم
لو قيض له ذلك في تلك الفترة، كما الآن. كما قال بأن الجيش يٌخفي
خسائره عن الرأي العام التركي ويقلل منها، خشية ظهور ردود أفعال
غاضبة ومعارضة لحربه في كردستان...
هذا وكانت صحيفة الواشنطن بوست الأميركية قد ذكرت في تقرير لها قبل
حوالي الشهرين تحدث عن المواجهات في شمالي كردستان، بأن عدد قتلى
الجيش التركي في حربه ضد "المتمردين" الأكراد منذ 1/6/2004 فاق
وتخطى عدد قتلى الجيش الأميركي في العراق حتى الآن...
أما الجانب الكردي، فقد رحب بحذر بخطوة أردوغان هذه، واعلن قبولاً
مشروطاً لها. فقد أعلن حزب العمال الكردستاني وفي بيان نشره للرأي
العام الدولي يوم الجمعة 19/8/2005 إعلانه عن وقف مشروط لإطلاق
النار ولمدة شهر واحد، تجاوباً مع تصريحات أردوغان هذه، والتي ذكر
فيها القضية الكردية بالأسم لأول مرة. وجاء في البيان الذي نشره
الحزب ووزع في بروكسل "إن لقاء المثقفين والكتاب الكرد والترك
برئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ومن ثم النتائج التي أنبثق
عنها ذلك اللقاء والذي أشاع جواً من التفاؤل، وما أعقب ذلك من
تصريحات اخيرة لأردوغان أثناء زيارته لآمد (ديار بكر) والتي سمّى
فيها المسميات بأسمائها الحقيقية، ذاكراً وللمرة الأولى القضية
الكردية بالأسم، كل ذلك خلق جواً إيجابياً وشعوراً بالغبطة
والتفاؤل، وبشكل خاص حين تم التأكيد على ضرورة حل القضية الكردية
بشكل سلمي وفي إطار جمهورية ديمقراطية.وإن كل هذه التطورات
والمستجدات فرضت نوعاً من التجاوب، الذي أبداه الجانب الكردي وأعرب
عن إستعداده للتفاعل وتهيئة الجو المناسب لخلق فرصة جديدة للسلام
دعماً ومساندة لكل الأطراف الساعية لإرساء السلام والحوار في
المنطقة وإنهاء حالة الصراع الدائر منذ أكثر من عشرين سنة. وعليه
فقد دعا كل من (مؤتمر الشعب الكردستاني) و(اللجنة القيادية في
إتحاد المنظومات الكردستانية) قوات حماية الشعب للعودة إلى حالة
الدفاع المشروع عن النفس وعدم المبادرة في الهجوم وذلك لمدة شهر
واحد فقط". لكن الحزب عاد وذكرّ الشعب الكردي والرأي العام الدولي
بسوابق تركية مشابهة "أشاعت نوعاً من التفاؤل ولكنها لم تتطور
وترتقي لمشاريع حل وحوار"، بل أدت "لإزدياد المواجهات وتطورها جراء
تصعيد الجيش التركي لعملياته العسكرية". وكمثال عن ذلك، ذكرّ الحزب
الشعب الكردي والقيادة التركية بتصريحات رئيس الوزراء التركي
الأسبق سليمان ديميريل عن "الحقيقية الكردية" في جنوبي غرب البلاد.
وقول رئيسة الوزراء الأسبق تانسو تشيلر حول "إمكانية حل قضية
الأكراد وفق نوذج إقليم الباسك في إسبانبا"، وكذلك تصريحات مسعود
يلماز رئيس الوزراء التركي الأسبق أيضاً حول "مرور طريق تركيا إلى
الأتحاد الأوروبي في مدينة ديار بكر".
وشدد الحزب في بيانه، على شرطه "رفع الحكومة التركية حالة العزلة
عن الزعيم الكردي المعتقل في تركيا عبدالله أوجلان، ومنحه الفرصة
لكي يساهم في صنع السلام وإرساءه في المنطقة". وكان أوجلان قد دعى
أعضاء حزب العمال الكردستاني للإنسحاب خارج الحدود التركية الدولية
كبادرة حسن نية ورغبة في الحوار مع الجانب التركي لحل القضية
الكردية، وجاء ذلك عشية إختطافه من كينيا ومحاكمته في أنقرة بتهمة
الخيانة العظمى، الأمر الذي رفضته أنقرة وإستمرت في حملاتها ضد
المقاتلين الكرد، تلك الحملات التي أسفرت حتى الآن عن مقتل ما
لايقل عن 37 الف شخص أغلبهم من الأكراد، وتشريد ثلاثة ملايين كردي
عن ديارهم وتدمير آلاف القرى في مناطق كردستان.كما كان أوجلان قد
طرح مشروعاً لحل القضية الكردية سماه(مشروع الحضارة الديمقراطية)
إلا إنه قوبل بالرفض كذلك...
كما طالب البيان الحكومة التركية "بوقف العمليات العسكرية في مدن
ومناطق شمالي كردستان ورفع القيود عن حرية التعبير لإتاحة المجال
للشعب الكردي في إبداء رأيه بشكل ديمقراطي وحر، ووضع القوانين
اللازمة وإصدار التشريعات التي تعترف بالشعب الكردي وهويته القومية
وتثبت وجوده بشكل شرعي وقانوني في الدولة".
ومن جهتها رحبت (حركة المجتمع الديمقراطي) كبرى الأحزاب الكردية
العاملة والمرخصة في تركيا بالخطوة الجديدة وتصريحات أردوغان،
وقالت الحركة في بيان لها "إن هذه الخطوة فيما لو تطورت أكثر، قد
تنجح في حل القضية الكردية في البلاد ضمن الأطر الديمقراطية
والحقوقية وفي إطار وحدة البلاد". وتابعت الحركة التي يتزعمها
النواب الكرد الأربعة الذين سجنوا عشرة سنوات في السجون التركية
عقاباً لهم على ذكر"القضية الكردية" في البرلمان التركي( ليلى
زانا، أورهان دوغان، خطيب دجلة، سليم ساداك) إن الجانب الكردي
"مستعد للتعاون لتفعيل هذه الخطوة" وإنهاء "حالة الحرب والمواجهات
في المناطق الكردية".
ومن جانبهم حذر بعض المحللين الأكراد من مغبة الإفراط في التفاؤل
والإنجرار وبدون أخذ الأحتياطات اللازمة وراء دعوة أردوغان". فقد
حذر الصحافي الكردي محمود أوندورالجانب الكردي من "إمكانية وجود
مؤامرة وإتفاق مسبق مع العسكر وراء تصريحات أردوغان هذه" ، وأشار
أوندور إلى موقف رئيس الوزراء التركي وحكومته من أوجلان، وسياستهم
"الهادفة لعزله وتهميشه، حيث إنها فرضت حالة من العزلة الشديدة
عليه، مانعة أهله ومحاميه من زيارته مدة سبعة أسابيع، ورفض أردوغان
المتكررالحوار مع أوجلان، ونعته وحركته بالإرهاب في كل مناسبة".
وتابع أوندور إن "هناك إحتمال أن تعمد الحكومة التركية إلى تصفية
أوجلان في السجن(سجن إيمرالي المعزول وسط بحر مرمرة) وإنها تمهد
الطريق لذلك بهذه التصريحات المهدئة لنفوس الأكراد، وترطب الأجواء
لإمتصاص غضب الشارع الكردي في حال فعل ذلك، خصوصاً وأن أوجلان قد
أبدى خلال آخر زيارة له عن تخوفه من وجود سيناريو يطبخ حالياً
لتصفيته بالتوازي مع ضرب الحركة الكردية ضربة عسكرية قاصمة". وكان
الزعيم الكردي المعتقل قد نقل لشقيقه أثناء زيارته له الإسبوع
الماضي، عن وجود شعور لديه يقول بنية حكومة حزب العدالة والتنمية
في التخلص منه. هذا وكانت الحكومة التركية قد أصدرت عدة قرارت
لتشديد العزلة على أوجلان ومنعت محاميه من زيارته، كما تنصلت من
تطبيق قرارالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والقاضي بإنتفاء شرط
العدالة في محاكمته الأولى عام 1999 ووجوب إعادة المحاكمة من
جديد.وكان أوجلان قد طالب الحكومة التركية بمحاكمة عادلة ومستقلة
يحضرها أطراف دولية وتأخذ بعين الأعتبارالأسس السياسية للدعوى التي
سجن بسسببها. كما يستشهد أوندور في تحليله ذاك بتوسيع "رقعة
العمليات العسكرية ضد قوات حماية الشعب، والسعي المميت للأتراك في
نيل موافقة الأميركان والعراقيين لضرب قواعد الحزب في كردستان
العراق، ومحاولة حزب العدالة والتنمية بخلق بديل لأوجلان، وذر بعض
الرماد في الأعين الكردية لشراء صمت الأكراد عند تصفية اوجلان".
ولايستبعد أوندور، تالياً، من وجود "ضوء أخضر أميركي في هذه
القضية، وذلك للتخلص من الضغوطات التركية بشأن تصفية عناصر الحزب
في كردستان العراق، وضمان عدم تدخل أنقرة في الشأن العراقي، كون
واشنطن هي التي سلمت أوجلان لأنقرة، ولكن شريطة الحفاظ على حياته،
كما أعترف رئيس الوزراء التركي السابق بولند أجاويد ذات مرة"...
ولكن، حتى ولو كان هذا الرأي صحيحاً، فمن الصعوبة الإتيان بطرف أو
شخص كردي لكي يحل مكان أوجلان، وقد دار الحديث في فترة من الفترات
عن ليلى زانا المرأة الخارجة للتو من السجن، لكن زانا نفسها رأت
مقدار تعلق الناس بأوجلان وتواضع حظوظها أمامه، وقاست ذلك في
جولاتها في المدن والمناطق الكردية، حيث كانت تحية الناس لها من
نوعية خاصة: بالروح بالدم نفديك يا أوجلان!. كما أن الكل يعلم بأن
(حركة المجتمع الديمقراطي) التي تعمل زانا في صفوفها هي "إحدى بنات
أفكار أوجلان" كما قال الباحث المتخصص في الشؤون التركية محمد نور
الدين في تحليل له. وأوجلان وحده يمتلك بخيوط اللعبة و"مفتاح الحل"
على حسب رأي زانا، و"أعضاء حزب العمال الكردستاني والمؤسسات
الكردية في داخل وخارج تركيا لاتقدم على أية خطوة بدون أخذ الضوء
الأخضر وموافقة أوجلان من سجنه،خاصة إذما تعلق الأمر بمواضيع الحرب
والسلام والتفاوض مع الطرف التركي" على رأي الصحافي التركي القريب
من العسكر فكري بيلا.حيث خمنّ بيلا على ذاك الأساس، في أن "الخطوة
الكردية القادمة للرد على مبادرة أردوغان لن تكون بنيوية وجريئة،
كتسليم الأسلحة وإعلان إنهاء الكفاح المسلح مثلاً، وذلك لإنقطاع
الإتصال مع أوجلان، وتردد القادة الميدانيين في إتخاذ القرارالحاسم
بدون علم قائدهم" وإنها "ستكون خطوة جزئية ومحدودة، حالما تٌستأنف
الإتصالات بأوجلان من جديد" وأنتقد بيلا الحكومة التركية لعدم
سماحها لأهل ومحاميي أوجلان بزيارته"كونه الوحيد القادر على إتخاذ
القرارات المصيرية والتعليمات التي سيتقيد بها الجميع حتماً".
والحال،أن هناك عدة وجهات نظر وإحتمالات فيما يخص طرح أردوغان،
وثمّة عدة تخمينات بخصوص "الخطوة الأردوغانية" هذه: قد تكون إحدها
صائباً، أو قريباً من الصواب. ولن يتضح الموقف(مع وجود تسريبات
صحفية عن غضب الجيش التركي وعدم إرتياحه لهذا التصريح"الفجائي")
سوى في يوم الثلاثاء القادم 23/8/2005 في الإجتماع الطارئ الذي
سيعقده مجلس الأمن القومي التركي(أعلى هيئة إتخاذ قرار في البلاد)
للبت في تصريحات رئيس الوزراء التي كسرت محظوراً خطيراً، وقوضت
أساساً متيناً من أسس المجسم التابوي الذي تركه مصطفى كمال باشا
أتاتورك، كما لامست خطاً أحمراً عميقاً من خطوط الدولة التركية
الحديثة : وذلك بمجرد النطق بعبارة "القضية الكردية" و"الخطأ
التركي" مقابلها، حتى ولو كان وراء أكمة حزب العدالة والتنمية ما
ورائها...!
طارق حمو
صحافي كردي مقيم في ألمانيا
tariqhemo@hotmail.com